تصميم: المنصة

دراما رمضان في نصف قرن: متعة الفن تخدم أجندة السياسة

عرفت مصر والدول العربية فن الدراما التليفزيونية بدءًا من عام 1962، وحينها لم تكن حلقات المسلسل تتجاوز السبع ولهذا سُمّيت سباعية قبل أن يزيد العدد إلى 15. كوّن الثلاثي يوسف مرزوق وحمادة عبد الوهاب ونور الدمرداش جيل مخرجي الدراما الأول الذي سلم الراية لاحقًا لجيل التلاميذ؛ محمد فاضل وإسماعيل عبدالحافظ ويحيى العلمي وغيرهم، بصحبة فريق من الكتاب اتسع ليشمل أسماءً عديدةً أبرزها يسري الجندي ومحمد جلال عبدالقوي وأسامة أنور عكاشة ومحمد صفاء عامر.

ومع بداية التوسع في إنتاج الدراما وتحوّل شهر رمضان لموسم عرض الجديد من المسلسلات، لم تكن السياسة بعيدة عن المشهد على الإطلاق، بل استطاعت، في ظل تحولاتها المتتالية، فرض أجندتها لسبب أساسي هو أن "الدولة" في مصر ومحيطها العربي، كانت هي المنتج الأكبر لهذا النوع من الأعمال الفنية المصورة، وهي التي تتحكم في العرض والبيع والشراء ونسبة العائد المالي المتحقق من الإعلانات التي تعرض ضمن حلقات كل مسلسل.

هنا، نحاول رصد تقلبات دراما رمضان واختلاف موضوعاتها طوال نصف قرن حافل بالتغيرات الصراعات السياسية في الوطن العربي.

ظهر التلفزيون في مصر في يوليو/ تموز 1960 مع تشييد مبنى ماسبيرو. تنوع الإنتاج ليتضمن البرامج والتمثيليات التي تحولت لاحقًا إلى مسلسلات. وكان التلفزيون يعمل في ضوء فلسفة السياسة التي تطبقها الدولة منذ ثورة يوليو 1952، وهي فلسفة تقوم على التواجد داخل الدوائر الثلاث؛ العربية والأفريقية والإسلامية وضع قواعدها الراحل الدكتور جمال حمدان في موسوعته المشهورة شخصية مصر.

وكان البعد الوطني المتداخل في هذه الدوائر الثلاث واضحًا في الخطاب السياسي والثقافي سنوات ما بعد 23 يوليو، متلازمًا مع حفاوة لافتة بالتراث الشعبي الذي خصص له التلفزيون والدراما المصورة مساحات كبيرة، خاصة بعد إصدار الميثاق الوطني عام 1962، وهو دستور جاء بعد فشل الوحدة المصرية السورية، ليعبر عن التحالف الطبقي الجديد الذي شكله عبد الناصر ليضم العمال والفلاحين والجنود والرأسمالية الوطنية.

الدراما وتراث الفلاحين

كانت جهة الإنتاج الدرامي الوحيدة في مصر هي التلفزيون، بينما سوق توزيع المنتج الدرامي المصري هي التلفزيونات الحكومية العربية خلال سنوات السبعينات والثمانينات وحتى منتصف تسعينات القرن الماضي. خلال هذه السنوات، فرض الوضع السياسي في مصر على التلفزيون تقديم موضوعات تتعلق بالطبقة الوسطى وطبقة الفلاحين والاهتمام بتراث هذه الطبقة. ومن بين المبدعين الذين اهتموا بهذا التراث وكان من العارفين به الكاتب يسري الجندي الذي دخل الكتابة من بوابة المسرح وذاع صيته بعد مسرحية ما حدث لليهودي التائه مع المسيح المنتظر.

لاحقًا اتجه الجندي لكتابة السيناريو التلفزيوني وقدم عدة أعمال عرضت في أشهر رمضان المتلاحقة خلال الثمانينات من أهمها النديم الذي استعرض سيرة الصحفي الثائر عبد الله النديم ودوره في الثورة العرابية، من إخراج علوية زكي وبطولة عزت العلايلي ومحمود المليجي وعقيلة راتب وعبد العزيز مخيون وعبد البديع العربي. لاقى المسلسل نجاحًا كبيرًا، واعتبر مرافعة وطنية ودفاعًا عن الثورة العرابية والدور النضالي للصحفي عبدالله النديم.


في هذا العمل ظهرت قيمة الشعب والخيال الشعبي، فالشعب حاضر طوال الحلقات، ومحاولات أسطرة عبدالله النديم ومنحه كرامات الأولياء الصالحين واضحة في الحلقات أيضا. وفي الإطار ذاته، قدم الجندي مسلسل علي الزيبق وعرض في رمضان كسابقه، مستلهمًا حكاية شعبية تعود تفاصيلها إلى العصر العثماني، تقول إن حسن راس الغول رئيس الدرك الشريف حاول أن يقاوم الفساد فقتله التجار والعسكر الفاسدون وهربت زوجته بولده علي إلى الفيوم، ليكبر الطفل ويعود لينخرط في تنظيم سري يضم عددًا من الشبان الرافضين للوضع السياسي والاقتصادي السائد. كانت مهمة علي الذي يشبه الزيبق في المراوغة والقدرة على الهروب والتخفي، قيادة هذا التنظيم للانتقام من العسكر العثماني والتجار ورجال الدين المتحالفين معهم، عن طريق سرقة الأموال ومنحها للفقراء.

المسلسل قدم هذه الحكاية بهدف إظهار المقاومة الشعبية للمحتل وإظهار أساليب هذه المقاومة ومنها تنظيمات اللصوص الشرفاء التي تضم العياق والشطار والجدعان من أبناء الفلاحين والحرفيين المتمردين على الظلم، وكان تاريخ إنتاج وعرض هذا المسلسل في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي، خلال الفترة الرئاسية الأولى للمخلوع حسني مبارك الذي فتح الباب آنذاك لانتقاد الانفتاح الاقتصادي الذي طبقه سلفه أنور السادات ورفع شعار مكافحة الفساد وأطلق عبارته المشهورة "الكفن مالوش جيوب".

يسري الجندي قدم أيضًا العمل الدرامي الكبير السيرة الهلالية على ثلاثة أجزاء. بدأ الاهتمام بهذه السيرة قبل تقديم المسلسل بسنوات عديدة عبر الإذاعة المصرية، فقد جمعها الشاعر عبد الرحمن الأبنودي وقدمها مع الراوي الشعبي جابر أبو حسين في سبعينيات القرن الماضي عبر إذاعة الشعب بالتزامن مع اتفاقية السلام التي وقعها السادات مع إسرائيل عام 1979، والتي سببت عزلة عربية لمصر وتشكيكًا في "عروبة" نظامها بعد تصالح السادات مع إسرائيل، في حملة كان يتزعمها حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق وحركة القوميين العرب، فكان الرد المصري من خلال الاهتمام بالسيرة الهلالية التي تحكي قصة قبائل عربية تحركت من نجد والحجاز باتجاه تونس للقضاء على فتنة ابن باديس المتمرد على حكم العزيز بالله الفاطمي ثم عادت إلى مصر بعد انتهاء مهمتها واستقرت في الدلتا والصعيد وساهمت في ترسيخ الثقافة العربية التي عرفتها مصر قبل الفتح الإسلامي وبعده.


أما تحويل السيرة الهلالية لعمل تلفزيوني مصور، فحدث في عهد وزير الإعلام الأسبق صفوت الشريف، وبعد إنتاج المسلسل بيع لكل التلفزيونات العربية في المشرق والمغرب لأن قبائل الحلف الهلالي ما زال لها تواجد قائم في الدول العربية.

سير ذاتية لرموز الفكر المصري

مع سيطرة الضباط الأحرار على حكم مصر وطرد الاحتلال الأوربي من الوطن العربي، تزعمت مصر المحيط العربي تحت شعار القومية العربية وأصبحت الثقافة المصرية هي الرائدة، وكان على الدراما أن تعمل على ترسيخ هذه الثقافة واستثمار رموزها اقتصاديًا وسياسيًا، وكان مسلسل العملاق الذي أخرجه يحيى العلمي خطوة في هذا الاتجاه.

يستعرض المسلسل السيرة الذاتية للكاتب عباس محمود العقاد والذي كان وفدي الهوى، له مساهماته في صحيفتي الوفد والمصري. ولكن شهرته تحققت في الوطن العربي بأعماله الإسلامية وأبرزها سلسلة العبقريات إلى جانب غيرها من الأعمال التي ساهمت في تشكيل وعي الشباب العربي ابتداءً من أربعينيات القرن الماضي.

قام ببطولة المسلسل الفنانون محمود مرسي وحمدي غيث وعبد الحفيظ التطاوي وناهد سمير، وتضمن تفاصيل الحياة الثقافية والسياسية في مصر منذ ثورة 1919 حتى رحيل العقاد.


العلمي قدم كذلك قصة حياة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وهو صاحب أثر فعال في تشكيل الذائقة والوعي العربي منذ ظهوره في عشرينات القرن الماضي على الساحة الثقافية والسياسية. سجل حسين قصة حياته في كتاب الأيام الذي صدرت طبعته الأولى عام 1929 على خلفية ما تعرض له من أذى معنوي ومحاكمة سياسية بسبب كتابه في الشعر الجاهلي وهو الكتاب الذي أثار غضبًا عند صدوره إذ اعتبره كثيرون "كفرا" و"تجديفًا" ضد الإسلام، فكتب طه حسين قصة حياته وكفاحه في الأيام لتعزية النفس والاعتزاز بما استطاع إنجازه.

كانت هذه السيرة هي المصدر الذي اعتمد عليه يحيى العلمي في المسلسل الذي عرض في أحد رمضانات النصف الأول من الثمانينات، وقام ببطولته يحيى شاهين وأحمد زكي وأمينة رزق وصفية العمري، مع إنتاج مشترك بين التلفزيونين المصري والقطري، وكان وراء التفكير فيه الفنان القطري المسرحي غانم السليطي المسؤول عن انتاج الدراما في التلفزيون القطري وهو متخرج من أكاديمية الفنون المصرية، حسبما حكى بنفسه لكاتب هذه السطور.

في الفترة ذاتها قدم العلمي أيضًا مسلسل زينب والعرش المأخوذ عن رواية تحمل نفس الاسم للكاتب الروائي والصحفي فتحي غانم الذي اشترك مع الصحفي صلاح حافظ في كتابة السيناريو. يتناول المسلسل تفاصيل العلاقة بين الصحافة والسياسة في مصر ابتداءً من 1946 حتى صدور قانون تنظيم الصحافة في العام 1960 وهو القانون الذي نقل ملكية الصحف المصرية من أيدي ملاكها إلى يد الدولة، والذي عرفه الناس باسم قانون تأميم الصحافة.


رصد المسلسل وهو من بطولة سهير رمزي وكمال الشناوي وحسن يوسف ومحمود مرسي وهدى سلطان ومحمود المليجي وعبد المنعم إبراهيم وصلاح قابيل، محاولات الحكم الناصري السيطرة على المؤسسات الصحفية وزرع رجاله بداخلها وتشكيل خلايا التنظيم الطليعي الذي أسسه عبد الناصر داخل الاتحاد الاشتراكي ليضمن السيطرة على مفاصل الدولة بعد انفراد عبدالحكيم عامر بالجيش وفشل عبد الناصر في تحجيم نفوذه الواسع.

وفتحى غانم كان من رجال ثورة يوليو المخلصين وتولى منصب رئيس تحرير مجلة صباح الخير وجريدة الجمهورية وكان من جيل محمد حسنين هيكل، بينما كان صلاح حافظ من قيادات مجلة آخر ساعة ثم روزاليوسف قبل عزلهما من موقعيهما بالتزامن مع التحولات التي مرت بها مصر في النصف الثاني من السبعينات والتي بدا أنه لن يكون لهما مكان فيها، حيث تمهد تفاهمات كامب ديفيد عام 1978 لاتفاقية السلام مع إسرائيل ثم انتفاضة يناير/ كانون الثاني 1977 والتي كان إعلان تأييدهما لها القشة التي قصمت ظهر البعير وأغضبت السادات.

جاء مسلسل زينب والعرش تذكيرًا للعلاقة بين الثورة والصحافة والتدمير الذي تعرضت له الصحف على يد الرقيب وهو رقيب معين في كل صحيفة لرصد ما يجرى فيها وضبط إيقاع من يحررون ويكتبون على صفحاتها، والهدف من إنتاجه وإذاعته دعوة المشاهد للمقارنة بين زمن الديكتاتورية الناصري، وزمن الديمقراطية والتعددية الحزبية والحريات المباركي، حيث تميزت الفترة الرئاسية الأولى للمخلوع بالتصالح مع القوى السياسية اليسارية والليبرالية ومحاولة خلق أرضية شعبية للنظام بعيدا عن مخلفات العصرين الناصري والساداتي.

ضد الانفتاح.. ضد السادات

كانت فترة السبعينيات من القرن الماضي فترة اضطراب سياسي شهدت مصر خلالها حدثين مهمين، الأول انتفاضة 18 و19 يناير 1977 والثاني هو توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل. بنهايتها اغتيل أنور السادات عام 1981 ليخلفه مبارك الذي استطاع كسر المقاطعة العربية لمصر. كانت الدراما واحدة من أدوات التصالح، والذي سُمي فيه حينه "عودة الشقيقة الكبرى لمحيطها العربي".

تولى الثنائي الناصري أسامة أنور عكاشة ومحمد فاضل عملية إعادة كتابة التاريخ دراميا مستعيدين فكرة الدوائر الثلاث العربية والإسلامية والإفريقية، ابتداءً بمسلسل عصفور النار الذي يستدعي البطل المخلص الوطني في إسقاط على شخصية عبد الناصر الذي نجح رجاله في تخليصه من أخطاء نظامه وخطايا رجاله، وترسيخ صورته الشعبية كزعيم نظيف طاهر، لكن مَن يحيطون به هم الفاسقون، وهي الفكرة التي ترسخت بعد هزيمة 5 يونيو/ حزيران 1967 لتحميل وزر الهزيمة لمعسكر عبد الحكيم عامر رغم تحمّل عبد الناصر مسؤولية الهزيمة في خطاب التنحي المشهور.

وقدم الثنائي بعد ذلك مسلسل الراية البيضا والذي تصور قصة صراع رأس المال الجاهل الجشع في مواجهة القيمة الثقافية والتحضر، من خلال فضة المعداوي التي صنعت ثروتها في زمن الانفتاح الاقتصادي، ورمز الجناح الساداتي في هياكل الدولة المصرية، وترغب في الاستيلاء على القصر الأثري الذي يقيم فيه السفير المتقاعد مفيد أبو الغار ممثل الدبلوماسية الوطنية المصرية العريقة المنحازة للتحضر والقيمة الثقافية.

لم يكن أسامة وفاضل وحدهما من قدما الدراما المضادة للانفتاح وتوجهات السادات. أيضًا محمد جلال عبد القوي كان ضمن هذا المعسكر المنحاز للتوجهات الناصرية الوطنية العروبية المعادية للأمريكان والصهاينة. قدم عبد القوي سيناريو مسلسل الغربة الذي تستند فكرته على عودة الزعيم الوطني المنتظر ليخلص القرية من الظلم، قبل أن يقدم في التسعينات مسلسل المال والبنون وفيه اتهام واضح لرجال الأعمال الجدد بمراكمة ثرواتهم نهبًا من أملاك الشعب وتراثه الحضاري، من خلال الصراع المحتدم بين عباس الضو المواطن الشريف، وسلامة فراويلة رجل الأعمال الجشع الذي كون ثروته من بيع الآثار، وسرقة أموال الخواجة.


أسطورة رأفت الهجان الدرامية

تقدم مذكرات الجاسوس المصري رفعت الجمال المعروف لدى المصريين باسم رأفت الهجان، رواية مغايرة لما قدمته رواية صالح مرسي كنت جاسوسًا في إسرائيل والتي تحولت إلى مسلسل حمل اسم رأفت الهجان من إخراج يحيى العلمي، رغم أن مرسي ذكر في مقدمة روايته أنه استند فيها إلى وثائق سُلمت له من جهاز المخابرات العامة.

ولكن في كل الأحوال، حقق المسلسل نجاحًا كبيرًا ورسخ نجومية محمود عبدالعزيز وقدم شهادة براءة للنظام الحاكم، ففي الوقت الذي كان فيه مبارك يتمسك بعلاقاته مع إسرائيل بينما تندلع انتفاضة الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال الإسرائيلي، كان رأفت الهجان يذاع كل ليلة من ليالي رمضان في العام 1987 ليقول للشعب العربي إن المخابرات المصرية استطاعت هزيمة الموساد الإسرائيلي.


ومع تصاعد المقاومة الفلسطينية، وغليان الشارع العربي بالكراهية ضد ممارسات إسرائيل والغضب بسبب التقاعس العربي، أنتج الجزءان الثاني والثالث من المسلسل.

ليالى الحلمية والتاريخ المجهول

عندما كتب أسامة أنور عكاشة الجزء الأول من مسلسل ليالي الحلمية لم يكن عود الدراما السورية قد اشتد، لكن المنافسة التي اشتعلت لاحقًا بين الإنتاج الدرامي الثلاثي؛ السوري والمصري والخليجي، جعلت المصريون يعودون للتاريخ، لإرضاء ذوق المشاهد المحلي بعد ما تراجع التأثير المصري في المحيط العربي ثقافيًا وسياسيًا بعد حرب الخليج الأولى، ثم حرب الخليج الثانية، وظهور قوى إقليمية تنافس القوة المصرية.

كان ليالي الحلمية بأجزائه الخمسة، ثم أعمال مثل لا أحد ينام في الإسكندرية وبين القصرين وحديث الصباح والمساء وغيرها من الأعمال المستندة إلى التاريخ، تعبيرًا عن المرحلة الجديدة في تاريخ الدراما المصرية الرمضانية.


كانت هذه هي مرحلة الاعتماد على السوق المحلي وترويج الفكرة الوطنية واستدعاء روح ثورة 1919، حيث سنوات المواجهة المسلحة في تسعينيات القرن الماضي تبدو مناسبة لعودة شعار عاش الهلال مع الصليب والذي رفعته عاليًا مسلسلات مثل خالتي صفية والدير والعائلة ليقدما صورة التآخي بين المسيحيين والمسلمين في مصر.

كان الهدف من هذين المسلسلين التصدي للخطاب الإرهابي المعادي للمسيحيين وهو خطاب الجماعات الإسلامية المسلحة التي أشاعت حالة من الكراهية الموجهة ضد المسيحيين، بينما سبق مسلسل الشهد والدموع الجميع بتسليط الضوء على التآخي الذي كان قائما في زمن عبد الناصر، وهو زمن الحروب بين مصر وإسرائيل حيث الجبهة الوطنية متماسكة طائفيًا ولم يكن الصوت الإخواني الوهابي السلفي موجودًا على الساحة السياسية والثقافية آنذاك، وكان المجتمع المصري يواجه عدوًا خارجيًا ويقوم بعملية بناء في الداخل بينما الدين بعيد عن لعبة السياسة حيث تهيمن الدولة على المؤسسات الدينية ولا تسمح بإثارة النعرات الطائفية.

ومثلما نجح الثنائي أسامة أنور عكاشة ومحمد فاضل، نجح الثنائي عكاشة وإسماعيل عبد الحافظ في تحقيق طفرة فنية في مجال شكل وموضوعات الدراما الوطنية. ولكن بعد ذلك ظهر الكاتب محمد صفاء عامر ليدخل بالدراما الرمضانية مرحلة يمكن أن نسميها مرحلة ذئاب الجبل، وهي مرحلة التأريخ لقبيلة الهوارة واعتبارها هي الصعيد، وهو ما لم يكن حقيقيا.

لكن المسلسل حقق نجاحًا واشترته تلفزيونات دول المغرب العربي، لأن هوارة قبيلة مغربية تحالفت مع قبائل الحلف الهلالي الذي قام بعملية التصدي لفتنة ابن باديس في تونس، وجاءت فروع منها إلى مصر واستقرت في البحيرة والفيوم ومطروح والصعيد، وفي الإطار ذاته قدم صفاء عامر مسلسلات مثل الضوء الشارد وحدائق الشيطان، وكلها تدور في مجتمع قبيلة هوارة التي ينتمي إليها المؤلف، ورغم الشهرة التي حققتها تلك المسلسلات لكنها لم تنجح في التعبير عن حقيقة الحياة في صعيد مصر.