بسمة مصطفى

بسمة مصطفى: قليل من التمرد لا يضير

بعد 84 ساعة قضتها مقيدة الحرية منذ القبض عليها صباح السبت في اﻷقصر، أفرج أخيرًا عن الزميلة بسمة مصطفى من قسم شرطة مصر القديمة، مساء اليوم الثلاثاء، بعد خضوعها لتحقيقات مطولة في نيابة أمن الدولة العليا أول أمس اﻷحد، شملت تغطيها لقضية فيرمونت وإسلام الأسترالي وما تكتبه على حساب نسبوه إليها على فيسبوك، قبل أن توجه لها تهم "الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة واستخدام موقع بهدف النشر" في القضية رقم 959 لسنة 2020 حصر أمن دولة عليا، وهي الاتهامات التي قد تصل عقوباتها إلى السجن المشدد، إلى أن صدر قرار النائب العام، في أول ساعات هذا اليوم، بإخلاء سبيلها واستكمال التحقيقات.

رحلة مهنية

في اﻷول من أبريل/ نيسان 1990 ولدت بسمة مصطفى ﻷسرة مصرية من محافظة الشرقية، وعلى مدار سنوات تنقّلت بين دراسات مختلفة بدأتها بقسم اللغة الفرنسية في كلية التربية، لكن لأن المناهج لم تعجبها تركت الكلية، وهو اﻷمر الذي كررته مع كليات أخرى، منها الألسن، وفي النهاية وقع اختيارها على دراسة الفلسفة في كلية الآداب.

خلال تلك السنوات، قررت بسمة العمل في مجال الإعلام، ومثلما تنقلت بين الكليات، بدأت الشابة مشوارًا مهنيًا شهد في سنوات قليلة تنقلها بين عدّة مواقع وقنوات اختلفت بين المحلية والإقليمية والدولية، كان أولها موقع البديل عام 2011 حين كانت ما تزال بعد في الواحدة والعشرين من عمرها، وهو العام الذي أضربت فيه عن الطعام واعتصمت في خيمة بميدان التحرير إثر القبض على والدها من محل عمله بالزقازيق ومحاكمته عسكريًا.

في ذلك الوقت "تحوّل اهتمام بسمة من قضية اﻷب وحده إلى مساحة أوسع شملت كل مَن تعرض للاعتقال؛ ليصبح هذا الأمر مجال اهتمامها المهني عبر تغطية القضايا الحقوقية"، بحسب ما ذكره رئيس تحرير الموقع ومَن تبناها صحفيًا خالد البلشي، الذي وجد فيها "شابة متحمسة ومجتهدة لدرجة لم تجعل معاركها مقتصرة على السلطات فحسب، بل وامتدت إلى اﻷهل في سبيل إثبات نفسها" لتنتصر في النهاية بعد اقتناع الأهل بأنها في أمان مع البلشي، الذي صارت له مكانة خاصة، فلم تستغن عن مشورته حتى عندما عملت في مواقع أخرى.

من بين تلك المواقع كان البوابة نيوز عام 2013، وبعده عملت في موقع البداية، وذلك منذ يناير/ كانون الثاني 2015 لمدة عامين حتى الشهر نفسه من عام 2017، وهو الموقع الذي يحكي البلشي أنها "رفضت العمل به عند تأسيسه بسبب وجود زوجها آنذاك ضمن فريق التأسيس؛ ما جعلها تفضل الابتعاد والالتحاق به في وقت لاحق للتأسيس حفاظًا على المهنية".

اهتمت بسمة في موقع البداية بتغطية القضايا الحقوقية وكذلك الأحداث الميدانية، وقتما كان هناك مساحة، ولو ضيقة، للحديث عن مثل هذه الأمور. ومنه انفتح لها الطريق لتتنقل بين عدّة مواقع كان منها الوادي اﻷسبوعي، ودوت مصر، وجريدة التحرير.

على المستوى العربي، لم تكن بسمة أقل مهارة، وهو ما أثبته عملها مع مواقع تحظى بشهرة إقليمية مثل رصيف 22، وكسرة، كما عملت بقناة الحرة إلى أن تركتها للعمل كصحفية مستقلة.


اقرأ أيضًا: بعد تحقيقات تناولت تغطياتها الصحفية: حبس بسمة مصطفى 15 يومًا


خلال تلك الرحلة مارست بسمة العديد من الفنون الصحفية، مثل الإخباري والتقريري واللذين اختلفا في قوالبهما بين المكتوب والمرئي، إلى أن منحتها مؤسسة أريج فرصة أخرى لميلاد مهارات جديدة؛ فأنتجت تحقيقات كان أبرزها ما تناول تبعات مقتل جوليو ريجيني واتهام أبرياء بقتله، وكذلك تحقيق عن استغلال عاملات المنازل في الجنس التجاري، ليتم ترشيحها عام 2018 لجائزة المؤسسة التي عملت معها أيضًا في الفترة بين مايو/ أيار إلى يوليو/ تموز 2020 كباحثة على تقرير عن المعلومات الكاذبة.

عقب العمل مع أريج، تعاونت بسمة مع المنصّة، وذلك بتغطية عدد من القضايا التي شغلت الجمهور خلال الفترة الماضية، وعلى رأسها قضية فيرمونت. وكما كانت الصحفية، قبيل القبض عليها، تستعد لتقديم تغطية لقضية ضحية الأقصر عويس الراوي، سبق وأن قدمت تغطية عن ضحية أخرى لأحد رجال الأمن لكن في القاهرة الكبرى، وهو الشاب إسلام الاسترالي، الذي قُتل في قسم شرطة المنيب.

في كل هذه القضايا وما سبقها، كان لبسمة دافعًا يحركها، حكت عنه يومًا لوالد ابنتيها المحامي الحقوقي كريم عبد الراضي، ويذكره الآن للمنصّة، قائلًا "بسمة كانت شايفة إن العمل الصحفي ما زال يستحق مجهودًا، ﻷنها مؤمنة إنه رسالة وإن الإحباط والاستسلام مش حل، ﻷن حق المجتمع والضحايا في أي قضية إنهم يلاقوا صحفيين ينقلوا الجانب الآخر من الرواية".

وأمومة مُكدّرة

في عام 2013 تزوجت بسمة من المحامي الحقوقي كريم عبد الراضي، وهو ما أثمر عن ميلاد هيباتيا ونورية، طفلتيها اللتين كانتا تتسائلان عن سر غياب أمهما "كل مبرراتي اللي بقدمها لهيباتيا ونورية عن غياب أمهم كل الوقت ده مبقتش منطقية بالنسبالهم، وشايفين إنها حتى لو مسافرة أو في شغل، فالبديهي هتكلمهم فيديو كول على الأقل". بحسب ما كتبه عبد الراضي في حسابه على فيسبوك، في أعقاب اعتقال بسمة.

صورة ضوئية من حساب المحامي الحقوقي كريم عبد الراضي

ولم تكن هذه تجربة بسمة اﻷولى في الاعتقال، إذ سبق وألقي القبض عليها في أبريل/ نيسان عام 2016، من ميدان التحرير، وقت أن كانت تعمل في موقع دوت مصر، وتم احتجازها آنذاك في معسكر الأمن المركزي بالجبل الأحمر، قبل أن يتم إطلاق سراحها.

لا تقضي بسمة كامل وقتها في العمل الصحفي ورعاية ابنتيها فحسب، لكنها ناشطة في العمل اﻷهلي، ومن خلال ما ورد إليها أخبار وشكاوى عن المتضررين من فيروس كورونا، دشنت مبادرة مجتمعية لتقديم وجبات غذئية للمحتاجين ممن أفقدهم الفيروس وآثاره القدرة على أداء المهام اليومية، وفقًا لما حكاه زوجها السابق كريم وعدد من أصدقائها، وما وثّقته بنفسها في مقال بالمنصّة تحدثت فيه عن التجربة وكيف كانت خير عون لها في مواجهة الاكتئاب والاضطرابات النفسية التي سببها هجوم كورونا.

قبل الانشغال برعاية متضرري كورونا، كان لبسمة تجارب أخرى مع النشاط المجتمعي والسياسي، ففي وقت ثورة يناير كانت واحدة من أعضاء حركة "لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين"، ومن بعدها انشغلت بقضايا نسوية مع مجموعات مختلفة.

ما وقع لبسمة كصحفية وأم، استدعى بذاكرة العديد من زملائها وأصدقائها ما تعرضت له أم أخرى زميلة لها هي سولافة مجدي، الصحفية المحرومة منذ شهور من طفلها وعملها، بسبب قرار بالحبس الاحتياطي أيضًا بحقها هي وزوجها بعد القبض عليهما في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، آملين ألا تطول فترة حبسها أكثر من ذلك.