جرافيتي لمارادونا. الصورة برخصة المشاع الإبداعي لـ indigoMood - فليكر

مارادونا في "يد الله"| دييجو الذي نحبه لأنه يشبهنا

حزن ودموع ورثاء؛ كلٌّ يكتب ما يشعر به بتلقائية دون الحاجة إلى كلامٍ منمق، ربما لأن الحدث جلل أو لأن الفقيد رغم عظمته وقدرته على الإبهار دومًا كان شديد البساطة، واعتقاده بأنه الأفضل نابع من تصديق والدته التي قالت له يومًا "أنت الأفضل يا دييجو".

توفي دييجو آرماندو مارادونا يوم الأربعاء 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، والذي يصادف الذكرى الـ 15 لوفاة الأيرلندي جورج بيست لاعب مانشستر يونايتد السابق الذي كانت حياته تشبه حياة مارادونا في بعض تفاصيلها، وهو أيضًا اليوم نفسه الذي توفي فيه الرئيس الكوبي السابق فيدل كاسترو، صديق دييجو المقرب.

رحل مارادونا سريعًا لكنه خلف تركة من الحب موزعة على سبع قارات، ولو كان هناك من يسكنون المريخ لكان حبهم سيغمره كذلك.

لف الحزن أرجاء العالم، ليست مبالغة فحتى خصومه حيوه، الفرنسي ميشيل بلاتيني الذي كان لاعبًا في يوفنتوس ونافس مارادونا في الدوري الإيطالي على البطولات والألقاب الفردية "ماضينا يرحل ويتركنا بوفاة دييجو أرماندو مارادونا". أما الحساب الرسمي ليوفنتوس فأعاد نشر هدف أحرزه مارادونا في شباكه.


هذه سطور في حب مارادونا الذي يشبهنا؛ سواء كنا قادمين من أزقة روثاريو أو من حقول الريف المصري. لن تجد هنا أحاديث عن بصمات قدميه الواضحة في فوز نادي الجنوب الإيطالي نابولي بلقبي اسكوديتو أو في اقتناص الأرجنتين لقب كأس العالم 1986، ولا عن فشل جائزة البالون دور في أن يفوز بها لأنها على أيامه كانت تقتصر على اللاعبين الأوروبيين، إلى أن تغيرت القوانين عام 1995 ليقتنصها الليبيري جورج وايا، وتمنح واحدة لمارادونا عن مجمل ما قدمه لكرة القدم.

لا تتعلق هذه السطور أيضًا بقصص حفلاته الصاخبة وإدمانه على الكوكايين وإيقافه بسبب المنشطات قدر تعلقها بإنسان قريب من القلوب، شعر معظمنا بعد وفاته بمشاعر فقد عزيز فغالبتنا الدموع. نحب دييجو لأنه يبهرنا دائمًا بتمرده ورغبته في قول ما يشاء وقتما يشاء؛ وهي رفاهية لا تمتلكها غالبيتنا.

أتذكر مذكرات لوتشيانو مودجي المدير الرياضي لنابولي وقت وجود ماردونا، إذ يحكي كيف كان دييجو يتحول إلى طفل والكرة بين قدميه، وكيف يثور ويضغط لزيادة راتب زميله الحارس جوزيبي تالياتيلا لأنه كان يرى راتبه منخفضًا. يعد ولائم لزملائه ولا يتلقى الهدايا بل يمنحها.

رجل الشعب

كان دييجو لاعبًا فذًا ولكنه لم يكن الأقرب إلى قلوب كل المشجعين فقط لهذا السبب. الأمر لم يتعلق فقط بكرة القدم وإنما كذلك بعفويته الشديدة.

بعد توقيعه لنابولي في 1984 طلب من ناديه إقامة مباراة ودية لمساعدة طفل مريض غير قادر على تكاليف جراحة، ولكن محاولاته لإقامة المباراة تعثرت، ما دفعه إلى إقامة المباراة بنفسه في ملعب قريب من منزل الطفل بأحد أحياء نابولي، في حضور 4000 متفرج.


مونديال المكسيك 1986 كان بالنسبة للجميع منافسة كروية إلا أنه بالنسبة لمارادونا كان مناسبة للثأر لبلاده من هزيمة حرب جزر الفوكلاند على يد بريطانيا ليسجل هدفًا بيده وآخر بقدمه، تكلم بعفوية شديدة عن الهدف الأول قائلًا ببساطة إنها "يد الله"، ولم يتهرب من الإجابة مثلًا بالإشارة إلى هدفه الثاني الذي راوغ في سبيل إحرازه معظم لاعبي إنجلترا، ليصبح أحد أجمل أهداف كرة القدم عبر تاريخها.

مارادونا شن هجومًا مباشرًا على رأس الكنيسة الكاثوليكية التي زارها عام 2000، يرجّح أن سببه عدم منح البابا يوحنا بولس الثاني مسبحة خاصة لمارادونا، الذي قال في العلن "ذهبت إلى الفاتيكان ورأيت الأسقف المذهبة، وبعدها سمعت البابا يتحدث عن قلق الكنيسة على الأطفال الفقراء؛ قم بييع الأسقف إذًا".

لكن علاقة مارادونا بالكنيسة تغيرت بعد وصول مواطنه البابا فرانسيس حد قول دييجو أن إيمانه رد إليه "ابتعدت عن الكنيسة لكن فرانشيسكو أعادني إليها".

الهوس بمارادونا في حي روثاريو، القادم منه الزعيم تشي جيفارا الموشوم على ذراع دييجو، بلغ حد تأسيس كنيسة مارادونية في عيد ميلاد دييجو الـ 38 على يد ثلاثة أرجنتينيين. للكنيسة أتباع في عدة دول ففي احتفالها العاشر بالتأسيس جاء إليها أشخاص من الولايات المتحدة والدنمارك وإيطاليا وحتى الجارة البرازيل.

وهناك 10 قواعد وفروض في الكنيسة المارادونية؛ الكرة لا تتسخ أبدا، وحبها فوق كل شيء، وحب دييجو غير مشروط، والدفاع عن قميص الأرجنتين، ونشر معجزات دييجو في العالم كله، والملاعب التي لعب فيها وقمصانه من المقدسات، دييجو ليس عضوا في أي فريق، التبشير بالكنيسة وأهدافها، دييحو سيمون اسمك الأوسط، وديبجو سيكون اسم ابنك الأول.

وللكنيسة المارادونية عيدان؛ العيد الموازي لعيد الميلاد هو يوم ميلاد دييجو 29 أكتوبر، والعيد المقابل لعيد القيامة يوم 22 يونيو وهو اليوم الذي سجل فيه مارادونا هدفيه في إنجلترا.

على موقعهم الرسمي ستجد صلواتهم، دينهم هو كرة القدم ويعتقدون أن كل دين يجب أن يكون له إليه، فاختاروا مارادونا إله كرة القدم.

"يبارككم مارادونا

حفظ الله لك الكرة

أنت مليء بالسحر

دييجو معك

طوبى لكم مع البقية وليبارككم مارادونا الذي لا يترككم تسقطون

صلواتنا للاعبينا الآن وفي كل يوم".

لم يكن مارادونا ملاكًا وإن انتشرت أيقوناته مع السيدة العذراء في الأرجنتين ونابولي، ولكنه أيضًا لم يكن شيطانًا، بل عاش الحياة ببساطة، بطولها وعرضها كما نقول، حياة لو امتلكها أحدنا لفكر في جني أرباح أكثر ولكبل نفسه بالأقساط والديون.

قال دييجو يوم وداعه للكرة "أتمنى ألا ينتهي هذا العشق الذي أشعر به تجاه كرة القدم وألا تنتهي هذه الحفلة وألا ينتهي أبدًا هذا الحب الذي تكنونه لي. كرة القدم هي الرياضة الأجمل في العالم لا يشك أحدًا بذلك فلا ينبغي أن تدفع كرة القدم ثمن ذلك. أنا أخطأت ودفعت الثمن لكن كرة القدم يجب ألا تمس".


العشق لم ينته ولن ينتهي لدييجو، أحد أبناء بلده الأرجنتين ذهب ليضيء له شمعة بعد وفاته وقال "هل تعرف السعادة التي قدمها لنا نحن الفقراء؟ لم نكن نملك ما يكفي للطعام في بعض الأحيان لكنه كان يجعلنا سعداء".


دييجو كان السعادة المجانية المتاحة لكل الناس، طفل قصير يتلاعب بكرة القدم بين قدميه يستحق كل الحب في حياته والدموع التي ذرفت بعد وفاته.