ياسميلا زبانيتش- الصورة: صفحتها على فيسبوك

ياسميلا زبانيتش: عندما تتصدى للحرب امرأة

في صبيحة يوم حار من شهر يوليو/تموز عام 1995، استيقظ سكان مدينة سربرنيتسا البوسنية على أصوات مدافع مجرم الحرب راتكو ملاديتش، قائد قوات صرب البوسنة، وهي تفتك بمنازلهم لا تفرق بين مدني أو عسكري، في الوقت الذي انشغل فيه ذلك الجنرال المتعجرف بما يلقيه من عبارات تسجل بطولاته على مصور اصطحبه معه ليلتقط له صورًا وفيديوهات، على أنقاض المدينة المتهدمة منازلها.

وتحت قصف القنابل وقف أب وابناه يجمعون كل ما استطاعوا حمله من مسكنهم المتواضع قبل إخلائه، في الوقت الذي امتلأت فيه الشوارع بشيوخ ونساء يتخبطون في فزع خوفًا من أن تنالهم الرصاصات الطائشة لقوات الجنرال المجرم، أثناء هروبهم إلى معسكر بوتوتشاري، طلبًا لحماية قوات الأمم المتحدة المتمركزة هناك، ليعلقوا ما بين سياج المعسكر وأسلحة الجنرال المهووس.

بهذه المشاهد المشحونة والمتلاحقة تفتح المخرجة البوسنية ياسميلا زبانيتش شريطها السينمائي اﻷحدث "إلى أين تذهبين يا عايدة"؟ الفائز بنجمة الجونة الذهبية هذا العام، الذي استمدت أحداثه من المجزرة المخزية التي وقعت في مدينة سربرنيتسا عام 1995، وراح ضحيتها أكثر من 8000 شخص قتلوا بشكل ممنهج.

لم تكن زبانيتش بمعزل عما جري في تلك المجزرة، وإنما كانت هي نفسها إحدى المحاصَرات في العاصمة البوسنية من ميليشيات جيش الصرب؛ فتاة عشرينية طموحة تدرس الإخراج السينمائي والمسرح في أكاديمية الفنون بسراييفو، وليس أمامها لاستكمال دراستها، في ظل انقطاع للكهرباء وإغلاق لدور السينما دام ثلاث سنوات ونصف؛ سوى التخيُّل: تخيل الأفلام "كان ذلك الوقت منقذًا للحياة لأنه فجأة أصبح هناك معنى لها".

المخرجة- الصورة: صفحتها على فيسبوك

بعد انتهاء سنوات الحرب والدراسة، لم تكن بلادها مستعدة لمنحها الكثير؛ كانت المدينة مهلهلة كثوب رث، ويبحث أهلها، الذين لم يعودوا قادرين على مواجهة جلاديهم كل صباح، عن أرض جديدة تتسع لآلامهم وما تبقي من فتات أرواحهم المبعثرة، فهاجر الكثيرون منهم إلى اﻷراضي المجاورة، لكن زبانيتش اختارت الذهاب إلى أمريكا، لتعمل في البداية في مسرح العرائس المعروف بمسرح الخبز والدمى في فيرمونت، ثم كمهرجة في ورشة الممثلة الأمريكية الفرنسية لي ديلونج، التي تعتبرها زبانيتش معلمتها الأعظم "إنها تلمسك بضعفها وقوتها في نفس الوقت". لكن التجربة التي خاضتها زبانيتش في البوسنة، كانت بحاجة إلى وسيط أكثر رحابة من المسرح، تستطيع من خلاله التعبير عنها، لذلك انتقلت إلى برلين لتؤسس وزوجها شركة ديبلوكادا، التي ستنتج من خلالها مشاريعها السينمائية اللاحقة.

خلال سنوات دراستها الأولى في البوسنة، شهدت زبانيتش جريمة اغتصاب جماعي لنحو عشرين ألف امرأة، جرت على بعد أمتار قليلة فقط من مكان إقامتها "منذ ذلك الحين، أصبح الاغتصاب وعواقبه هاجسًا بالنسبة لي"، وهو ما كان دافعًا قويًا لها لتوثيق قصص تلك الناجيات، وبخاصة عندما شاهدت ما تمارسه الحكومة طوال الوقت من محاولات للتكتم على مثل تلك الجرائم "الدولة تساعد عائلات الجنود الذين قتلوا وأبطال الحرب، لكنها لا تلتفت إلى النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب، فهن غير صالحات للدعاية، لذلك يتم استبعادهن".

قررت زبانيتش أن تحكي قصص النساء اللائي أدار العالم ظهره لهن، بعدما سُلِبن الأب والزوج والابن، ولم يعد في إمكانهن سوى الاعتناء بتلك الزهور المغروسة أمام شواهد القبور، "يمكننا القول بأن الحرب هي لعبة للرجال فقط وأن الأفلام التي تدور حول الحرب يصنعها الرجال في الغالب. في أعمالي أعرض بوعيّ المنظور الأنثوي لأنه يوجد بالفعل ما يكفي من الأفلام حول الحرب من منظور ذكوري".

امرأة شوهتها الحرب

في "جربافيتسا: أرض أحلامي"، الفائز بجائزة الدب الذهبي من مهرجان برلين السينمائي عام 2006، ترصد زبانيتش الصراع بين الرغبة في تجاوز الصدمة بنسيانها، وما يفرضه الواقع من ضرورة العودة إلى تفاصيلها لتخطي تداعياتها، من خلال تتبع حياة امرأة تعيش في سراييفو وتكافح لتخفي سر حادث اغتصابها عن ابنتها التي لا تكف عن سؤالها عن هوية أبيها.

بوستر الفيلم- الصورة: IMDB

"كانت عملية البحث والكتابة مدمرين عاطفيًا"، تصفت زبانيتش فترة عملها على إعداد الفيلم، الذي جاءتها فكرته بعد أن أثارت ولادة ابنتها زوي في داخلها أسئلة حول مشاعر الأمهات اللائي يحملن كرها علي يد جلاديهم، وأعادتها إلى ما جمعته من شهادات لنساء تعرضن للاغتصاب وقت الحرب "تلك هي اللحظة التي عرفت فيها ما أريده من القصة وكتبتها بين (مواعيد) الرضعات".

إسما (ميريانا كارانوفيتش) أم لفتاة تدعي سارة، تعيشان في حي جربافيتسا، الذي كان معسكر اعتقال للبوسنيين، ولا تزال ذكريات الحرب باقية في شوارعه ومبانيه الممتلئة بثقوب الرصاصات.

تكافح إسما لتدبير تكاليف دراسة ابنتها، التي يعفيها عن الاضطلاع بها أن تكون زوجة لبطل حرب أو شهيد، لكن سعيها للحصول على مثل تلك الوثيقة يفتح الباب لجرح قديم اعتقدت أنه التأم.

يتجسد التوتر بين الماضي القريب والحاضر، في العلاقة المتقلبة ما بين الأم وابنتها، التي تتأثر سلبًا كلما سألت سارة عن هوية أبيها، الذي أخبرتها أمها أنه مات في الحرب، دون أن تمنحها مزيدًا من التفاصيل عن حياته، وهي التفاصيل التي لا تكف الابنة عن السؤال عنها، وتوقع اﻷم في أزمة عند ظهور خيار اﻹعفاء من المصاريف الدراسية.

لم تتطرق زبانيتش إلى بشاعة ما حدث داخل معسكرات الاعتقال، لكنها حاصرت إسما بطبقات لا نهائية من الألم والهزيمة التي راكمها العالم فوق رأسها، وتضعها يوميًا في مواجهة الجريمة التي ارتُكِبَت في حقها: ابنتها سارة، بعد أن اغتصبها جندي صربي في إحدى المعتقلات تلك.

تذكرنا زبانيتش بألا ننسى أبدًا أن أثار الحرب لا تنمحي رغم انتهاء المعارك، حيث تحمل ذكرياتها الألم والمعاناة والحزن، وبالنسبة إلى إسما، انتهت الحرب لكن جسدها ظل محتلًا، ولكي تنعم بالمستقبل يجب عليها أن تعترف بحقيقة ماضيها الصادم؛ في مشهد من الفيلم تحث المعالِجة النفسية مجموعة من النساء قائلة: "الكبت هو أسوأ ما يمكن أن تفعلنه، هناك أشياء لا يمكن نسيانها إلا بالحديث عنها".

مع تأخر إسما في إصدار الوثيقة، تتعرض سارة للسخرية من زملائها في المدرسة لأنها ليست على قائمة أطفال الشهداء، وتزداد شكوكها في إجابات والدتها المراوغة، وفي نهاية المطاف تضطر إسما لمصارحة ابنتها بالحقيقة، لكن حبهما وحاجتهما إلى بعضهم البعض يساعدنهما لتجاوز الأزمة إلى مستقبل أفضل.

لهؤلاء الذين لا يبوحون بالحكايات

خلال الحرب، زار العديد من الفنانين والكتاب المشاهير العاصمة البوسنية لإظهار التضامن مع مواطنيها الذين كانوا يعانون من الحصار، وكان من بينهم الممثلة لي ديلونج، التي حاولت الترويح عن سكان المدينة بتنظيم عروض كوميدية، وهي عروض أسهمت لاحقًا في تشكيل وعي زبانيتش، التي فهمت أن المهرج إذا أراد إضحاك الجمهور، فعليه أولا السخرية من نفسه، ما يتطلب إظهار كل نقاط ضعفه وما يخفيه من أشياء لا يريد للناس أن يطلعوا عليها في العادة، وعلَّم ذلك زبانيتش ألا تخاف كمخرجة من إظهار مشاعرها، وفضح الأمور التي يتجنب الجميع الحديث عنها، وهو ما اعتمدت عليه في بناء فيلمها الثاني "لهؤلاء الذين لا يبوحون بالحكايات".

ما من شيء يربط بين الناس كما تربط بينهم ذكرى شقاء عانوه معًا، واجتازوه معًا، وعاشوا بعده معًا.
- من رواية جسر فوق نهر درينا - إيفو أندريتش

مرة أخري لا تستعرض زبانيتش الحرب بشكل مباشر، بل ترصد أثارها على الضحايا، ولكن عبر أعين كيم فيركوي هذه المرة، السائحة الأسترالية التي قررت السفر لمدينة فيشجراد الواقعة على الحدود البوسنية الصربية، مدفوعة بما قرأته في رواية إيفو أندريتش "جسر فوق نهر درينا"، التي يتغزل فيها بطبيعة المدينة الساحرة حيث يتقاطع الجسر والنهر بشكل "لا مثيل لجماله".

يبدأ الفيلم من لحظة وصول فيركوي إلى العاصمة سراييفو، حيث تقضي يومها كأي سائح يزور المدينة قبل أن تقرر السفر لبلدة فيشجراد لزيارة الجسر الشهير والإقامة في فندق فيلنا فلاس، الذي يصفه كتيب الرحلات بأنه "مكان مثالي لقضاء أمسية رومانسية".

بوستر الفيلم- الصورة: IMDB

لم تنعم فيركوي بليلة هانئة في ذلك الفندق مثلما كانت تتوقع، بعد أن زارتها كوابيس ورؤى عجزت عن تفسير أسبابها، وبمجرد عودتها مرة أخرى إلى سيدني، بدأت في البحث عن تاريخ المدينة لتكتشف أن الفندق الساحر الذي قضت فيه ليلتها كان مركزًا للتعذيب خلال الحرب البوسنية، وأن هناك 200 امرأة تم اغتصابهن بعنف حد أن بعضهن قفزن من الشرفة ليلقين حتفهن هربًا من المزيد من الانتهاكات الجنسية، وأن ذلك الجسر الذي تغزلت فيه الرواية كان مسرحًا لعملية إبادة جماعية لدرجة أن دماء الضحايا التي ملأته منعت العبور فيه، بحسب ما أشيع عنه.

سيطر على فيركوي شعور الغضب والذنب، كونها نامت على السرير نفسه الذي اغتصبت عليه عشرات النساء، لكنها على الرغم من ذلك قررت العودة إلى المكان نفسه بعد ستة أشهر من زيارتها، وكان الوقت شتاءً هذه المرة، لم يعتد فيه أهل القرية على زيارة السائحين، لذلك لفت أنظارهم أن تقوم سائحة بالتصوير في ذلك الوقت بينما تلقي عليهم كثير من الأسئلة، ما أدى إلى إلقاء القبض عليها، وخلال استجوابها تنكأ فيركوي جراح الماضي الذي لا يريد أحد تذكرها.

تتعمق زبانيتش وفيركوي في تلك الجراح، وعلى الرغم من ذلك لم يتضمن الفيلم مشهدًا واحدًا صادمًا أو مؤلمًا، لكنه احتوى على سيل من المشاعر المتدفقة، بدا معها جسر المدينة البديع وكأنه يمر فوق تاريخ ممتد من اﻷلم والرعب لا نهر صغير يتدفق.

تمهل الشرطة السائحة الأسترالية ساعة للرحيل، فتعود إلى الفندق وقد اقتطفت مجموعة من الزهور بعدد النساء اللائي تم اغتصابهن فيه، ثم تتركها على سرير الغرفة وترحل في صمت، في مشهد يمثل رسالة احتجاج أو إدانة لصمتها (أو ربما تواطؤها) أمام رجال الأمن، لتخرج بعدها إلى الشارع وتؤدي رقصة مرنة بحركات مرتجلة، وكأنها تحولت إلي عصفور نال حريته خارج حدود قفصه الموحش.

بين المنفى ورائحة الموت

في شريطها السينمائي اﻷحدث "إلى أين تذهبين يا عايدة"؟ تكشف زبانيتش جرحا آخر لم يلتئم بعد، ولا تزال تفوح منه رائحة دماء مذبحة حاول الجميع إنكارها، حتى ضحاياها أنفسهم، وكأن قوة ما مجهولة تحاول شطبها من العقل الجمعي لهؤلاء البشر.

تقول زبانيتش "لا يرغب الكثير من الناس في سرد قصص عن الماضي، بل يريدون التطلع إلى المستقبل. بالنسبة لي، فإن طريقة العيش معًا هي فتح كل المقابر الجماعية، وكتابة كل الحقائق، ووضع مجرمي الحرب في المكان الذي ينتمون إليه، ثم رؤية كيفية بناء مستقبل معًا".

في أفلامها السابقة تعرضت زبانيتش لصدمات ما بعد الحرب، لكنها في ذلك الفيلم تقرر العودة إلى حيث بدأ كل شيء، في بلدة سربرنيتسا التي على وشك أن تصبح مسرحًا لأكبر عملية إبادة جماعية شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

يبدأ الفيلم بمشهد متوتر، حيث تتولى عايدة (ياسنا ديوريسيتش) الترجمة بين عمدة سربرنيتسا اليائس وقائد الكتيبة الأممية، الذي يعد بشن ضربات جوية إذا ما هاجم جيش الصرب المدينة، غير أنه يخدعه، وسرعان ما يدخل الجنود البلدة، ما يضطر آلاف السكان للزحف نحو معسكر القوات الهولندية بحثًا عن ملاذ آمن، ولأن القاعدة لن تستوعب كل هذه الأعداد، يتم السماح بدخول القليل منهم فيما يبقى الآلاف في الخارج، بمن في ذلك زوج عايدة وابنيها، معلقة حياتهم بين الخوف من هجوم جيش الصرب أو الفشل في عبور سياج المعسكر، ومطالبين في الوقت نفسه بالصمود تحت قسوة شمس حارقة دون ماء أو طعام كافيين.

مشهد من الفيلم- الصورة: IMDB

تتبدى أزمة عايدة في كونها عالقة ما بين عالمين؛ عملها كموظفة في الأمم المتحدة، مضطرة إلى ترجمة الوعود الكاذبة للمسؤولين، ورغبتها كأم في إنقاذ عائلتها، في ظل علمها بأن مصيرًا مأساويًا سيصيب من سيبقى في أيدي الميليشيات.

تركز زبانيتش كاميراتها منذ البداية علي عايدة، بحيث يبدو للمشاهد كما لو أن مصير المدينة يقع على كتفي تلك المرأة، فيتحرك معها من مكان لآخر، يتعرف على المعضلات التي يمكن أن تواجهها الأم في مثل هذا الموقف، ويحارب معها الوقت، ضد عدو لا يتردد في القتل.

تنجح عايدة في توفير ممر أمن لعائلتها داخل المعسكر، لكن فرحتها بإعادة شمل أسرتها لا تدوم وسط انهيار الحماية الأممية أمام بيروقراطية وجبن المسؤولين، وتورِّطُ زبانيتش المُشاهِد في قصتها حد إشعاره بالخجل، حين تضعه أمام بؤس وقلة حيلة لهؤلاء الضحايا، فيما تتنقل بسلاسة ما بين وجه أم خائفة على وشك الولادة، ورعب فتى يحاول التنكر في زي امرأة لخداع الصرب، وما بين جندي هولندي يبكي بلا حول أو قوة، وأم وابنها يتم فصلهما بالقوة، وقبلة أخيرة بين حبيبين يعرفان أنهما لن يلتقيا أبدًا مرة أخرى، ثم إلى عايدة، التي تعود بذاكرتها إلى وقت كان كل شيء فيه أجمل، حيث حفلة صاخبة مليئة بالرقص والضحك والغناء مع العائلة والأصدقاء، وكأن زبانيتش تمنحها استراحة محارب قصيرة قبل أن تعود الصورة لوضعها المظلم.

مشهد من الفيلم- الصورة: IMDB

تدفعنا زبانيتش للتساؤل عن مدي تواطؤ بطلتها وأنانية قراراتها، بداية من توفيرها ممر آمن لعائلتها، ثم إبلاغ المدنيين بإخلاء المعسكر، وهي تعلم جيدًا أنهم يُقَادون لحتفهم. إن براعة رسم تلك الشخصية لا يظهر فقط في ترددها ما بين تأدية الواجب وتلبية العاطفة التي تتعارض معه، بل في كشفها كيف يتصرف البشر مع بعضهم البعض حين تصير حياتهم على المحك، وكيف أن الحروب تفقدنا جزءًا من إنسانيتنا.

مع خروج آخر مدني من المعسكر، تظهر نهاية تلك المذبحة المروعة، وتمر السنين بعدها بينما لا تزال نيرانها مشتعلة في قلب عايدة، لا تعلم إلى أين تذهب؟ باتت وجهتها مشتتة وضائعة ما بين البحث عن رفات عائلتها، والعودة إلى منزلها القديم الذي أصبح ملاذًا لجلاد مخادع؛ أشهر بالأمس سلاحه في وجهها، فيما صار يتمنى لها اليوم صباحًا طيبًا.

لا تفتش زبانيتش عن الحرب، إنها تتطلع إلى ما ورائها، وتحاول أن تجد مكانًا لبطلاتها في عالم جديد صاروا لا ينتمون إليه، فما أصعب العيش بلا هوية أو عنوان، وما أقسي الحياة في وطن هو والمنفي سواء.

لكن بحثها الأبرز في هذا الفيلم كان عن آثار تلك المجزرة على الأجيال الجديدة، وكيف سيتحدد مستقبل أمة لا تزال يحمل قلبها كل ذلك الألم "كان من المهم أن تكون الشخصية الرئيسية معلمًا لأن هذا هو السؤال الذي يثير اهتمامي: كيف يمكننا المضي قدمًا بعد الإبادة الجماعية؟ كيف نخبر الأطفال؟ وماذا سيصبحون؟ هل سيكونون جنودًا مثل آبائهم، أم سيفتحون أعينهم على منظور مختلف"؟