دق الوشم- الصورة: Flickr برخصة المشاع اﻹبداعي

"الفن الحرام": كيف حرر الوشم جسدي وسجن المجتمع رساميه؟

كان حلمًا يشبه مشهدًا من أفلام الجوثيك، لكنه مبهج على الرغم من ذلك؛ وَثّقته في كتابي الأول بس يا يوسف، ثم على جسدي للأبد.

تستلهم أفلام الجوثيك الفن القوطي في صياغة صورتها السينمائية؛ وكنت في الحلم نسختين من نفسي، تركب اﻷقوى عربة مسرعة (أدركت أنها الحياة) تسير من أمامي بينما تنظر إليَّ في تحد ممزوج بحنان وشفقة، وتريد أن تسلبني كل ما أملك في ذلك الوقت: ضعفي. اقتربت مني تمد إصبعًا إلى ذراعي لتكتب عليه "سلام"، آلم طرف إصبعها جلدي البكر، وكأنه طعنات من أسهم صغيرة؛ كانت تخبرني أن سلامي النفسي طريق لن أصل إلى نهايته، سوى باختبار الألم، بل والاستمتاع به أحيانًا.

بعد سنتين من ذلك الحلم، الذي مازلت أذكر تفاصيله كلها حتى اليوم؛ اختبرت تجربة الوشم للمرة الأولى، واخترت أن تتم دون مخدر، وكتبت على ذراعي "سلام" وإلى جوارها كلمتي الحب والخير، لكن الغريب في الأمر أن ألم إبرة دق الوشوم كان مماثلًا تماثل مخيف للألم الذي شعرت به في حلمي.

"كُن مع الله".. هل يحررنا الألم؟

كن مع الله هو الوشم الثاني الذي قُمت بدقه، وكان مكتوبًا بالعربية على شكل ما لا نهاية Infinity، رغبة مني في أن تكون تلك علاقتي إلى اﻷبد مع الله.

دق الوشم بالنسبة إليَّ ليس وسيلة لتجميل الجسد فحسب، وإنما طريق يناسبني للوصول إلى السلام النفسي، ولتذكيري طوال الوقت بما أريد أن أتبعه في الحياة؛ يعلق البعض ملاحظات على الحائط كي يراها كل يوم، ولكنني أرتحل كثيرًا بطبعي، أغير مكاني كل عدة سنوات، ووطني الأكيد هو جسدي، حائطي، وهو ما أتكئ عليه.

لذلك لا تشغلني طبيعة الوشم وحدها، وإنما هوية من يدقه أيضًا، فإيماني بأن الألم الذي أشعر به أثناء دق الوشم يحرر جزءًا من روحي، يدفعني لأختار بعناية من يقوم بدقه لي؛ من أشعر معه بتواصل روحي ونفسي، لذلك لن أتحدث عن وشومي فقط، وإنما عما قام بدق هذه الوشوم أيضًا.

وشم "كن مع الله"

كيف تتخيل رسام/رسامة الوشم؟ أو كما يطلق على من يمارس تلك المهنة بين أصحابها "تاتويست"؟

قد تتخيله امرأةً أو رجلًا امتلئ جسده/ها بالوشوم والحلقان، ولوَّن اﻷسود شفاههم وأظفارهم، وهم كذلك في اﻷغلب، خاصة خارج الدول العربية، ولكني أحكي هنا قصة مختلفة بعض الشيء، عن رسامة وشم، وأم لأربعة أطفال، وحاصلة على درجة الماجسيتر في الجيولوجيا، التي، حتى وقت قريب، لم ترسم الوشوم، أو تقوم بدق أي منها على جسدها.

عاشت وسام محمد، فترة طويلة خارج مصر، ودرست الجيولوجيا مضطرة، ولكن لأنها تحب الرسم، شعرت بعد عودتها بشغف تجاه دق الوشم، وبذلت جهدًا كبيرًا لتعلمه من خلال اليوتيوب.

ليس مجرد وشم

في مقابلتنا الأولى، وبينما تدق وشمها اﻷول من بين أربعة وضعتهمُ على جسدي، كانت تحدثني عن بعض المقالات التي قرأتها وأعجبتها؛ لأكتشف أنها تتحدث عن مقالاتي دون أن تدري أنني من كتبها، ومنذ ذلك الحين، جمعتنا صداقة قوية، وساعات طويلة من الدردشة ودق الوشم في صومعتها، كما تسميها، وهي عبارة عن شقة صغيرة في منزل والدها خصصتها لذلك الغرض.

مع وسام محمد (على اليسار)

جرى ذلك اللقاء منذ ثلاث سنوات تقريبًا، ولكن وسام التي قابلتها وقتها، لم تعد تملك اﻵن الشغف ولا الانطلاق نفسيهما فيما يخص دق الوشوم.

في لقاءنا اﻷول، كانت تؤدي مهنتها بحب شديد، وتتعامل مع كل وشم تدقه على أنه قطعة فنية، بل إنها قامت بتصحيح وشمي القديم بعد أن رسمت له التعديل بيديها على ذراعي دون الحاجة لأي مساعدة، فهي ترسم أيضًا لوحات تشكيلية وتعلقها على حوائط صومعتها، لتُكون وموسيقى بينك فلويد في الخلفية وما يتصاعد من رائحة البخور مزاجًا رائعًا يؤهلك لجلسة الدق ريثما تعمل على تجهيز أدواتها.

لم تؤد وسام مهنتها كخدمة سريعة مقابل المال، بل كانت تمنحني جلسة تمتع روحي وحوار شيق مع امرأة مثقفة ومميزة، غير أنها بعد أربع سنوات من ممارسة تلك المهنة قررت أن تتركها للأبد.

هناك مجتمع كامل ينظر إلى الوشم نظرة الفعل الفاسد أو الحرام، ولذلك كان إدارة وسام لعملها من المنزل مثارًا للتساؤل ثم الرفض وإبداء الغضب أحيانًا من قبل الجير ان، على الرغم من تواجد أبناءها بصحبتها معظم الوقت في الصومعة، لكن ذلك لم يشفع لها، فما تمارسه في نظرهم ليس إلا دربًا من الغرابة والخروج على عادات المجتمع وتقاليده، وربما كانت وسام تتوقع ذلك من مجتمع قد لا يفهم طبيعة تلك المهنة ويضيف إليها كثيرًا من التصورات المغلوطة الناتجة عن فهم خاطئ للعالم، ولكن ما لم تتوقعه هو ما صدر تجاهها من بعض الراغبين في دق الوشم من الرجال، الذين كانت تتحول مسارات الحديث معهم إلى حوارات ذات طابع جنسي، مثلما حدث عندما سألها أحدهم عن ميولها الجنسية، وهي الواقعة التي دفعتها لاتخاذ قرار بعدم ممارسة تلك المهنة مرة أخرى، رغم حبها الشديد لها، ورغم محاولاتي لإقناعها بالرجوع عن ذلك القرار.

كانت وسام تريد ممارسة هواية تشعرها بالمتعة وتثير شغفها، وتمثل ملاذًا من روتينية الحياة اليومية، ولكنها أيضًا لا تريد لتلك الهواية أن تكون مصدرًا للإزعاج أو الإحراج لأسرتها وخاصة أبنائها الذكور.

ملاك آخر يدق الوشوم

اعتزال وسام لدق الوشم أصاب جسدي، دون مبالغة، بشعور غريب باليتم، وعلى الرغم من أنني دققت ثمانية وشوم، إلا إن قائمة ما أريد رسمه مازالت طويلة، وكان من الصعب عليَّ بعدها أن أبدأ في رحلة بحث عن تاوتويست جديدة، فمهما بلغتْ من الاحتراف، لن توفر لي التجربة نفسها التي كنت أخوضها مع وسام، ولذلك قضيت ما يقرب من عام ونصف دون أن أدق أو أخطط لرسم أي وشم جديد، وتلك، منذ أن بدأت في دق الوشوم، فترة طويلة، ولكن جائتني رسالة غيرت ذلك الوضع كثيرًا.

طفلة بريئة، على الأقل هي كذلك في نظري، قابلتها عام 2005، أمام مقر إحدى الصحف التي كنت أكتب فيها، كانت خائفة وتائهة تنظر إلى القاهرة التي حضرت إليها حديثًا كوحش يوشك على التهامها، وعلى مدار سنوات راقبتُ من بعيد تطور شخصيتها وروحها؛ رأيتها تحترف التصوير والمونتاج والرسم أيضًا، وكنت أشعر بفخر لا أنكره لقدرتها على إدراك الانتصارات في تلك المدينة الكبيرة.

مع خلود (يمين الصورة)

اﻵن، في 2020، تلقيت رسالة منها، في عز اشتياقي للشعور بألم دق الوشم، تخبرني أنها تعلمته وتريد أن تهديني وشمًا، لأقابلها بعد سنوات فأجد فتاة أخرى، أقوى وأهدى وأكثر استقلالًا. عرفتُ منذ أن وطأت قدمي باب منزلها أن مشوارًا جديدًا من الألم والتحرر في انتظاري لنبدأه سويًا.

اختارت خلود صلاح تلك المهنة لأنها دقت وشمًا من قبل، وأدركت جيدًا البُعد الروحي وراء تسجيل حدث أو فكرة على الجسد، تلك الفكرة التي تلازم الإنسان أينما ذهب لتذكره بنفسه وبما يريده في الحياة، ويذكرها ذلك الوشم دائمًا بقوة تحملها وقدرتها على تخطي الألم، ويمنحها قوة زائدة وشجاعة أكبر في مواجهة الحياة، لذلك شعرتْ أنها تريد أن تساعد الآخرين للوصول إلى هذا الإحساس وأن تكون جزءًا منه؛ أن تمنح الآخرين الألم الجسدي الذي يحررهم من ألمهم النفسي، وتصبح رسومتها جزءًا لا يتلاشى من مشوار حياتهم.

شعوري السابق بالإحباط من اعتزال وسام دق الوشوم، غيرته خلود إلى الأمل.

أن تكون امرأة تاتويست في مجتمع عربي ليس أمرًا سهلًا، ولكن هناك من تعافر لتقف أمام تلك النظرة التقليدية للمهنة، وتؤمن خلود أن النقد يلاحق أي فتاة تعيش في مصر أيًا كان ما تفعله، فلماذا لا تفعل ما تريد ولا تأبه بكلام الناس؟ ذلك هو الطريق الذي اختارته لنفسها، على الرغم من أن الوشوم التي دقتها على جسدها كانت سببًا في فشل زيجتها قبل أيام من حفل الزفاف، لأن والدة حبيبها كانت تكره تلك الوشوم، وترى أن زوجة ابنها لا يصح أن تكون على هذه الصورة، وقتها حزنت خلود كثيرًا، لكنها تعافت من التجربة بعد دق أربعة وشوم جديدة على جسمها.

..وملاك يغير المصائر أيضًا

بعد أن اختارت خلود مهنة دق الوشم، لم يدعمها سوى اثنين من أصدقائها فقط، وبقيتهم، بدافع الحب، حذروها من خوض تلك التجربة، لأنها مهنة حرام على حد وصفهم، على الرغم مما يبدوه من تحرر، بعكس أسرتها التي تعتبر محافظة ولم تنهها عن الأمر، لكن تحذيرات أصدقاءها المتمسكين بمراعاة نظرة المجتمع السلبية لتلك المهنة، لم تقف حائلًا أمام خلود التي أكدت أنها لن تترك شيئًا تستمتع به إلا لسبب واحد هو فقدان الشغف.

Game Changer هو اسم الصفحة التي أطلقتها خلود للدعاية لمهنتها الجديدة، وكان هناك غرضين من وراء ذلك الاسم، الأول أن تكون وظيفتها الجديدة بمثابة تغيير جذري لشكل حياتها المهنية، ويتعلق الثاني برؤيتها لدق الوشم كفن لا يستهدف التجميل فقط، لذلك تختار زبائنها من الذين لم يدقوا وشم من قبل، وتساعدهم على اختبار الوشم الذي يعبر عنهم وعن تجربتهم في الحياة، مؤكدة أنها لا تشعر أن مهمتها قد تمت إلا إذا أحس الشخص الذي تدق له الوشم بالراحة النفسية إلى جانب شعوره بأنه بث بعضًا من القوة في روحه وشخصيته.

وهذا كلام أوافق خلود عليه بشدة؛ أتذكر المرة الأولى التي فكرت في دق الوشم، وأدركت أنني يجب أن أختار ما يعيش معي مدى الحياة، هذا الأمر جعلني أفكر في نفسي وقناعاتي، وما أظنه سيستمر معي باقي العمر، أو أتمنى أن يستمر معي وأريد تذكير نفسي به طوال الوقت.

يتحدث الكاتب الفرنسي ديفيد لي بريتون، في كتابه تجربة الألم بين التحطيم والانبعاث، عن تجربة الألم الناتج عن دق الوشم قائلًا "تغيير المرء لجسده من خلال وضع وشم أو ثقب حلّية هو لدى البعض شكل من أشكال الاستكشاف الداخلي. الفرد وهو يستعيد التحكم في جسده يستعيد التحكم في وجوده، ويعيد تشكيل ذاته بتحويل مظهره وبعيشه تجربة جذرية. فالتغير الجسماني يتم ربطه بالتغير الأخلاقي وبموقف إزاء الحياة".

اطلعتُ على بريتون مؤخرًا، وبعد أن دققت العديد من الوشوم، لكنني اكتشفت أنه استطاع النفاذ ببساطة إلى تجربتي عن الألم الذي أشعر به أثناء دق الوشم، وإلى العملية كلها؛ جعلني الوشم الأول أختار طريقي في الحياة، وهو حب نفسي والآخرين، وتمني الخير دائمًا والسعي المحموم وراء سلامي النفسي، ومع كل وشم أكتشف شيئًا جديدًا عن نفسي، ومع كل فكرة أكونها لوشم جديد أرى طريقًا جديدًا في الحياة يتشكل أمامي، ومع كل ألم أشعر به في جسدي من دق الوشم، أدرب عضلات روحي لتكون أقوى أمام الألم النفسي.