أنابيب أكسجين مخصصة للمستشفيات- الصورة برخصة المشاع الإبداعي من يونيسيف - فليكر

رحلة البحث عن الهواء: نقص الأكسجين يخنق المبادرات الشعبية في مواجهة الجائحة

تستقبل الفتاة العشرينية المتطوعة في إحدى المبادرات الشعبية لدعم مصابي كورونا مكالمة هاتفية مقتضبة "البقاء لله.. الحالة ماتت"، فتغلق الخط وتلجأ للمهدئات التي تساعدها على التوازن منذ بداية الجائحة، لأنه "لا وقت للحزن" بينما تتفاقم مشكلة توفير الأكسجين اللازم لإنقاذ حياة المرضى.

تطوعت شروق مصطفى للعمل في مبادرة مستورة منذ بداية الجائحة في مارس/ آذار الماضي لتتحول حياتها إلى حلقات متعاقبة من الحزن عند وفاة مريض، والفرح عند شفاء آخر، والبحث عن مولدات واسطوانات الأكسجين، التي أصبح الحصول عليها أمرًا صعبًا على وقع أزمة يلحظ الجميع آثارها ولكن وزارة الصحة تنفيها بإصرار.

وخلال الأسابيع الماضية توفي عدد من المصابين بكورونا في مستشفيي الحسينية وزفتى العام نتيجة نقص الأكسجين. وفتحت وزارة الصحة تحقيقًا إداريًا في الحادثتين مع إصرارها على أن كميات الأكسجين المتوفرة تكفي احتياجات المستشفيات والمرضى، بالتوازي مع تحقيقات تجريها النيابة العامة، قبل أن تؤكد الوزيرة هالة زايد في تصريحات للصحفيين أن الشبورة التي تسببت في غلق عدد من الطرق السريعة خلال الأيام الماضية أثرت سلبًا على إيصال الأكسجين إلى المستشفيات.

ولكن شروق تؤكد أن أزمة أسطوانات الأكسجين تمتد إلى الموجة الأولى من الجائحة "مع بداية الموجة الأولى تطوعت مع عدد من زمايلي وقسمنا نفسنا شوية يدوروا على أسطوانات وشوية يشوفوا مولدات وفي اللي بيجهز وجبات وأدوية بعد تحديد بروتكول العلاج".

واستقبلت مبادرة مستورة خلال الأشهر السبعة الأولى من الجائحة 600 حالة، أما في الموجة الثانية فتعاملت المبادرة مع 100 حالة خلال الأسبوعين الأخيرين "بعيدًا عن الأرقام التي تسجلها وزارة الصحة" بحسب شروق.

بكم الهواء اليوم؟

مع نهاية الموجة الأولى هدأت ساعات عمل شروق في المبادرة التي أخذت ما يشبه الاستراحة، لكنها عادت للعمل مع الموجة الثانية بجهد مضاعف "عدد الحالات اللي كنا بنستقبلها في الموجة الأولى في 3 أسابيع دلوقتي بنستقبلها في أسبوع واحد، مع صعوبة توفير الاسطوانات أو مولدات الأكسجين أصلًا".

يصل الأكسجين إلى المرضى في المستشفيات من خلال ثلاث طرق، إما أسطوانات الأكسجين أو مولدات للأكسجين أو تانكات، وجميعها تكون متصلة بشبكة الأكسجين في المستشفى تشبه مواسير المياه، تمتد إلى الأقسام المختلفة.

البحث عن الهواء الذي يحتاجة المريض للتنفس ليس أمرًا سهلًا، مقارنة أيضا بالموجة الأولى "أسطوانة الأكسجين الـ30 لتر كان سعرها من أسبوع ما بين 2500 لـ2800 جنيه، وبعد ساعتين روحنا نشتري واحدة جبناها بـ3500 جنيه وتاني يوم لقيناها بـ4500 وإحنا في الموجة الأولى كنا بنشتريها بـ1500 مثلا، وبقينا نحس إن الموضوع بقى تجارة، السعر بيختلف من مكان لمكان، وكل ما الطلب بيزيد التجار بيعلوا السعر".

توفر المبادرة اسطوانات الأكسجين التي تحتاج للملء كل فترة، وتوفر المولدات أيضا التي لا تحتاج سوى لتغيير الماء كل فترة، وتولد الأكسجين من خلال الكهرباء فتكون عملية أكثر، ولكن سعرها أعلى كثيرا "المولد الـ5 لتر سعره من أسبوع برضه كان بين 7000 و8500، وبعد أسبوع واحد وصل سعره 11 ألف جنيه، والمولد الـ10 لتر مش موجود أصلا في السوق، وممكن يوصل سعرة لـ30 ألف وهو في الأساس بـ18 من الموجة الأولى".

أسطوانات الغاز مستوردة من الصين، ويتم ملؤها من المصانع المصرية التي يصل عددها إلى 30 مصنعًا، وهي المصانع المشهرة والمسجلة لدى الدولة، وفقا لرئيس شعبة المستلزمات الطبية بالغرفة التجارية بالقاهرة، محمد إسماعيل، الذي أوضح في تصريحات إلى المنصة أن تلك المصانع تعرف باسم مصانع إنتاج الغازات، وتنتج الأكسجين والنيتروجين وثاني أكسيد الكربون، وأكثرها استخدامًا للمرضى في أقسام الرعاية المركزة والحضانات هو غاز الأكسجين.

ويصل الأكسجين إلى المرضى في المستشفيات من خلال ثلاث طرق، إما أسطوانات الأكسجين أو مولدات للأكسجين أو تانكات، وجميعها تكون متصلة بشبكة الأكسجين في المستشفى تشبه مواسير المياه، تمتد إلى الأقسام المختلفة كالعناية المركزة والحضانات والطوارئ.

أسطوانات الأكسجين هي الأقل تكلفة ويليها التانك وفي المرتبة الثالثة تأتي مولدات الأكسجين الأعلى تكلفة والتي تعتمد عليها المستشفيات الكبرى لأنها تعتمد على إنتاج الأكسجين من الهواء، من خلال الكهرباء.

ولكن مع تفاقم الأوضاع وتزايد الطلب على الأكسجين مع الجائحة فإن الأسطوانات لم تعد حلًا عمليًا والمستشفيات التي تعتمد على هذه الطريقة لتوفير الأكسجين باتت تعاني من نقص "لأنها بتخلص بسرعة في الوقت الحالي مع الجائحة" حسبما يقول دسوقي عبد الحميد الطبيب بمستشفى بنها للمنصة.

وازداد معدل استهلاك الأكسجين اليومي في الموجة الثانية للجائحة حسبما أعلنت وزارة الصحة من 400 ألف لتر إلى 500 ألف لتر، وهو الفرق الذي تسعى الوزارة لاستيعابه، وزيادة الإنتاجية بمعدل 70 ألف لتر يوميًا كاحتياطي للمرحلة القادمة.

غياب الأسطوانات ومشاعر العجز

بحسب شروق، فإن المتطوعين يشترون الأسطوانات والمولدات من شركات الأجهزة الطبية، ويتم ملأها من المستودعات "هنا بتكون الاسطوانات مش عملية قوي لأنها بتحتاج تتملي، وممكن المكان اللي بيتملي منه الاسطوانات يكون بعيد فلازم يكون عند المريض اسطوانة بديلة، وممكن الاسطوانة الـ40 لتر تحتاج تتملي كل 12 ساعة وده بيكون مرهق جدا ووقتها المولدات بتكون أفيد بس طبعا هي أغلى كتير"، وفقا لشروق.

تتفق آية زكي إحدى المتطوعات بمبادرة مرسال، على أن تباين الأسعار من الأمور التي تؤرق عمل المبادرات الشعبية، في ظل موجة جديدة من الجائحة تزداد بها معدلات الإصابة، وفي حديثها للمنصة أوضحت أن المبادرة تعمل بالمولدات فقط لأنها لا تحتاج لإعادة الملء، وتوفر الأكسجين باستمرار، ولكن أفرادها يعانون من البحث عنها وتباين أسعارها.

في الموجة الأولى اشترى أعضاء مبادرة مرسال مولدات الـ5 لتر بأسعار تتراوح ما بين 10 لـ11 ألفًا، ووصل سعرها في الموجة الثانية إلى 15 ألفًا، أما سعر المولدات الـ10 لتر فوصل سعرها لـ30 ألفًا، وفقا لحديث آية "البحث عن المولدات أمر مش سهل خالص، ومش متاحة طول الوقت وسعرها بيختلف من مكان لمكان، وحاليا عندنا أزمة في مولدات الـ10 لتر مش لاقيينها أصلا في السوق".

رحلة البحث عن الأكسجين يقابلها إحساس بالعجز لدى المتطوعين عند عدم القدرة على توفير الاسطوانات، أو تلقي نبأ وفاة إحدى الحالات، إلى جانب تعرض فريق العمل بتلك المبادرات لمخاطر الإصابة بالفيروس.

وتقول آية إن مرسال استقبلت خلال الموجة الأولى من الجائحة 25 ألف مكالمة طوارئ، وتعاملت مع 3858 حالة إصابة أحالت 482 منهم إلى غرف الرعاية المركزة بالمستشفيات ووزعت 15 جهاز تنفس صناعي، بالإضافة إلى دعم 50 مستشفى حكومي بمستلزمات طبية، وفي الموجة الثانية استقبلت المؤسسة 181 حالة تم التعامل معها دون الحاجة لنقلها إلى المستشفيات، فيما احتجزت 290 حالة في الرعاية المركزة، حتى 5 يناير/ كانون الثاني الجاري.

قبل البدء في توفير الأكسجين، تتحقق المبادرة من ما يحتاجه المريض "في البداية بنطلب من الحالة اللي بتتواصل معانا الأشعة والتقارير الطبية وبتعرضها على الدكاترة المتطوعين اللي معانا، ونشوف فعلا هل الحالة محتاجة مولد ولا محتاجة تتحجز في مستشفى لأن مش كل الحالات زي بعض، ولا كلهم بيحتاجو أكسجين علشان يخفوا واللي بيحدد ده هو الدكاترة، ولو الحالة محتاجة تتحجز بنبدأ نشوف إمكانية توفير سرير ليها في المستشفى"، هكذا قالت آية.

رحلة البحث عن الأكسجين يقابلها إحساس بالعجز لدى المتطوعين عند عدم القدرة على توفير الاسطوانات، أو تلقي نبأ وفاة إحدى الحالات، إلى جانب تعرض فريق العمل بتلك المبادرات لمخاطر الإصابة بالفيروس.

خلال أسبوع واحد تلقت شروق ست مكالمات هاتفية تحمل أنباء وفاة ست حالات من المصابين بينهما زوجين "كان إحساس قاسي قوي، وأسئلة نفضل نسألها لبعض هو إحنا عملنا كل اللي علينا، هو إحنا قصرنا، بس بنفكر نفسنا إننا لازم نطلع من الدايرة دي لأن مفيش وقت للانهيار احنا في أزمة عالمية ولو انهارنا ممكن منقدرش نساعد حد فعلا محتاجنا".

أزمة التخزين

تتفق كل من شروق وآية على أن الإقبال الكثيف على شراء أسطوانات الأكسجين تسبب في تلك الأزمة وأدى لارتفاع أسعارها "الناس العادية بدأت تشتري اسطوانات واللي معاها مقدرة مادية أكبر بقت بتشتري مولدات من السوق وده عمل أزمة للمتطوعين، وبقى البحث عنها صعب والأسعار بتغلى، ممكن الناس دي واللي عندها قدرة مادية تشتري الاسطوانات والمولدات للجمعيات والمبادرات وهي اللي تتولى توزيعها علشان الأزمة متحصلش، وهنا لو أصحاب الحاجة اللي شارينها تعبوا طبعا هيكونوا أول حد هيستفيد منها".

عبر صفحتها الرسمية كتبت مؤسسة مرسال أن أطباءها "بينصحوا الجميع بعدم شراء أو تخزين أنابيب الأكسجين والمولدات لأن ده مش بس بيخلق أزمة في سوق المستلزمات الطبية، ولكنه ممكن يكون سبب في تعرض مريض لمخاطر تسممية، أو التعرض لمضاعفات بسبب عدم تقديم الخدمة الطبية في الوقت الأنسب للمريض، لأن فيه بعض المرضى بيحتاجوا رعاية منزلية وأكسجين منزلي ولكن بسعة أكبر من قدرات المولدات أو أنابيب الأكسجين المتوفرة وبالتالي هيحتاج المريض توفير الخدمة دي بداخل المستشفى، ووجوده في المنزل هيكون ضرر أكبر له، ولابد من تقديم الرعاية الطبية اللازمة حسب الحالة المرضية والاحتياجات للمريض تحت إشراف طبيب مختص".

اسطوانات الأكسجين المتوفرة تكفي السوق المحلية والقطاع الطبي، والأزمة سببها سعي المواطنين للحصول عليها وشرائها وتخزينها في المنازل.
- محمد إسماعيل، رئيس شعبة المستلزمات الطبية بالغرفة التجارية في القاهرة.

إلى جانب متاعب الرد على استفسارات المواطنين والبحث عن العلاج والأكسجين للمرضى أو توفير أسرة في المستشفيات، تواجه المبادرات مصاعب أخرى في مقدمتها استعادة المولدات والأجهزة عقب الشفاء، كما تقول آية "احنا بقينا بنواجة أزمة جديدة وهي إن الناس فيه منها لما بيخفوا مش بيرجعوا المولدات، وبييجي علينا وقت في ناس وحالات تانية جديدة محتاجة مولد، وهنا الناس بتفكر إن الحل هو النجاة الفردية، وده مش صح لأن لو كلنا خفينا الجائحة هتنتهي، لكن لو لسه ناس بتتصاب فاللي اتصاب وخف معرض إنه يتصاب تاني".

"كله تمام"

من جانبه، يرى رئيس شعبة المستلزمات الطبية بالغرفة التجارية في القاهرة، الدكتور محمد إسماعيل، أن اسطوانات الأكسجين المتوفرة تكفي السوق المحلية والقطاع الطبي، والأزمة سببها سعي المواطنين للحصول عليها وشرائها وتخزينها في المنازل، وأيضا المولدات، فهناك العديد من الأسر لجأت لشراء أكثر من اسطوانة خوفًا من الإصابة بكورونا، وهو ما اعتبره سببًا لظهور الأزمة، التي من الممكن أن تصل للمستشفيات.

إسماعيل حذر من تخزين اسطوانات الأكسجين في المنازل لأنها قد تسبب ضررًا عند استخدامها دون الحاجة او عند زيادة أو نقص كمية الأكسجين التي يحتاجها المريض، وحذر أيضا من التعامل مع جهات غير موثوق بها لملء الاسطوانات، لأن ملء الاسطوانة بأكسجين صناعي "قد يكون مميتًا".

وأوضح أيضًا أن شركة الغازات البترولية، ستستورد دفعة جديدة من الأسطوانات والمنظمات وتوفرها في الأسواق خلال الفترة المقبلة، لضمان توافر مخزون استراتيجي يكفي خلال الفترة القادمة، مع الموجة الثانية من الجائحة.

هيئة الرعاية الصحية، التابعة لمنظومة التأمين الصحي الشامل، ذكرت عبر فيسبوك أن انخفاض نسبة الأكسجين بالدم لأقل من 90% يستوجب التوجة للمستشفى بشكل سريع، وتابعت "إذا شعرت بأعراض فيروس كورونا أو تأكّدت بالتحاليل والفحوصات، وعزلت نفسك منزليًا وبدأت تشعر بمشكلة في التنفس، راقب نسبة الأكسجين في الدم بشكل مستمر".

وسجلت مصر منذ بداية الجائحة مطلع العام الماضي، نحو 152 ألف إصابة بالفيروس، توفيت منهم 8350 حالة، بحسب الأرقام الرسمية الصادرة من وزارة الصحة.