لافتة من لافتات الدعوة السلفية خلال إحدى التظاهرات- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

معركة العمر كله: ما خاضه وحيد حامد ضد "التدين المصري"

في القاهرة بداية الثمانينيات؛ ثمة رئيس مُغتال دمه على المنصة لم يبرد، سفكه الإسلاميون الذين فتح لهم القفص؛ النظام المصري الجديد يؤيد الجِهاد ضد السوفييت ويشحن برجاله لأفغانستان؛ الجامعة تلوّثت بالفكر الأصولي ولم يعد هناك موديل عاري يُرسم في كليات الفنون الجميلة؛ الطبقة الوسطى والسُفلية تركتا الشارلستون والميني جيب واتجهتا نحو الجلباب والخمار.

تمت وهبنة المجتمع (نسبة لأفكار محمد بن عبد الوهاب) وأثّر ذلك على مُخيلة الكُتاب اليساريين والعلمانيين عمومًا فنفّسوا عن قلقهم في أعمالهم، مثل الروائي صنع الله إبراهيم الذي رصد ذلك التحول المظهري من خلال روايته "ذات"، وبالتزامن مع هذه المعمعة الأيديولوجية كان السيناريست المصري وحيد حامد يخوض أكثر فترات كتابته السينمائية خصوبة، بعدما أيقن أنه لن يكون كاتب قصة.

بعد رحيله عن عالمنا يوم 2 يناير/كانون الثاني من العام الحالي، أمطرتنا الصُحف والمنصات الإعلامية بمواد تدور كلها عن معركة وحيد حامد مع التكفيريين، لكن ما لم يتطرقوا إليه هو معركته الخفية بشكل عام مع توليفة "الإسلام الشعبوي" التي استخلصها المصريون من تجربة الوهابية، وهي خليط من أفكار المشايخ الذين اتسعت لهم الساحة التلفزيونية مثل الشعراوي، مع أفكار أخرى يحزمها في حقائبهم العائدون من أشغالهم في الخليج عن المرأة والفن والأزياء والصلاة وأبسط المعاملات اليومية، مع تفجّر راديكالي بين أطياف المجتمع الدينية والسياسية أزكاه الرئيس المؤمن (السادات) اعتقادًا منه أنه يُشكل صَدَفة آمنة له، لم يعرف أنه سيختنق داخلها.

الحرب ضد الوهابية

عند النظر إلى المواقف والجُمل الحوارية في أفلام وحيد حامد، سنجده بعيدًا عن معركته مع الإرهابيين، يستهدف ثقافة المجتمع المهووس بالإيمان الشكلي، الذي صار في بعض صوره مثل ماراثون تنافس ومُزايدة إيمانية في أماكن العمل والشوارع وحتى في أكثر لحظات الحياة خطرًا.

في فيلم الغول (1983) المُقتبَس من مسرحية كتبها بعنوان "قانون ساكسونيا"، ورغم أن قضيته الأساسية مُنشغِلة بتوحّش الرأسمالية وآثار الانفتاح الاقتصادي الساداتي وقبض رجال الأعمال بنفوذهم المادي على كافة أجهزة الدولة، لكن مَن يُدقق يلمح بين ثنايا الفيلم بعض الإرهاصات لتوجّه مستديم سينتهجه حامد فيما بعد لتبكيت المجتمع على ما وصل إليه من سلفية مُقلِقة تجعل من كل مواطن مصري مشروع "تكفيري" محتمل.

فشخصية فهمي الكاشف (فريد شوقي) صاحب مجموعة الكاشف، رغم ما يرتكبه بحق الشعب من مدّه بلحوم فاسدة والتستُّر على قضية قتل مُتَّهم فيها ابنه، حين أراد صنع فيديو دعائي عن مزرعة الأبقار التي يُديرها، حرِص على تضمين التعليق الصوتي آية قرآنية:"وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ". بل إن خط المونتاج يضع الآية في خلفية حديث رجل الأعمال الفاسد مع محاميه عن الطريقة التي سيتخلصون بها من الشاهدة الوحيدة على جريمة ابنه.

مشهد من فيلم ملف في الآداب

أما في ملف في الآداب (1986) فالكارثة الأولى والأكثر لذاعة هي نظرة المجتمع "السلفي" لتجمع ضم رجال ونساء يتناولون السمك في شقة مفروشة، على أنها قضية أخلاقية مستوفية الجوانب. وعند إمعان النظر في تفاصيل الفيلم، سنجده يعكس بعض تصرفات اعتبر صدورها عن امرأة في ذلك الوقت مؤشرًا مبدئيًا على انحلالها، مثل أن تكون مُطلّقة أو تكشف شعرها أو تدخن السجائر أو تضحك بصوت عال أو تلقي على زميلتها (الأنثى بالمثل) نكتة جنسية، بل واعتبار مرشد المباحث أن مجرد ارتيادها وزميلتها مطعم وجبات سريعة بشكل يومي سببًا كاف للوشاية بهن، وهي إشارة لا يغفلها وحيد حامد للكشف عن انضواء الجهاز الشرطي تحت مرجعية المجتمع لأن القائمين على إدارته هم أعضاء في ذلك المجتمع أيضًا.

وتؤرشف تلك التفاصيل وغيرها لحالة المواطن المصري "المسولف" (من سلفية)، مثل لقطة تظهر فيها فتاة ترتدي حجابًا مع تنورة وهي حالة المجتمع المنقسم وقتها، ولقطة أخرى للموظفين وهم يفترشون سجاجيد الصلاة في أحد أروقة الشركة، وهنا ينبغي الإحالة للحاج رشاد (فريد شوقي) الموظف المُلتزم الحريص ألا يُفوِّت فرضًا ولاعب دور الأبوة في أي مكتب عمل، وهو نموذج من المستحيل ألا تعثر عليه في المؤسسات سواء كانت حكومية أو خاصة، أيضًا زجاجة النبيذ والجِزم النسائية التي أخذها المُخبرون كأحراز عند مداهمة الشقة، وهي دلالة على تفاهة الانحلال الممسوك وموقف "المصريين الجُدد" من بعض العادات التي شيطنوها بين يوم وليلة مثل الشُرب واللمّة والاحتفال، وكلها أمور لا تكسر أي بند قانوني، وهو ما يضع المُقدِّم المسؤول عن ملف مديحة موضع سؤال إن كان ضابطًا أم واعظًا. ورغم تجاهله للإجابة إلا أنه يؤكد الخيار الديني بعدما يزوِّر أوراق التحقيق مُتمتمًا:"إن الله حليم ستّار". وحين يُواجَه في المحكمة عن دوافع مُرشديه السريين، يصفهم بأنهم أناس غيورون على دينهم وقِيم مُجتمعهم.

معركة التسعينات

حلّت التسعينيات ولم تكن أقل وطأة بل وصل صراع اليمين الديني مع الدولة والعلمانيين لمرحلة تصفيتهم والاستغناء عن مجادلتهم "بالتي هي أحسن"، هناك أديب حائز على نوبل يتعرض للطعن ومُفكِّر يُطلَق عليه النار مع ابنه وهو نازل من بيته ومذبحة تسفر عن قتل 58 سائحًا في معبد حتشبسوت بالأقصر. على الجانب الآخر جاءت كتابات السينمائيين مُحمَّلة برائحة حرب شعواء رفعت الدولة عنها يدها طالما ستؤازر تكتيكاتها ضد هؤلاء الذين ينافسونها الحُكم ويقولون إنها غير مؤهَّلة شرعيًا له، حسب فتاوى سيد قطب التي يتخذها المتشددون مرجعًا فكريًا لهم؛ فيكتب وحيد حامد، في العام نفسه الذي اغتيل فيه فرج فودة، فيلمه الإرهاب والكباب (1992) الذي لا تتضمن أحداثه أصلًا شخصًا إرهابيًا بالمفهوم الدارج، وإنما يُضمِّنه حامد شخصية الأستاذ رشاد (أحمد عقل) الموظف الحكومي "الملتزم" الذي يظهر كامتداد لدور فريد شوقي في ملف في الآداب، لكن تلك الشخصية تبرز هيئتها وتحولاتها هذه المرة بصورة أوضح، فبعدما كان لباسها فيما مضى أقرب للروح المصرية، فإنها تظهر وقد ارتدى صاحبها عمامة المشيخة البيضاء بزبيبة ولحية غير مشذبة.

مشهد من فيلم كشف المستور

ومع تأجج الأحداث وسيطرة الإرهابي المزعوم على مبنى مجمع التحرير، لا يستنكف الموظف المُلتزم عن هداية المرأة المحبوسة على ذمة قضية دعارة، وهي إشارة لنهج السلفيين الذين يضعون قول الله ورسوله فوق أي أزمة واقعية آنية، والتفات من الكاتب لِما شهده المجتمع آنذاك من محاولات لتحجيب عدد من نجمات وراقصات مصر، وهي المادة التي سيطرحها حامد بشكل أكبر في كشف المستور (1994) حين تذهب سلوى شاهين لزيارة واحدة ممن خدمن معها في "كفاح السراير" لتفاجئ بأن وفاء المغربي أصبحت الشيخة وفاء المغربي.

لم يقف الإرهاب والكباب عند الموظف "الشيخ"، فهناك وزير الداخلية نفسه المُضطر للنزول من على المأذنة وأداء الصلاة حتى لا يكثر القيل والقال من الصحفيين وقنوات التلفزيون التي ستُسجِّل وقوفه أعلى المسجد وقت التكبير وترفُّعه عن النزول إلى الصلاة، ومُجددًا نلحظ تسليط حامد الضوء على انصياع الدولة لما يثير عواطف الشعب وتراجع المصلحة العامة أمام التدين المصطنع. وهي الإشكالية نفسها التي تعرض لها النوم في العسل (1996) حين يكتشف العميد مجدي نور أن هناك دجّالًا يوهم العامة بحل أزمتهم الجنسية بشعوذته ولمّا يهمّ بالقبض عليه يكون مُريدوه أول مانعيه.

لكن حامد لم يكتفِ بوجبة الكباب التي حلت شهية على نفس جميع التيارات، وقدّم في 1995 مواجهة مباشرة لحد الفجاجة بين العِمّة والنسر في طيور الظلام، الذي يؤرّخ من خلاله لمرحلة خطيرة في تاريخ صراع مصر الجديدة، فبعدما كانت المعادلة تنقسم لبسطاء محقونين بأفكار وهابية+شريحة العلمانيين+أجهزة الدولة، أضيفت لهذه العناصر جماعة دينية/سياسية خرجت من أقبيتها وهمّها الأول تولي الحُكم.

ما تبقى بعد عام 2000

وجاءت الألفية الجديدة يلوح معها حُلم مبارك الاستقراري في أفق القاهرة؛ مناوشات الإسلاميين والدولة خفّت وتيرتها فيما اتجهت الأنظار إلى جهاد الاحتلال الإسرائيلي وتحرير الأقصى، وحتى السينما المصرية وضعت القضية الفلسطينية على رأس أولوياتها فصارت تُحشر في أي سيناريو حتى لو من بعيد، مثل أصحاب ولا بيزنس (2001) ورحلة حب (2001) وقبلهما همام في أمستردام (1999) وصعيدي في الجامعة الأمريكية (1998)، وبقي وحيد حامد يعمل في مختبره على هدفه القديم.

في معالي الوزير (2003) يعود حامد لفكرة الإسلام المصري فيجعل الوزير المُصاب بحمى الأرق يُضطر للنوم ذات ليلة داخل مسجد على الطريق، وحين يستيقظ مع نور الصبح يحاول جاهدًا الإيحاء لنفسه بأنها كانت ليلة مختلفة عن بقية ليالي عمره التي لم يتمكن فيها من النوم بسبب كوابيس ماضيه. وفي دم الغزال (2005) كتب شخصية "رضا ريشة" الطبّال الذي صار جهاديًا تأويه رقاصة وهو في أساسه شاب بلا حول ولا قوة اختار اللحية والسيف كي يعوّض نقصانه البدني في الحارة، وهو بُعد نفسي مختلف عن الأبعاد التي ألفناها من الكُتّاب في تحليل دوافع الإرهاب كالأموال والجنة والحور العين. و"ريشة" شخصية حقيقية استقاها حامد من واقع الشارع المصري، وهو الأمر الذي يجعل شخصيات وحيد حامد باقية رغم موته.

ثم يأتي عمارة يعقوبيان (2006) ليمارس فيه حامد ألعابه القديمة مع التدين الشعبي الظاهري، لكن بتحرر أكبر يناسب قماشة العمل فطه ابن البواب الذي يريد أن يُحجِّب حبيبته قبل الحساب ثم ينضم لقوقعة الجماعات التكفيرية كي تقيه من بطش النظام وظُلمه، ودولت الدسوقي رغم أنها هانم تنحدر من عائلة أرستقراطية نجدها تمارس دور الشيوخ والدعاة نفسه في حكمها على نزوات أخيها، في حين أن غايتها الحقيقية هي تخليص الشقة من يده. وملاك أرمانيوس الذي يدفع ببثينة لأحضان الباشا ويعايرها باختلاء مديرها بها في المخزن مقابل 20 جنيهًا، ومع أحابيله لا يتوقف عن القَسَم بالمسيح الحيّ والعذراء أم النور كذبًا كي يحقق مآربه ويفلت هو وأخوه المدقعان بأي غنيمة من تحت قدمي الباشا المخمور. وكأن حامد يوضح هنا أن المسيحيين بدورهم اختلقوا لنفسهم نسخة تناسبهم من شريعة المسيح، وهو ما ترجمته شخصية "بثينة" بكلماتها البسيطة "أنت شيطان ولا يمكن تكون من القبط" ولمّا مررتْ الرقابة ذلك الجزء بجملة ما مررته في ذلك الفيلم، كررها حامد في الوعد (2008) وقدّم شخصية "جرجس" التي ما إن تقع في مأزق حتى تصرخ بأنها مُضطهَدة لأنها أقلية، و"الدين المصري" هنا يتحول من كارت إرهاب لكارت انسحاب.

أيضًا في عمارة يعقوبيان (النص الأصلي لعلاء الأسواني) أخذ حامد بشخصية "زكي الدسوقي" (عادل إمام) لجانب بعيد عن أي قولبة دينية، وكعادة شخصياته غير أحادية الاتجاه، ننظر للجانب الضعيف من دونجوان الخدّامات والأميرات، ولعل خطابه الذي ألقاه على كريستين ليلًا في الشارع عن الله ورحمته هو حديث نافذ غير خاضع للأبجدية السلفية في مخاطبة الكيان الإلهي بل يميل إلى الصوفية المسيحية ومخاطبة الله باعتباره صديقًا أو نِدًا. وانتصار وحيد حامد في هذا المشهد بمثابة انتصارين: مرة على السينما المصرية التي تمشيخت منذ صارت تُنهي تتراتها بآيات قرآنية في الثمانينيات، ومرة على الإنسان المصري الذي تغيّر بعد ثورة مصر الإسلامية غير المُعلَنة منذ سبعينيات القرن المنصرم.