الصورة من فليكر Danny Mualim برخصة المشاع الإبداعي

أجدادنا أكثر من مجرد حكائين: محطتنا لاختبار الحياة

كان لجدتي طقس صباحي دائم، وهو مسح أرضية الشرفة فجرًا على صوت إذاعة القرآن الكريم قبل أن توقظني من نومي وتعد لنا كوبين ساخنين من الشاي بالحليب، نحتسيه بجانب رغيف الفينو الساخن داخل الشرفة وهي تُحول محطة الراديو إلى إذاعة الأغاني لأستمع بجانبها إلى ليلى مراد وعبد الوهاب وأسمهان، وأغرم فيما بعد بأم كلثوم.

كان ذلك الطقس الصباحي هو ما ساهم في تكوين ذائقتي الموسيقية، التي استمرت معي حتى تجاوزتُ الثلاثين.

هناك اختبرت الحياة للمرة الأولى

كان لي مع جدتي طقوس أخرى، مثل أن نذهب إلى سوق الخضراوات معًا لتعلمني كيفية اختيار الطماطم الصالحة للطبخ، أو تدعوني لأتولى تقطيف الملوخية وتقشير الجمبري أيام التجمعات الأسرية، حيث تجتمع الخالات وأولادهن في البيت الكبير ونتشارك جميعًا طقس تحضير طعام الغداء إلى جانب الكبار.

حاكت لي جدتي أيضًا "عروسة" من القماش الأبيض، كانت خصيلات شعرها من خيط الصوف الأسود، واحتل مكان عينيها زرَّين لقميصٍ قديم. كما خُيط فمها بالأحمر، صانعًا شفتين صغيرتين. لم تنج تلك الدمية من معارك طفولتي؛ لكنني أتذكرها جيدًا لأنها صنعت بيدي أم أمي، التي كانت تهوى الحياكة وصنع الشراشف المطرزة بالورود.

من تطريز الجدة- الصورة للكاتبة

عندما توفت جدتي لأمي، كنتُ في الصف الخامس الابتدائي، لم أفهم من الموت سوى وقع سقوط الخبر على أذني من سماعة الهاتف، لم أر أمي إلا بعد شهر، قضته في القرية التي خرجت منها جدتي في الحادية عشر من عمرها لتتزوج. هناك حيث دوار الضيوف، الذي يفتح أبوابه في المآتم والأفراح، ومقابر العائلة، عندما كبرت صممتُ على اقتناء شيء من رائحتها، فأرسلت في طلب قطعة خشبية من غرفة نومها، متواجدة إلى الآن في حجرتي بمنزل أبي.

كلما نظرت إلى مرآة "تسريحة غرفتي" أتذكر مديحة جدتي لأمي وهي تقف أمام المرآة نفسها لتصفيف شعرها الطويل في "كحكة" علوية. وأتذكر أيضًا طقس نسائي نما بيننا، أنا وهي وأمي، أمام المرآة ذاتها، إذ تضع أمي الصبغة البنية على خصلات الشيب في مقدمة رأس جدتي، لتمحو اللون الأبيض منها وتعيدها عشر سنوات إلى الوراء. حينها أكون أنا الطفلة المتعلقة في طرف ثوب أمها. طرف ثالث غير مهم، لكنه شاهد على الطقوس النسائية السرية التي تحدث في غرف الجدات.

التسريحة الخاصة بجدتي- الصورة للكاتبة

جدتي لأبي لم تكن بالرقة نفسها؛ كانت صلبة وعنيدة وذات شخصية قوية. أثناء حياتها لم يجرؤ أحد أبنائها على الخروج عن طوعها ولو مرة. كان الجيران يهابونها، وجدي يشتري لي الأرواح (الحلوى) دون علمها حتى لا توبخه على الإفراط في السكريات.

رغم تجبرها، كنت أجد بالقربِ منها ملاذًا آمنًا؛ عاشت أم أبي معنا في المنزل مدة عشرين عامًا، كنت أنام فيها إلى جوارها على سرير خشبي قديم الطراز، مراتبه قطنية أحيانًا تتعرج وتسبب ألمًا في العمودِ الفقري، لذلك تواظب الجدة على تنجيدها، في يوم يأتي فيه المنجد منذ بداية النهار ويجلس تحت شباك المنزل رقم 2 الكائن بالدور الأرضي داخل الحديقة، ويبدأ في مزاولة مهنته التي لم أفهمها أبدًا في صغري؛ كنت أراه يبعثر القطن بأداة خشبية، ويملأ به المراتب والوسائد حتى تنتفخ. عمل كنت أراه بسيطًا بإمكاني كطفلة القيام به.

عندما توفت جدتي لأبي، اقتنيت فراشها الذي كان فراشًا لي أيضًا حتى سن العشرين. وضعته في غرفتي بالمنزل الجديد لأبي، أمام التسريحة، القطعتان محمَّلتان بالتواريخ الشخصية لمن اقتنوهما. قصص من الماضي لأشخاص دفنت. ربما من هنا بدأ ولعي باقتناء الأشياء القديمة.

هذا ما تختبره الجدة مع الحفيد

في الصِغر، كنا نهرب من أوامر الأمهات وحزم الآباء إلى ذراعي الجدة. كيان يمكن لنا أن نستميله إلى جانبنا. نستعطفه. والغريب أننا مهما أهملناه في فترات لُعبنا الصباحية، سيلبي لنا في المساء ما نريد، سواء كان ذلك ساعة زائدة أمام الأتاري، أم استكمال الحلقة الجديدة من مسلسل الرقص على سلالم متحركة.

على الرغم من أن علاقة الجدة والحفيد قديمة قدم المجتمعات، إلا أن علم النفس لم يتناولها بالبحثِ الكافي إلا خلال العقود الفائتة، عندما اتجهت النساء إلى العمل لفتراتٍ طويلة، واضطررن لترك أبنائهن في رعاية الجدات. غالبًا ما تكون أم الأم. كان ذلك هو ما جذب انتباه الأبحاث الجديدة إلى علاقة الجدة والحفيد، وكيف يؤثر كلٌ منهما على الآخر.

تسريحة الجدة- الصورة للكاتبة

تلك العلاقة لم تكن دائمًا نتاج حب وتفاهم، بل تحولت عبر الزمن من ممارسة سلطة عُليا على الجيل الأصغر سنًا إلى اتباع أساليب تربية أكثر تساهلًا، جعلتنا نضع الجدات في مكانة تفوق الآباء، حتى أن 9 من كل 10 أحفاد يعترفون بالأثر الهام الذي تركه الأجداد في نفوسهم وانعكس فيما بعد على مبادئهم وسلوكهم.

أصبح الأجداد في الوقت الحالي كنز معرفة، هم حاملي التاريخ الخاص بالعائلة، ملوك الحكايات التي نعرف منها من نحن ومن أين جئنا. من جدتي أم أبي عرفت عن الدوار منزل عائلتها القديم، وعن إدريس خادم العائلة وكيف توفى بطلق ناري طائش في إحدى أفراحها، لتسكن روحه الهائمة في الدوار. كانت جدتي وفتيات العائلة يسمعن صوت قبقابه ليلًا وهو يتجول في المنزل ولا يهدأ إلا بعد أن تقول له كَريمة جدة كبرى أَحبها الشبح "كفاية بقى يا إدريس عايزين ننام".

يمتد دور "الجدة" في وقتنا الحالي لما هو أبعد من تاريخ العائلة والحكايات، إذ تشارك الجدات بشكلٍ أساسي في التربية، حتى أن بعضهن يصبحن مقدمي الرعاية الأساسية للحفيد، تجاوزًا لدور "جيل الوسط" من الآباء، في منازل ثنائية الأجيال، حيث يعيش الحفيد مع الجد أو الجدة بشكلٍ مباشر، عندها ينشأ بين الأجداد والطفل علاقة خاصة وحميمية تنطوي على الشعور بالعرفان، يحمله كلاهما إلى الآخر، تقديرًا للدور الذي يلعبه في حياته.

عن ذلك تقول الحاجة ميرفت، التي توفر رعاية كاملة لحفيدتها نتيجة لانفصال أبويها "حسيت إنها ملهاش غيري"، وتضيف للمنصة "خاصةً بعدما أهملتها والدتها بعد الانفصال وتركتها في منزلي".

خرجت الحاجة ميرفت على المعاش قبل سنوات قليلة. كانت تشعر بالوحدة ووجدت في حفيدتها ونسًا تحتاج إليه، وعلى الرغم مما تعاني منه من ضغط وتوتر أثناء العناية بطفلة صغيرة وعنيدة، لكننها تستمتع في الوقت ذاته بوجودها معها في المنزل وتصف التجربة بأنها "أحلى حاجة حصلت"، وتعتبر حفيدتها عوضًا مناسبًا بعد المعاش.

الحاجة ميرفت مع حفيدتها نورا- بإذن للكاتبة

تحاول الجدة التماشي مع العصر وأسس التربية الحديثة لتعويض ابنة ابنها عما تفتقده من أمومة، لذا تتبع أسس جديدة لم تعتادها أثناء تربية أبنائها ذاتهم، قالت لي (ضاحكة) أنها تضطر أحيانًا لأن تتخذ قرارات أكثر تساهلًا في التربية، عكس قناعتها الشخصية.

عند سؤال نورا، حفيدة ميرفت، عن جدتها، قالت "لا أفتقدها، فهي معي دائمًا"، لكنها كطفلة في السادسة من عمرها تفتقد أمها لأنها لا تراها كثيرًا. تساعد نورا جدتها في غسل الصحون، تقول إنها تحب أن تؤدي هذه المهمة، ولا تشعر بالضيق منها.

كانت الحفيدة تحاورني بذكاء، هي تعرف الدور الذي تقدمه لها الجدة، وتدفع مقابله مساعدة بسيطة تقدمها، حتى إن لم تدرك ذلك بعد. تحب جدتها وفي الوقتِ ذاته تشتاق للوضع الطبيعي للأسرة، مما يجعلها أكثر وعيًا، نتيجة لتجربة تختلف بالتأكيد عما يواجهه الأطفال الذين يعيشون مع والديهم. كانت نورا تعرف بالضبط ما الذي تفتقده، وما عليها فعله.

في علم الاجتماع تختلف العلاقة بين الجد والحفيد في كل أسرة عن غيرها، وكأن كل علاقة هي حالة منفردة، خاصة جدًا واستثنائية، ربما لهذا رغبت في الوقوف على غُسل جدتي لأبي، لأن أودعها عن قرب، وأحظى معها بلقاء أخير أستطيع لمسها فيه. كنتُ في العشرينات من عمري، رغم ذلك لم أستطع أن أتجاوز الفقد بسهولة. تركت لي الجدة أثرًا حُفر في روحي لم أدركه إلا بعدما فقدته.