ميدان التحرير أثناء ثورة يناير. صورة برخصة المشاع الإبداعي: حسام الحملاوي- فليكر

ثورة افتقدت سينماها: نخب تتخيل نخبًا أخرى

هذا هو الجزء الثاني من مجموعة مقالات تحلل وجود أو غياب ثورة يناير عن السينما.


هي لحظة تاريخية استثنائية، فمدينة روما لم تكن قد بدأت رحلة التعافي بعد، لكنها على مشارفها، والنظامين الفاشي وحليفه النازي يتهاويان، ولحظة التحرير تلوح باقترابها.

عند هذه اللحظة الاستثنائية، يبدأ روبرتو روسيليني في تصوير فيلمه روما مدينة مفتوحة (1945) مكتسبًا به، ولعقود طويلة، مكانة خاصة لدى السينمائيين المتمردين في العالم كله. ليس فقط لجودته الفنية، أو لافتتاحه لتيار جديد سيطلق عليه لاحقا الواقعية الجديدة، بل لاختياره الواضح لطريق مختلف عبر إرجاع السينما إلى أبطالها العاديين، الناس الحقيقيون الذين يجسدون أمام الكاميرا أدوارهم الأصلية في الحياة، خارج الديكورات، وبالتمرد على نظام النجوم، والإضاءة الاصطناعية القوية. وكأنه يخطوا إلى الأمام عبر العودة بالسينما إلى بعض أصولها، حين بدأت تسجيلية في الأساس.

خطوة روسيليني لم تكن رفضًا للسينما الروائية، فالفيلم بالأساس روائي، لكنها كانت في بعض جوانبها تحايلًا على واقع إنتاجي بائس، وإستديوهات وبنية تحتية سينمائية دُمرت خلال الحرب الطويلة، وتعبيرًا عن رفض لنوع محدد من السينما الروائية، تم فرضه عالميًا من قبل رأس المال الأمريكي الكبير، ممثلًا في نظام النجوم والإستوديوهات الكبرى، الذي تنبه مبكرًا إلى خطورة فن السينما الشعبي والجماهيري، وقدراته على تحريك الجموع، إن ظل مرتبطا بالحياة اليومية بأحداثها الكبرى والصغرى، وإن ظل أبطاله هم هؤلاء "العاديون"، فسحبه من ضمن عملية تطور أكثر تعقيدًا ليخنقه داخل الإستوديوهات. دون أن ندعي أن هذا الخطر كان الدافع الوحيد لذلك النوع من التطور الذي طرأ على السينما.

في المقال السابق طرحت تساؤلًا مازال معلقا حول أسباب عدم تقديم السينما المصرية لأفلام كبرى تتناول ثورة يناير بجوانبها المختلفة، مع التأكيد أن تعبير "الكبرى" لا يعني حجم الإنتاج، بل القيمة والجودة والأصالة الفنية، وذلك في سياق الكتابة عن فيلم جمعة الغضب للمخرج الكاتالاني/الإسباني مارك ألمودوفار.

سأشتبك في هذا المقال مع جانب واحد من السؤال، وهو المنتَج السينمائي الروائي المصري في علاقته بالثورة. وفي الحلقة التالية نقترب من الإنتاج التسجيلي، وفي الحلقة الأخيرة ربما نتمكن من الاقتراب من بعض ملامح السؤال لماذا لم نقدم أفلاما كبرى حول الثورة، عبر سردية مختصرة لرحلة السينمائيون المصريون خلال عشرة أعوام.

دراما اليوم الحقيقي

بداية هذا المقال بتجربة روسيليني لها علاقة بمسألة أخرى وردت في المقال السابق، وهي الاختيار ما بين التسجيلي والروائي حين يقف السينمائي أمام لحظات مفصلية في تاريخ مجتمعه.

أجاب روسيليني بطريقته على سؤال الاختيار ونوعية الاقتراب، حين كان شاهدًا على دراما كبرى تصنع أمامه في الواقع، ولم تكتب في الغرف المغلقة، بصناعة فيلم تستطيع أن تنسبه للنوع الروائي، مع علاقة شديدة الحميمية بواقعه الآني وأبطاله. ودون أن ينتسب لأي من الأنماط السينمائية الهوليودية التقليدية.

وإجابة روسيليني هذه ليست الإجابة الوحيدة الصالحة، فدائما ما شغلت مسألة التسجيلي/الحقيقي، الروائي/المتخيل حيز هام من النقاشات التي لا تنحصر في الدوائر المثقفة الأوروبية والأمريكية، بل تخصنا أيضا، وكان لنا تجاربنا السينمائية بالجدل معها، وربما كانت التجربة الأبرز مؤخرًا هي فيلم تامر السعيد الممنوع أخر أيام المدينة (2016)، الذي سأتناوله في الحلقة الأخيرة.

وهذا الجدل دائما ما تجدد وسيتجدد في مناسبات خاصة، سواء بسبب أحداث اجتماعية وسياسية كبرى، أو بسبب ما يحدثه أحد الأفلام من ضجيج عالمي. فبعد عقود من فيلم روسيليني، وتحديدًا في 1992 تجدد النقاش بمناسبة تقديم المخرج الإسباني فيكتور إيريثي لفيلمه شمس السفرجل، الذي يتناول قضايا كبرى؛ حقيقة الفن، وصراع الإنسان والفنان مع الطبيعة ومرور الزمن، عبر رحلة تمتد لأشهر طويلة لواحد من أهم الفنانين التشكيليين المعاصرين في إسبانيا أنتونيو لوبيث، في محاولة للإمساك بلحظة محددة لرسم انعكاس الشمس على شجرة صغيرة في فناء بيته المدريدي، وفوز الفيلم بجوائز مرموقة في العديد من المهرجانات السينمائية، ربما كان الفيلم الأول من هذا النوع الذي يفوز ببعضها، في مهرجان كان على سبيل المثال، دون أن ينتسب للعالم الروائي التخيلي، بل يتحرك في هذه المنطقة الغامضة بين الروائي والتسجيلي، ومن الصعب أن تسجنه في أي منها.

مشهد من فيلم شمس السفرجل. الصورة: IMDB

وتجدد النقاش من جديد حول علاقة السينمائي بمادته، والاستراتيجيات المختلفة التي تفصل ما بين التسجيلي والروائي، وصولا إلى جوهر الرواية التي تشغل السينمائي وكيفية حكايتها، أوائل حقبة الألفين، وخلال صخب العروض العالمية لفيلم أليخاندرو أمينابر عمق البحر. فالفيلم يتناول شخصية حقيقية وشهيرة وتتمتع بكاريزما، ولها عشرات الساعات المسجلة معها، وهي شخصية الشاعر رامون سامبدرو الذي أصبح قعيدا بعد حادث، وخاض معركة استمرت لأعوام طويلة من أجل حقه في أن ينهي حياته في اللحظة التي يختارها، بما هو معروف باسم "الموت الرحيم". فكان التساؤل وقتها عن لماذا لم يصنع أمينابر فيلمه عبر هذه المادة، ولماذا اللجوء لشكل هوليودي تقليدي، وبطولة النجم العالمي خابيير بارديم، لاستعادة قصة موجودة بالفعل في الواقع؟

هل يختار السينمائي الشكل الروائي لأنه الشكل الذي يجده مريحًا ومناسبًا له أكثر في تناول اللحظات الكبرى؟ أم لضمان الإقبال الجماهيري على منتجه السينمائي لما هو معروف من محدودية جمهور الأفلام التسجيلية؟ أم لأنه لا يثق بما يكفي في غنى الواقع المعاش وفي أنه سيمنحه العناصر الضرورية لرواية ما يريد أن يرويه؟ أم لأن الواقع غني وقوي لدرجة أنه يحكي ما لا يعجب السينمائي، فيلجأ هذا الأخير إلى النوع الروائي كي يتخيل واقع بديل غير موجود؟ لنتركها كأسئلة دون إجابات ليتأملها الذين يهتمون بالوصول لإجاباتها، ولنتساءل عن السينمائيون المصريون في تناولهم لثورة يناير.

في أغلب المنتجات الروائية المصرية التي اقتربت من الثورة لم يختلف فقط شكل أبطال هذه الأفلام عن أبطال الصفوف الأولي الذين لعبوا دور البطولة في فيلم جمعة الغضب، بل إن النخبة قد أدخلت يدها في تشكيل الشخصيات لدرجة أنها قامت بتشويهها.

تزيين الروائي بالتسجيلي

مع حفظ الفروق فيما يخص المقارنة؛ ألا يشبه واقع مصر في لحظة الثورة واقع إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية، ولو في بعض الأوجه؟ أنظمة تسقط، ومجتمعات منهكة ومسروقة وشبه مدمرة، وأمل ورغبة في التعافي والبناء من جديد؟ وألا يشبه واقع السينمائيون الإيطاليون وقتها في بعض الملامح واقعنا نحن في 2011؟ صناعة سينما مدمرة، واقع ثقافي تم تجريفه، رقابة وغياب للحرية، وفساد في إدارة كل المؤسسات الثقافية، وأيضا رغبة في عمل ثقافة وفن جديدين؟

رغم التشابه بين اللحظتين لكن أعمال سينمائية قليلة تنتسب لسينمائيون مصريون تناولت ثورة يناير. وغلب عليها، رغم قلتها، النوع الروائي مع تزيينه ببعض التسجيلي، بحيث تمنحه بعض المصداقية. لكن تاريخ السينما أثبت عشرات وربما مئات المرات، أن إدخال بعض المادة التسجيلية إلى متن الفيلم الروائي التخيلي لا يعني خيارًا أقرب إلى نموذجي روسيليني أو فيكتور إيريثي المشار إليهما سابقا، فهو في أحيان كثيرة مجرد محاولة لانتزاع بعض المصداقية لصالح المتخيل، عبر مزجه ببعض لقطات الواقعي الحقيقي، وهي مصداقية ربما تكون زائفة في أحيان كثيرة، لتتحول المادة التسجيلية لمجرد مادة تزين سياق روائي هو أبعد ما يكون عن الحقيقة والواقع.

وليعذرني الجميع على قسوة إيراد فيلم إسرائيلي كنموذج على هذا التزييف، وهو فيلم فالس مع بشير (2008) للمخرج الإسرائيلي أري فولمان، حيث أدخل في نهاية فيلم تحريك، مفترض فيه أنه معتمد على شهادات حقيقية، مشهد تسجيلي من داخل مخيمي صبرا وشاتيلا بعد المذبحة، لإضفاء مصداقية على روايته الإسرائيلية الكاذبة حول غزو لبنان 1982 والمذبحة الشهيرة، وهي الرواية التي سيتقبلها المشاهد الأوروبي لأنه لا يعرف عنها سوى ما يقدمه له هذا الفيلم.

في أغلب المنتجات الروائية المصرية التي اقتربت من الثورة لم يختلف فقط شكل أبطال هذه الأفلام عن أبطال الصفوف الأولي الذين لعبوا دور البطولة في فيلم جمعة الغضب، المشار إليه في المقال السابق، بل إن النخبة قد أدخلت يدها في تشكيل الشخصيات لدرجة أنها قامت بتشويهها، لتقدم بدلا منها رؤيتها الخاصة لما حدث ومازال يحدث، لكن على لسان شخصيات أخرى، فاحتكرت السردية، وهو ما سيتضح أكثر حين نتناول الأعمال التسجيلية، لكنها سمة حاضرة في بعض الروائي أيضا. لتسود أغلب الأعمال المصرية المتناولة لثورة شعبية هي الأكبر في تاريخنا خلال قرن كامل حالة من حالات "نخبنة الثورة"، في انسجام كامل مع خطاب وتصورات الإعلام الرسمي والخاص في نزع الغطاء الشعبي الفقير عنها، ومنحها وجوهًا يسهل التعاطي معها. فتتحول إلى ثورة الطبقة الوسطي، أو ثورة الشباب، أو ثورة الفيسبوك، أو تتحول فيما بعد إلى "المؤامرة الإخوانية".

وإن اتخذنا الفيلم الجماعي 18 يوم (2011) المشكل من عشرة أفلام لعشرة مخرجين، كنموذج لقراءة شكل البطل سنكتشف ما هو أبعد من مجرد نخبوية الأبطال، سنجد أن أبطال كل هذه القصص العشرة لا يوجد من بينهم مشارك واحد في الثورة بقرار إرادي واع.

في فيلم من الأفلام العشرة تشارك البطلة بالصدفة، وفي فيلم أخر تلجأ البطلة للتحرير لأنها لا تريد أن تظل بمفردها، أما في الحكايات الأخرى فلا يوجد أبطال مشاركون، هم إما على هامشها، أو معادين أصلا لهذه الثورة.

هل نتذكر العبارة الشهيرة التي نطقها واحد من أفراد جهاز الأمن يوم جمعة الغضب "الشعب ركب يا باشا"؟ ركب الشعب فعليا في ذلك اليوم، لكن الحرص التالي كان ألا يركب الفقراء، وهو ما يبدو في أغلب المنتجات الإعلامية والسينمائية بنوعيها، التسجيلي والروائي.

ركوب النخبة

تبدو رؤية المخرج السينمائي يسري نصر الله للثورة كنموذج لنوع من الرؤى النخبوية المزدوجة، من حيث رؤيته هو لما حدث أو تصوراته عنه، وأيضًا من حيث نوعية الأبطال النخبويين الذي يقدمهم، وهو ما يبدو في العملان المرتبطان باسمه عن الثورة، وسنكتفي بهما كنماذج في هذا المقال، الفيلم الجماعي 18 يوم، والفيلم التالي بعد الموقعة (2012)، لا ينحصر دور يسري نصر الله في الفيلمين كمخرج مشارك من ضمن عشرة مخرجين آخرين في الأول، وكمخرج منفرد للفيلم الثاني، بل إنه كان مسؤول بدرجة ما عن جذب التمويل الفرنسي في حالة بعد الموقعة، وكان أيضا المحرك الأساسي لمشروع 18 يوم؛ أسابيع قليلة بعد إسقاط مبارك، ورابط الصلة بين صناعه ومهرجان كان قبل أن يكتمل الفيلم أصلا.

بالعودة إلى ملامح الحدث وصور أبطاله في فيلمين روائيين يتم تطعيمها ببعض المواد التسجيلية لإضفاء المصداقية عليهما، سنجد أن الثورة ليست الموضوع البطل في بعد الموقعة، هي للدقة ديكور أو خلفية لمسألة أخرى، وهي رائحة الشبق الجنسي التي تغلف مسار علاقة تربط بين بطلي الفيلم، الناشطة الثورية والنسوية ريم/منة شلبي، والخَيَّال الذي شارك في الاعتداء على الميدان في موقعة الجمل محمود/باسم السمرة، فمنذ لحظة لقائهما الأول، وبالرغم من عداء ريم لمحمود كونه مشاركًا في الاعتداء، وتجريمها الثوري الأحمق لسكان منطقة سكنية كاملة، تذهب إليها وإليه دون أي مبرر درامي، وبمجرد رؤيته ترغبه جنسيا، يدعوها "للركوب"، فتذهب معه إلى الخلاء، وبعدها ترتبط بعائلته، وتدعوها فاطمة/ناهد السباعي، زوجة محمود، إلى الزواج من زوجها ببساطة شديدة، دون مبرر درامي أو منطقي أيضًا، لتظل هذه الدائرة ومحورها المتعلق بالرغبة الجنسية حتى لحظة النهاية: إصابته بالصدفة خلال أحداث ماسبيرو، ويمتد الإيحاء بهذا الشبق حتى عربة الإسعاف التي تنقله على وشك الموت، فهي فوقه، تهتز، وعلى وجهها ابتسامة النشوة، بالرغم من موته المحتمل.

يتداخل مع خيط الرغبة الجنسية التي لا تتحقق مكتملة إلا في لحظة الكارثة خطابات طبقية لنخب الثورة من أصدقاء ريم، بالرغم من أنهن مثلها نسويات ومتحررات ومشتبكات سياسيًا، لكنهن لا يقدرن على إخفاء احتقارهن للفقراء وللخيالة، ويستخدمون رجالًا ونساءً دون خجل مقاربة ولاد الناس في تضاد مع الخيالة والخرتية، يستفيدون من هؤلاء الفقراء للاستمتاع في جلسة حشيش أو لقاء جسدي عابر، ويصطنعون صداقات مفتعلة معهم حين يقابلونهم في الميدان خلال الأحداث التالية وضجيجها المستمر، من أحداث 11 مارس، والاستعادة المتكررة لموقعة الجمل، الاعتصامات المختلفة، ختامًا بمذبحة ماسبيرو.

البطلة ريم التي تقدم كنموذج وحيد في الفيلم للثوريين، غنية وتعيش في شقتها الفاخرة المطلة على النيل، وحين تتحدث في السياسة لا تستطيع أن تلتقط منها جملة واحدة مفيدة ذات معني أو منطق، فقط بعض الصياح المتكرر، فتتساءل كمتفرج لماذا يثور هؤلاء؟ فريم وأصدقائها أغنياء، ولديهم حياتهم المنفتحة والمريحة بمعزل عما يحيطهم، غير قادرين حتى على التحدث باللغة العربية العامية بسلاسة، هم أقرب للخواجات، لدرجة أنهم يواجهون في نزلة السمان بسؤال إن كانوا مصريين، وهم أيضا متهمون بتلقي التمويل، عبر هذه اللقطات التي يدخلها المخرج لواحدة من مؤتمرات بعض المنظمات الحقوقية، كعامل درامي سيحول الترحيب بريم في منطقة الخيالة إلى عداء لأنها من الممولين.

غير مقصود بتعبيري "المنطق" و"المبرر الدرامي" أن تكون الأحداث الفيلمية مطابقة للواقع والمنطق المعاش، فلكل فيلم منطقه الدرامي الذي يقرره صناعه، ينسجونه كي نصدقه كمتفرجين، كي لا ننفر من قصة تفتقد للمنطق، أو تفتقد للمبررات الدرامية التي تفسر أفعال أبطالها.

نفس هذه التصورات النخبوية تجاه الثورة، ونظرة التسفيه لأبطالها النخبويين، هو ما يظهر في الفيلم القصير السابق ليسري نصر الله داخلي/خارجي، الذي شارك به في الفيلم الجماعي 18 يوم؛ ثلاثة أبطال مني زكي، ويسرا، وآسر ياسين، لا نعلم من هم هؤلاء، الشيء الوحيد الذي نعلمه أنهم أغنياء، ومن سماتهم بعض "البلاهة"، أو لنقل للتخفيف بعض "السذاجة"، فمنى زكي ودون أي أسباب واضحة تريد المشاركة في الثورة، ولأن الأحداث والحوارات تخلوا مما يفسر هذه الرغبة، نضطر كمتفرجين إلى استنتاج أن فعل التظاهر بالنسبة لها هو تجسيد للحرية المطلقة المحلقة في الفراغ، وتغيب الأسباب الدرامية التي تفسر كذلك خضوعها لزوجها آسر ياسين الذي يمنعها من المشاركة، أو تفسر هروبها اللاحق ومشاركتها، أو لقائهما سعداء في المظاهرة.

أما الزوج، ابن الطبقة المثقفة الغنية يردد دعاوى تذكرنا "بتامر بتاع غمرة"، أن هناك امرأة إيرانية، نصف عارية، تقود عربة دفع رباعي بيد، وتقتل المتظاهرين برشاش تحمله في اليد الأخرى، أما يسرا فتنزل إلى الميدان لسبب بسيط تعبر عنه كالتالي "أنا نازلة التحرير.. أنا خايفة أقعد لوحدي.. على الأقل هناك العساكر يحرسونا.. المساجين هربوا.. ممكن ييجوا يغتصبونا.. دول شرقانين ستات"، ليلتقي الجميع سعداء في مظاهرة السينمائيين الحقيقية قبل وقوع مبارك بيومين.

تشبيه المجتمع في لحظة ثورته بمستشفى للأمراض العقلية، وتصوير عناصره باعتبارهم مختلين، هو ما يفتتح، وللغرابة، فيلمًا كان من المفترض فيه أن يمجد الثورة "العظيمة"، أو على الأقل يروي بعض حكاياتها المؤثرة.

لكن اللغز المحير الذي كان متداول بين السينمائيين أيام 2011 في حالة الفيلم الجماعي الذي كان نصر الله المحرك الأساسي له، وسيظل كذلك إن لم يقرر أن يحله يوما ما بكتابة مذكراته ويحكي بوضوح ما يخص الكواليس؛ فهو لغز إشراك شريف عرفة ومروان حامد من ضمن تشكيلة المخرجين التي انتقاها يسري نصر الله، وأن يتركهما ليتصدرا الفيلم الجماعي، بالرغم من عدم مشاركتهما في الثورة، ومواقفهما المعروفة بعدم التحمس لها، وعملهما السابق مع دوائر لجنة السياسات لتنفيذ أفلامها الدعائية، وهو اللغز الذي اكتمل بلغز أخر استمر لسنوات، والمتعلق بعرض الفيلم على جمهوره الطبيعي الذي صنع الثورة. فرغم العدد الكبير من المتعاونين والسينمائيين الذين شاركوا فيه، ظل الفيلم مجهولًا ولم يسع أي منهم لعرضه بشكل عام في مصر خلال ستة أعوام أو أكثر، فيما عدا الفيلم القصير الذي أخرجه أحمد عبد الله وعرضه في مهرجان الإسماعيلية، مكتفين بجولة عابرة في بعض المحافل الأوروبية، حتى تم تسريبه على شبكة الإنترنت، بمبادرة من الممثل أحمد حلمي مثلما قيل وقتها.

كلنا مجانين وفاسدون

الخط الأساسي الذي يحدد مسار 18 يوم، لا يضعه يسري نصر الله، بل يأتي من مقدمته، من المشاركة الأولى التي تحمل توقيع شريف عرفة بفيلمه القصير احتباس، بحيث نستطيع القول إن شريف عرفة يقدم الباترون/النموذج الذي ستسير عليه أغلب، وليس كل، الأفلام القصيرة اللاحقة والمتضمنة في الفيلم الجماعي، مقدمًا كذلك توليفة الشخصيات التي ستحتل شاشات الفضائيات خارج الفيلم وصولًا لانحسار الثورة بعد 3 يوليو 2013، عبر صناعة نموذج مصغر للثورة داخل عنبر في مستشفى للمجانين، يقيم بها عدد من الشخصيات التي تقدم كنماذج لمن هم خارج المستشفى.

تشبيه المجتمع في لحظة ثورته بمستشفى للأمراض العقلية، وتصوير عناصره باعتبارهم مختلين، هو ما يفتتح، وللغرابة، فيلمًا كان من المفترض فيه أن يمجد الثورة "العظيمة"، أو على الأقل يروي بعض حكاياتها المؤثرة.

هناك ضابط الشرطة، والإرهابي الإسلامي، وشاب من شباب الثورة فاقد للذاكرة أو للوعي، ورجل الأعمال الذي تضرر من حكم مبارك، والإعلامي الذي تجرأ وفتح فمه مرة على الهواء بالصدفة خارجًا عن النص الموضوع له، ومدرس التاريخ المختل في رمزية للتاريخ نفسه، يثورون جميعًا، فيما عدا ضابط الشرطة، ويقبلون بقيادة الشاب الفاقد للذاكرة لأنهم ببساطة انتهازيون، "وممكن يكون فيها فلوس" مثلما يقول زميلهم القروي، ولأن جميعهم فاسدون ولهم أخطائهم، مثلما يقول الضابط، لا نستغرب أن يضع قائد الثورة الفاقد للذاكرة أول القواعد الديكتاتورية للنظام الجديد بعد انتصار الثورة: الحق للجميع في أن يقول رأيه "بس رأينا إحنا الأول".

يهوى بعض دارسي تاريخ السينما المصرية وصف بعض المخرجين بأنهم تنبئوا في بعض أفلامهم بأحداث تالية؛ لن يتمكن هؤلاء من وصف شريف عرفة بأنه استطاع التنبؤ، ففي الحياة الحقيقية غير المتخيلة، حدث العكس، فشباب الثورة الموسومون بفقدان الذاكرة، بناء على شريف عرفة، دون أن يقول لنا من هم مالكي الذاكرة، تصرفوا عكس روايته، تركوا الجميع ليتحدثوا، وتحدثوا هم أقل من الجميع، وبتواضع وبخجل جعل ضابط الشرطة يسود في النهاية من جديد.

بتتبع دليل شريف عرفة للثورة ونماذجها، بالإضافة للشخصيات الثلاثة الواردة في فيلم يسري نصر الله القصير، سنجد في الفيلم التالي خلقة ربنا، تأليف بلال فضل وإخراج كاملة أبو ذكري، نموذج الفتاة صاحبة نصبة الشاي في التحرير، ناهد السباعي، كل همها في الحياة أن تتزوج، فتقوم بصباغة شعرها بلون العدس الأصفر، ويتمحور الفيلم حول سؤالها، الذي لا يسأله أحد في القرن الحادي والعشرين، إذا كان ربنا سيدخلها النار بسبب الصباغة وتغيير "خلقتها"، تشارك في الثورة وتستشهد دون أي سبب درامي، الصدفة وفقط، وعبر قصتها وبعض القصص التالية تتساءل كمتفرج إن كانت بعض النخب الفنية والثقافية في مصر، حتى وهم يتناولون قصص الفقراء وقت ثورتهم في أعمالهم الفنية، لم يصلوا بعد إلى إجابة سؤال بسيط، ألا وهو لماذا يثور هؤلاء الفقراء ويخاطرون بحياتهم؟ بسبب صبغة الشعر والإجبار على إزالة نصبة الشاي لمدة ساعة؟ أم بسبب رفض الزوجة للإنجاب مثلما يظهر في قصة أخرى؟ أم لأسباب أخرى يتجاهلونها؟

النماذج الانتهازية أو النماذج التي تعاني من خلل في المنطق والتي تبدو في فيلم شريف عرفة الأول، تستمر في المقاطع الأخرى لسينمائيين كانوا يستطيعون بحكم قدراتهم ورهافتهم الفنية تقديم تصورات أخرى في سياق فيلمي وإنتاجي بديل، يبتعد عن تعجل اللحاق بمهرجان دولي بـ"فيلم الثورة"، على غرار "مغني الثورة"، و"مرشح الثورة"، و"إعلامي الثورة".. إلخ.

هناك بائعو الأعلام الذين يبيعونها في التحرير، وسيبيعون كذلك لأنصار مبارك في ميدان آخر، ويطبعون الصور ويعدلونها كي تتماشي مع كل الأطراف المتصارعة رغبة في المكسب، وهناك ذلك الجد الذي يخوض رحلته "الكافكاوية" مع حفيده في سيارته بمدينة السويس وقت حظر التجول، غير قادر على إقناع الجندي "البارد" بمبرر تحركه مع حفيده خلال حظر التجول، وهناك شباب اللجان الشعبية في السويس، التي كانت بؤرة ساخنة من بؤر الثورة، وهم مبتذلون وأقرب للبلطجة والإجرام من الثورية، أو هذا الترزي الذي يقوم بدوره أحمد حلمي، ويسجن نفسه بداخل المحل بداية من جمعة الغضب، وحتى سقوط مبارك، يسجل شرائط الكاسيت الموجهة لأبيه في حالة أقرب للهلوسة، متصورًا في البداية أن الحرب خارج محله تدور مع إسرائيل، يسجل هذه الرسائل على شرائط أم كلثوم، والقرآن، ويتردد في تسجيلها على خطبة لمبارك.

هل كان الناس يسجلون خطب مبارك على شرائط ويحتفظون بها؟ وحين يقرر الخروج من محله فهو يواجه الجموع بزي أمين الشرطة ليلقى حتفه على أيدي الثوار، أو تجد مقطع يصور الثورة من طرفها المقابل؛ تحرير 2/2، إخراج مريم أبو عوف؛ البلطجي وزوجته، آسر ياسين وهند صبري، الذين يرددون بانفعال غير مبرر أن قوى خارجية أتت لخلع الريس مبارك بتاعنا.. مبارك بتاعنا.

يتخلص مروان حامد في مقطعه الذي يأتي من أوائل المقاطع الفيلمية 1919، من موديل شريف عرفة الجنوني/الانتهازي في رسم الشخصيات، فيتناول جلسات التعذيب التي تمارس ضد شخص مفترض أنه من شباب الثورة، مستخدمًا بعض الإشارات التي تحيل إلى شخصية وائل غنيم، لكنه يُقتل أثناء التعذيب، موديل مروان حامد يختلف لأنه لا يقدم المجنون، بل يقدم تصورًا ميتافيزيقيا يعتمد على واحد من أكثر الكليشيهات السطحية التي تم تداولها في الأدب والسينما السياسيتين متواضعتي المستوي، وهو كليشيه ربط الاستبداد والديكتاتورية بالضعف أو العجز الجنسي.

لم تستند أي من هذه الأعمال الأدبية والسينمائية إلى أي دراسة علمية جادة تربط بين ممارسة الاستبداد وجريمة التعذيب بحجم الأعضاء الجنسية، أو تراجع قدرات الرجال الذين يمارسونها، ببساطة لأنه لا توجد مثل هذه الدراسة، ولا يوجد أيضا مصادر لمروية يضعها مروان حامد على لسان بطله وهي أن رجال الجستابو النازيين كانوا يتجنبون الاستحمام عراة أمام بعضهم البعض خجلًا من حجم أعضاءهم الجنسية الصغير، لكن هذا النوع من الأفلام والروايات يحتاج أحيانا إلى ذلك التفسير السطحي وغير المثبت علميًا، لأن معالجة التعذيب والديكتاتورية بجدية تتطلب طرح أسئلة تتعلق بجذور الأنظمة السياسية السائدة، والشكل الاقتصادي الذي يحكم مجتمعاتها، وهي مهمة عسيرة بعض الشيء.

بعد جلسات التحقيق والتعذيب المتواصلة يطلب "عصام"/عمرو واكد أن يري وجه الضابط، وبمجرد أن يتطلع إليه يتأكد من عجزه الجنسي، وكأن العجز أو الفحولة يبدوان على ملامح الوجوه، ومن النظرة الأولي! والأدب والسينما المستخدمان لهذه الكلاشيهات، ولأنهم من صنع ذكور، فأنهم يرون الضعف الجنسي أو العجز ليس كمرض، بل كعار مطلق، المصيبة الكبرى التي من الممكن أن تلحق بالبشر من الذكور. والثوري المفترض "عصام" لا يخرج عن هذا التعميم، فيعاير الضابط بعجزه الجنسي البادي في ملامحه، فيكون عقابه الموت. وكأن مشاكل الاستبداد والتعذيب وسوء المعاملة تحل بحل المشاكل الجنسية لممارسيها، ومع قليل من حبات الفياجرا سوف يسود العالم واقع يتسم باحترام حقوق الانسان.

المفارقة في نموذج مروان حامد تحديدا هي علاقة العمل التي ربطته كسينمائي قبل هذا الفيلم بشهور قليلة بلجنة سياسات جمال مبارك، التي نعلم جميعا الآن كيف كانت الأجهزة الأمنية تديرها لتنفيذ بعض حملاتها الإعلانية والدعائية، لكن الثورة قد جاءت وذهبت، فنجد مروان حامد قبل أيام قليلة ينفذ بالتعاون مع أحمد مراد، وأحمد علاء الديب (مشارك آخر في الفيلم الجماعي)، فيلم دعائي من عشرة دقائق لتمجيد جهاز الأمن في العيد العاشر للثورة وهزيمة الشرطة، بعنوان "حماية وطن".

لماذا لم يلجأ أي من صنَّاع هذه الأفلام إلى شخصيات حقيقية لتجسد أدوارها في فيلم روائي على غرار نموذج روسيليني؟ لماذا لجأ أغلبهم للنجوم أو الممثلين المعروفين؟ هل لأنهم تركوا الأبطال الحقيقين للثورة كي تتناولهم السينما التسجيلية؟ هل انتعشت هذه السينما التسجيلية؟ ربما، لكنه موضوع المقال القادم.