سليم ضو في أحد العروض على مسرح حيفا - الصورة من ويكيميديا برخصة المشاع الإبداعي

حوار مع الفنان سليم ضو: الفلسطيني الجالس على حقائبه

لم يكن المشاهد المصري قبل عرض فيلم غزة مونامور (2020) للمخرجين التوأم طرزان وعرب ناصر ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الأخيرة (42)، يعرف جيدًا مَنْ هو الممثل الفلسطيني سليم ضو، لهذا كان أداؤه المتفرد الهادئ البسيط مفاجئًا وهو يؤدي دور عيسى الصياد الذي كدنا نستمع إلى دقات قلبه وهو يعبر عن حبه الصامت لجارته سهام (هيام عباس). كان يؤدي الشخصية بهدوء وتحكم ورصانة جبل الثلج؛ يبطن أكثر مما يظهر، ينقل الانفعالات الداخلية للشخصية بسلاسة المتمرسين الكبار.

سليم ضو فنان فلسطيني متعدد المواهب، يعمل مخرجًا وممثًلا وكاتبًا في السينما والمسرح والدراما، ويشغل منصب مدير مسرح الكرمة بحيفا. سافر ودرس التمثيل في فرنسا، وله مسيرة فنية حافلة بالكثير من المحطات الفنية الناجحة، مثل العرض المونودرامي ساغ سليم الذي يؤرخ قصة فلسطين بسرد حكايته الشخصية، والفيلم الوثائقي مفاتيح الذي يحكي عمن لا زالوا يحملون مفاتيح بيوتهم المهدمة التي بنيت عليها المستوطنات ويحلمون بالعودة إلى تلك الديار التي مازالت بقاياها شاهدة على التاريخ مهما حاول الكيان المحتل طمسه أو إقتلاعه من جذوره مع شجر الزيتون. وكان آخر هذه المحطات المشاركة في فيلم أوسلو لمنصة HBO.

ولأن الذاكرة هي آخر ما تبقى كساحة معركة، يستخدم ضو الفن ليلقي الضوء على مساحات من الذاكرة الإنسانية التي عايشت النكبة، مستخدمًا تاريخه الشخصي وذاكرته مرجعًا يؤطر معظم مشواره الفني. يتنقل سليم من البِعنْه في الجليل الغربي إلى تل أبيب إلى باريس إلى حيفا، إلى عواصم شتى، لكن مازال هو الفلسطيني الجالس على حقائبه، مسافر بلا عنوان. ورغم سنوات عمره السبعين، مازال يحمل تلك الطزاجة بداخله والألق الذي يصاحب نبرات صوته ونظراته التي تقول كل شيء، يأسرك، يقحمك في الشخصية التي يؤديها لتصير جزءًا منه.

لهذا، فكلما أراد ضو أن يعبر عن نشأته ويُجمل نفسه في وصف، فهو يعود دائمًا إلى قريته، تحدث كثيرًا في الحوار الذي أجراه مع المنصة على هامش عرض فيلمه في الدورة الأخيرة من مهرجان القاهرة السينمائي، كيف أن البِعنْة، قريته الفلسطينية الصغيرة التي ولد بها، رائعة الجمال. تربى سليم الطفل وكبر في بيت فلاحين، حتى أنه يصنّف نفسه إلى اليوم كـ"فلاح"، راعٍ، وفنان فلسطيني.


في مشواره، اختار فقط الأعمال التي رأى أنّها مناسبة له وهو حتى اليوم راضٍ عمّا قدَّمَه. يضيف "في الطريق وصلت لكل ما حلمت به من سينما ومسرح وتليفزيون، وأيضًا على مستوى عالمي. مرات أسأل نفسي هل أنا نفس الولد الذي كان يركض خلف المعزة والبقر والخيل والحمير والطيور في البعنه، أنا اليوم اشتغلت في باريس وشاركت في أعمال عالمية لفوكس 21، واليوم أنا بطل في إنتاج عالمي لـ HBO. أحيانًا أضحك ولكن بحمد ربنا على كل هذه النعم".

لم يكن ذلك الصبي الذي ركضت به أمه وهما على شفا الموت في طرقات قريته البِعنْه في الجليل الغربي، حيث واكبت سنوات عمره تقريبًا نكبة الاحتلال الإسرائيلي لبلاده، يعلم أنّه وبعد مضي كل هذا العمر سيصير فنانًا، يجسد يومًا من خلال قصته الذاتية قصة كل فلسطيني في الداخل، فُرِض عليه أن يختار بين أمرين لا ثالث لهما: إمّا أن يحمل حقائبه ويصير مشردًا أو يبقى شريطة أن يحمل "هوية إسرائيلية"، يعيش في ظلها كمواطن فلسطيني وإسرائيلي في آن.

ضو الذي نهب الإسرائيليون أراضي والده الزراعية وبيته عام 1963، بقي وعائلته مع مَنْ بقوا رافضين ترك الأرض، واحتمل قسوة الحياة بأن يعمل مع إخوته في مجال البناء ليؤمنوا مصدر رزق بعد أن توقفوا عن زراعة أراضيهم المسروقة. ولعمق المأساة، يعمّر الطفل الصغير بيديه على أطلال قرية البِعنْه، مستوطنة كرم إيل مكانها، حتى أنه يتذكر جيدًا أن المغتصبين وهم قادمين حديثًا إلى بيوتهم الجديدة كانت تتعثر أقدامهم بالحجارة في الطريق الذي كان يركض فيه حافي القدمين بحنكة خبير؛ لأنها ببساطة ليست أرضهم ولا هم أدرى بشعابها.

وكما حمل ضو صغيرًا أحجار المستوطنة المُشيَّدة على أرضه عُنوة، حمّلوه بهويتهم وجنسيتهم المُدَّعاة، مع مليون مواطن فلسطيني آخر بقوا ضمن دولة الاحتلال، يحملون معاناة الوصم الدائم بالعمالة والخيانة والشكوك ذاتها.

كغيره من فلسطينيي 48، يعاني سليم من الوضع المُلتبس الذي تسببه الهوية الإسرائيلية. بالنسبة لفنان الداخل يشكل الأمر أزمة معقدة كون معظم فناني فلسطين ممن بقوا شاركوا بأعمال فنية مع ممثلين ومخرجين إسرائيلين، بل كان عبورهم الحقيقي إلى العالمية حدث عبر أفلام إسرائيلية. ورغم أن المُدقق في محتوى هذه الأفلام وصُنّاعها سيجد أنهم يصنّفون في الغالب يساريين معارضين لخطاب الحكومة الإسرائيلية وأحيانًا فكرة الصهيونية نفسها، يظل الشك دائمًا يحيط بأيٍّ من فلسطينيي الـ 48 عندما يقترب من لفظ ووصف "إسرائيلي".

يرى ضو، بعد أن يؤكد أنه "بعيد كل البعد" عن التطبيع، أن هذه الأخيرة "كلمة كبيرة لا تنطبق عليهم" وهو يقصد فلسطينيي الـ48، وحتى من يتعاملون مع مسألة التطبيع، من المسؤولين الفلسطينين، المشتغلين بالـ BDS (حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات، والعقوبات)، يستثنون في جلسات عديدة فلسطينيي 48 من كل قصة التطبيع هذه.

يستغرب الفنان شبهة الاتهام بالتطبيع "نحن ولدنا هنا، وشكرًا لأهلنا الذين بقوا هنا، كي يحافظوا على وطننا. ولا أفهم كيف يمكن لأي شخص عربي أن يرانا مُطبّعين. أنا ولدت داخل هذا الكيان بعد أن تأسس، وهو محاط بكل الدول العربية ولم يستطع أحد مقاومته فكيف لي أن أقاوم أنّني ولدت بعد الاحتلال بهذه الدولة؟ أنا موجود هنا وأعمل بالتليفزيون والسينما والمسرح باللغتين العربية والعبرية، غير أعمالي في الخارج بالفرنسية والإنجليزية إلى آخره. لكن لا يمكن أن أتنازل عن حقوقي في وطني وفي بلدي".

ويتابع قائلًا "كي أكون واضحًا أنا لن أرحل في حياتي من هنا. معي جنسية فرنسية ومعي هوية إسرائيلية. كان هناك حديث عن قانون أن مَنْ يحمل الجنسيتين لابد أن يتنازل عن واحدة منهما [ولم يطبق]، كان تعليقي وقتها أنني مستعد أن أحرق الباسبور الفرنسي، أرميه، لأن ليس لي علاقة به. عشت هناك ودرست وهدية كبيرة أن أُمنح الجنسية الفرنسية وبناتي تلقائيًا أخذوها. لا يُعقل أن أتنازل عن الهوية الإسرائيلية وأحتفظ بجنسية أخرى، وكل ثلاثة أشهر تلزمني فيزا لأستطيع أن أزور وطني وأرضي. أحتفظ بهذه الجنسية لأن هذه بلادي وهذه أرضي، وبهذه الجنسية أنا بالغصب كشوكة في أعينهم".

صورة لتهجير مجموعة من الفلسطينيين من قرية الرملة عام 1948 - الصورة من موقع فلسطين بالعربية بإذن خاص للمنصة

لا تفوت سليم الإشارة إلى محاولات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بإغراء الفلسطينيين في الداخل بمبالغ كبيرة ليرحلوا، قبل أن يوضح موقفه بثبات "أنا لو أعطوني كل ملايين الدولارات لن أترك هنا. أريد أن يعرف العرب هذه الحُرقة التي نعيش بها، ولا يزايدوا علينا كعرب 48 أننا متعاونين مع الاحتلال وجواسيس وهكذا اتهامات. لي صديق مدير دائرة فتح في تونس، فاروق القّدومي، قال لي مرة في منزله إحنا ظلمناكوا سليم إنتو أصل فلسطين بقاؤكم هو الأصل، أنتم الجذر ونحن بالخارج الفروع بقاء أهلنا هنا حافظ على القضية الفلسطينية. كل محاولات هذه الدولة التي قامت على حساب أرضنا منذ 48 حتى اليوم هو طمس هُويتنا وتنظيفها من كل ما ننتمي له أخذوا الأرض والملبس والأكلات ما خلّوا شيء. وأريد أن أضيف شيئًا، نحن هنا ليس لنا حقوق مثل المواطن اليهودي مع أننا ندفع الضرائب مثلنا مثله ودخلنا أقل من دخلهم. يعتبرونني هنا أهم فنان بالدولة، لكن الأجر الذي يربحه الفنان اليهودي حتى لو بنصف قدراتي أكبر مني، هم يعاملون العرب كمواطنين درجة ثالثة رابعة، هذا هو الوضع في الداخل".

استكمال الصراع

التمييز بحق فلسطينيي الـ 48 الذي يتحدث عنه ضو يتخذ أشكالًا كثيرة ولا يقف عند حدود الامتيازات المادية والتقدير المعنوي، بل يمتد إلى أحد أكثر الحقوق بديهيةً؛ الحق في التعبير، وفي الدفاع عن تراث وثقافة فلسطين من محاولات سرقتها كما سُرقت الأرض.

قدّم ضو أيضًا للتلفزيون عام 2018 برنامج طبخ اسمه أكلة سليم، لكنهم لم يبدوا رغبة في استكمال موسم آخر منه بسبب حديثه عن "فلسطينية" قرية جسر الزرقا.

كانت فكرة البرنامج قائمة على أن يتجول سليم بسيارة تجر خلفها مطبخًا متنقلًا في القرى الفلسطينية ويستضيف سيدات مسنات ويدردشون عن الأكل سويًا أثناء إعداده "أنا شخص أحب الطبخ وأحب الأكل وأستمتع به. هذا البرنامج هو برنامج طبخ غير عادي غير كلاسيكي. أركب سيارة وأجرّ وراءها مطبخًا متنقلًا، أي أنني أدور بمطبخي على القرى الفلسطينية، ويكون هناك بحث ميداني من قبل. نذهب لنساء مسنّات، وأنا لديّ حب كبير لهؤلاء النساء لأني أرى والدتي فيهن، ونعمل لقاء دردشة. ولا جملة تم تحضيرها أو سكريبت مكتوب، كل شيء ارتجال من وحي اللحظة".

إحدى حلقات البرنامج كانت في قرية جسر الزرقا تعاني من واقع اجتماعي صعب؛ محاصرة بالكيبوتس من كل الجهات، وتصادر أراضي الفلسطينيين فيها، وفي قرية قيسارية المجاورة لها حوّلت إسرائيل أحد الجوامع إلى مقهى، فقال لشاب معه في الحلقة "هذه القرية موقعها لؤلؤة، القرية الفلسطينية الوحيدة التي بقيت على الشط من راس الناقورة وحتى الجنوب".


بحسب سليم؛ "يبدو أن هذا لم يعجب إدارة التليفزيون الإسرائيلي، أنّه لماذا أقول أكلات فلسطينية، ولماذا أتحدث عن قرية فلسطينية بأنها لؤلؤة البحر"، قبل أن يضيف "كيف لي أن أقول إنها أكلات فلسطينية وأنها قرى فلسطينية، وقلتها بالصحافة العبرية ودعيت إلى التلفزيون العبري، وسئلت على الملأ: أنت قلت بالصحافة أنه لا يوجد مطبخ إسرائيلي؟ فجاوبت المذيع: إنه بالطبع، سمّي لي أكلة واحدة تنتمي لكم، كل ما تفعلوه بالمطبخ الإسرائيلي من ثقافتنا نحن، أو من المغرب دول شمال إفريقيا وأوروبا الوسطى والشمالية. أنتم ليس لكم شيئًا، كله مسروق. قلتُ ذلك على التلفزيون وهذه الأشياء لا تعجبهم".

"ساغ سليم": التأريخ الشفهي

لهذا، ولأسباب كثيرة غيره، يبدو مهمًا بالنسبة لفنان فلسطيني مثل سليم ضو، سرقت إسرائيل أرضه وتسعى كذلك إلى سرقة ثقافته وإرثه الحضاري، أن يؤرخ سرديته لكل ما يحدث. ليس فقط انطلاقًا من التزام وطني بأداء دور في المجتمع يتعين على الفنان أن يلعبه، بل لأن الأمر أيضًا يتعلق بحماية تفاصيل حياته اليومية.

ضو في عرض "ساغ سليم" - صورة بإذن خاص للمنصة

هذه المحاولات تبدو حاضرة في أعمال سليم ضو حتى تلك الأعمال شديدة الخصوصية التي يروي فيها قصته؛ مثل مونودراما ساغ سليم، وهي عرض مسرحي لسيرته الذاتية، ولكنه في الوقت نفسه يتقاطع كثيرًا مع قصة فلسطين ليبدو تأريخ الفنان لقصته تأريخ لوطنه في الوقت نفسه، تأريخ بعيد عمّا تفعله كتب التاريخ التي تهتم بالقادة والزعماء على حساب تاريخ الأفراد وقصصهم وذاكرتهم التي هي بمجموعها قد تتشكل سردية تاريخية إما موازية أو متقاطعة أو مختلفة كُليًا عن المرويات الرسمية التي تحتكر شرعية الحكاية.

أثناء الكتابة، كان سليم يقول لزوجته "يا سهاد أنا أكتب قصتي أنا، برأيك هل سيهتم الناس أن يأتوا ليسمعوا حكايتي أنا سليم ضو"؟ كان يشعر، حسبما أضاف للمنصة، أن هناك شيئًا مهمًا فيما يكتبه ويقوله. بعد ذلك شعر أنه لا يحكي عنه وفقط "وهنا كانت لحظة سعادة غمرتني وناديت على سهاد تعالي شوفي حبيبتي ماذا يصير بالنص، هذا ليس أنا، لكن أحكي عن كل فلسطين وأحكي لكل فلسطيني مهما كان وأينما كان. أقدم العرض في أستراليا الفلسطيني يبكي ويضحك من العرض، في أمريكا، في مصر ستكون نفس النتيجة، لأنني أحكي سيرة ذاتية شخصية جماعية. أنا هذا الولد الصغير الذي يحكي قصته وكبر ويحكي قصته أيضًا، أنا جزء صغير في العمل، فلسطين أكبر مني".

واليوم، وبعد أن مرت تسع سنين على ساغ سليم، يحمل الفنان أفكارًا يخاف ألا تكون بنفس المستوى "عمومًا، أنا أنتظر كثيرًا قبل كل عمل، حتى يختمر. قدمت أول مسرحية اسمها إضراب مفتوح عام 1999، مع أنني بدأت عملي وتعليمي بالمسرح عام 1970، استغرقت 29 عامًا كي أتجرأ، ولكنها نحجت نجاحًا باهرًا حتى اليوم يطلبون مني إعادة عرضها وتجديدها. من 1999 حتى 2011 أخذ مني 12 عامًا آخرين كي أتجرأ وأعمل ساغ سليم".


"غزة مونامور": أنا أتكل على عيني

بالنسبة إلى ضو، فإن غزة مونامور "محطة خاصة" في مشواره كما يحكي؛ "من بين تجاربي السابقة، واليوم عندي أكثر من 65 فيلمًا ومسلسلًا، أعتبر غزة مونامور محطة خاصة. عرب وطرزان تحدثوا لي من باريس على مشروع الفيلم، وأرسلوا لي النص. كان ردي أن هذا النص عبقري، وأنتم اثنين عباقرة مجانين، وأنا حبيتكوا وحبيت الجنون، وحسيت بالعبقرية في النص وأسلوب بناء الشخصيات، في الأهداف الصغيرة بدون شعارات".

ويمضي مستطردًا "التقيت بهما في الأردن وعملنا بروفة أو اثنين فقط، ومن البداية كان واضحًا أننا على نفس الخط. كان مذهلًا العمل معهما، فهما يريان جمالًا لا يراه كل واحد، مع أنهما لم يتعلما السينما، بل درسا الفنون الجميلة. وعندهما رؤية سينمائية خاصة ومميزة. أنا أتكل على عيني وأرى جيدًا ووجدت ذلك عندهما. بهما أيضًا إنسانية في التعامل، ليس هناك ضغط. وسنكمل العمل مع بعضنا في أفلام قادمة. أيضًا مدير التصوير كريستوف كان رائعًا. في السينما لي علاقة خاصة بالمصورين. فأنا أعشق الكاميرا وأظن أنها تحبني أيضًا. أمّا هيام عباس، فهي صديقة عزيزة والعمل معها متعة، ولقاؤنا معًا كان مميزًا".

ضو في كواليس تصوير غزة مونامور - الصورة بإذن خاص للمنصة

لا يخفي ضو سعادته بعرض غزة مونامور في مهرجان القاهرة السينمائي خاصة بعد الصدى الجيد الذي قوبل به الفيلم، وخلق قناعة لدى سليم بأن الجمهور المصري قرأ فيلمه أفضل قراءة "إن محبة الجمهور لشخصية عيسى سبّبت لي سعادة كبيرة، وأشعر أنني مقصِّر مع الجمهور المصري، لم أحضر لمهرجانات أو عروض من قبل، حتى أنه كان لي فيلم، حتى إشعار آخر، بالتسعينيات للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، حصل على جائزة الهرم الذهبي، لأحسن فيلم، ولم تتم دعوتي. لكن اليوم بعد النجاح الجميل تغمرني سعادة خيالية، وأشعر أنه صار الوقت لأن أحضر للقاهرة، وأشكر الناس وجهًا لوجه".

ولكن رغم ذلك تغيّب ضو عن حضور مهرجان القاهرة، بسبب ضرورة تواجده في العاصمة التشيكية براغ للعمل على فيلمه الجديد أوسلو الذي يدور، كما يتضح من اسمه، حول مفاوضات أوسلو في النرويج التي انتهت بإعلان مبادئ حمل الاسم نفسه عام 1993. في الفيلم، يجسد ضو شخصية كبير المفاوضين الفلسطينيين أحمد قريع (أبو علاء) المقرّب من ياسر عرفات "توقف التصوير بسبب فوضى الكورونا، وكنا نستأنفه. كنت أحب جدًا أن أتواجد معكم في القاهرة، ولكنهم لن يتركوني أتغيب ساعتين، فالإنتاج ضخم".

أوسلو: اتفاقية ومسلسل

يتذكر ضو الأجواء الاحتفالية التي رافقت إعلان اتفاق أوسلو وكان هو جزءًا منها. كان الأمل كبيرًا يومها في أن موعد إعلان الدولة الفلسطينية اقترب، غير أنه اليوم يعتبر أن المآل النهائي كان كارثيًا بسبب عدم التزام إسرائيل وأخطاء القيادات الفلسطينية.

يوضح أكثر "أنا لست سياسيًا، فسأجيب من ناحية إنسانية. عام 93 عندما كان هناك اتفاق، رأيت الفلسطينيين بشوارع الضفة وغزة، شاهدت النساء الفلسطينيات يرقصن ويزغردن بالشوارع، وأطفال ونساء بين دبابات المحتل الإسرائيلي يقدمون لجنود المحتل ورودًا. عندما شاهدت الاتفاق على التليفزيون بكيت فرحًا، وقلت أخيرًا سيكون عندنا دولة فلسطينية. سادت وقتها أجواء تفاؤل".

ثم يضيف "ما حدث بعد الاتفاقية طبعًا كارثة الكوارث؛ لأن إسرائيل لم تنفذ وعودها وغيّروا الخرائط، وأبو علاء قبل فترة، قال في لقاء تليفزيوني؛ إلى اليوم أعتبر أوسلو كانت شيئًا مهمًا وجيدًا، ولكن ما حدث حدث بعدم التزام إسرائيل وأخطائنا نحن الفلسطينيين. القيادات الفلسطينية عملت أخطاء رهيبة، ولا نستطيع تعليق كل أخطائنا على شماعة المحتل. كل عمري أبكي على شخصية فلسطينية فيها ربع غاندي، ونيلسون مانديلا. يجوز خطأ السلطة الفلسطينية يجوز عدم نضالهم كفاية أو عنادهم كفاية، والخطأ بقتل رابين خسرنا كل شيء. مع كل كرهنا لهذا الشخص وفظائعه لكنه هو وبيريز فهموا بالآخر إنه ليس هناك من حل سوى حل الدولتين، وكنت أصدقه، وعندما سلّم على ياسر عرفات بكيت فرحًا، بعد خمس سنوات أخيرًا ستصير عندنا دولة فلسطينية".

ياسر عرفات وإسحق رابين وبيل كلينتون أثناء توقيع تفاهمات أوسلو في البيت الأبيض - صورة من ويكيميديا برخصة المشاع الإبداعي

وفي هذا السياق، لا يفوت سليم الإشارة إلى إشكالية الممثل هنا؛ "في الفيلم، أمثل دور أحمد قريع عام 93، وليس اليوم. في ذلك الوقت لم تكن النتيجة معروفة، كان هناك أمل كبير وعظيم. اليوم لكي أجسد قريع، لا أشاهد النتيجة بعد 27 عامًا، وإلا لا أستطيع أن أقدم الشخصية. طوال تصوير الفيلم أنا موجود في عام 93، وبما أني أعرف الوضع وما آل إليه، فأنا بالطبع مشحون بانفعالات الشيء الذي أؤمن به وأحارب من أجله، وهو الدولة الفلسطينية وإلى آخره".

إشكاليات أخرى للممثل

إشكالية ثانية يواجهها الفنان، بشكل عام، تتعلق بارتباك علاقة الفن بالسياسية، تزيد حدتها إذا كان الفنان ما زال يعيش في أرضٍ محتلة. في رأي ضو لا ينفصل الفن عن السياسة "أنا أولًا فلسطيني، بعدين أعمل فن". ويضيف: "لا يمكن أن أعمل دور بمسلسل أو فيلم يتعارض مع عقيدتي وسياستي وقناعاتي وخطي كفلسطيني. ممكن أُخطأ بدون ما أعرف، فأخرج على التليفزيون أقولها لليهودي والعربي أنني أخطأت عندما شاركت في هذا العمل. عملته ولكن تراءى لي بعدها أنه كان سيئًا، مثلما قلت عن فوضى، الذي يصور الإسرائيلي أنه الأقوى والسوبر مان. كرهته. لذلك أقولها في لقاءات على التلفزيون الإسرائيلي، إنني أفتخر أني لم أكمل فيه. إذا فكرت إنه أنا فقط فنان ولا أضع الوضع السياسي والاجتماعي في تفكيري لن أرفض أشياء كثيرة تعرض عليّ .لكن الفن والسياسة موصولين ببعض، شئنا أم أبينا. فبالطبع لي موقف وأعلن عنه طول الوقت".

ينقلنا هذا بطبيعة الحال إلى التساؤل حول الأعمال الدرامية الإسرائيلية التي شارك بها ومنها فوضى المعروض على نيتفلكس، بالإضافة لمشاركته في مسلسل الطاغية، فكيف يستطيع ضو التعامل مع فنانين من الجهة الأخرى، وأعمالهم التي بالقطع تحمل نظرة متحيزة لصالحهم؟

كان رد ضو أنه بالنسبة لـ فوضى فقد قال وقت عرضه إنّه يكره العنجهية الإسرائيلية فيه، وكان سعيدًا جدًا أن شخصيته قتلت في الموسم الأول، لكي لا يضطر لإكمال التجربة معهم "أكره البكاء والحزن المزيف من طرف الإسرائيليين عندما يقتلون فلسطينيين بالمسلسل، أعتبره تزييفًا".

أما عن التحيز في وجهة نظر العمل للطرف الإسرائيلي فيقول "لا نستطيع أن نطلب من واحد إسرائيلي أن يعمل ما نراه نحن. الدولة ونعرف ما توجهها، لكن أحيانًا يحدث أن نجد فنانًا إسرائيليًا كاتب شيء فيه أكثر من 80% من محتواه يلائمني، بدلًا من النقد فلنصنع رؤيتنا نحن. صرخت صرختي أنا، أنا لا أقدر أن أصرخ عنك".

استدعت إجابته تلك إلى الذهن مشاركته في مسلسل إسرائيلي لقي نجاحًا كبيرًا واستمر لأربعة مواسم وهو شغل عرب. أثار هذا العمل جدلًا كبيرًا كما قوبل باحتفاء؛ وذلك بسبب نقده اللاذع لكل من العرب واليهود وسخر من كل شيء، وعُرض على التليفزيون الإسرائيلي.

يوضح ضو هنا السياقات أكثر "كلمة شغل عرب هي مصطلح عنصري بالدرجة الأولى من دولة إسرائيل، يصفون به أي عمل دون المستوى، فسخرنا منهم بشكل خيالي وسخرنا من أنفسنا أيضًا. هذا ما أحببته في هذا المسلسل، سخرية بشكل لائق فني كوميدي لا يجرح أحد دينيًا أو اجتماعيًا. سخرنا من وضعنا، وكاتبه فلسطيني اسمه سيد قشّوع، ترك الدولة لأنه لم يجد نفسه هنا، ويعيش بأمريكا الآن. كتب أربعة مواسم، كل حلقة تختلف عن الأخرى".

يصف سليم قشّوع بأنه "نَبْع أفكار هذا المخلوق، واعتُبر بفترة أفضل كاتب باللغة العبرية في دولة إسرائيل".

أثناء المباشرة في تنفيذ العمل، استعان ضو برصيد الفلاح الفلسطيني "ترك المخرج لي سلطة ترجمة نصوصي بنفسي، من أجل روح النكتة التي أمتلكها من رصيدي القروي البِعناوي والتي يفتقدها النص المترجم حرفيًا عن العبرية".

يتذكر سليم ردود الفعل على عرض الموسم الأول من المسلسل "ومنهم من لم يشاهدوه، فكان ردي هو الجواب بالموسم القادم. استمر المسلسل، وهذا نجاح كبير لمسلسل تلفزيوني 60% منه لغة عربية وممثلون عرب، وعُرض بساعات الذروة. ذكاء المسلسل في سلاسة النص وجنون المخرجين ونحن الممثلين، صنع منه تحفة فنية تنتقد وتضحك المُنتَقَد في نفس الوقت".

سليم ضو في أحد مشاهد مسلسل شغل عرب. الصورة من صفحة المسلسل على فيسبوك

ويضيف "أنا لا أشتم اليهودي على المسرح ولا بأعمالي، ولكن أضربه بأصعب من الشتائم بالنقد الذي أقدمه داخل العمل. عندما كنت طالبًا في معهد بيت تسفي بتل أبيب كان يقول لي اليهود ما سر قوتك وذكائك وخفة دمك على المسرح أنت تضوي وتبرق، كنت أرد أنني مشحون طول اليوم بما أسمعه من اليهود بأن العربي وسخ والموت للعرب. أنا لا أستطيع أن أواجهه بالشارع لأنه أقوى مني، فأحضر لكم ردي على المسرح".

وجوه عديدة لـ "أبو البنات"

سليم ضو ليس ممثلًا فقط؛ فهو أحيانًا كاتب مسرحي، وأحيانًا أخرى يكتب نصوصًا للأطفال، وفي أوقات ثالثة مخرج مسرحي، وذا مرة قدّم برنامجًا تلفزيونيًا، ومدرّس، كما أنه يدير مسرحًا في حيفا، ولكنه دائمًا أبٌ لأربع بنات.

جرب سليم ضو في الفن أشياء كثيرة "عملت أشياء كثيرة مختلفة في الفن، لكني لا أعرّف نفسي كمؤلف مسرحي، أحيانًا أكتب نصوصًا للأطفال، أو آخذ نصوصًا مسرحية معروفة وأقدِّم لها معالجة. لديّ هذا الميل للكتابة، وكتبت لنفسي عرض ساغ سليم، لكني لست كاتبًا بالأساس. أنا ممثل، مخرج مسرحي، مدرس درّست لسنوات في باريس، وفي البلاد، المسرح والدراما. وأنا مدير مسرح بحيفا وعندي طاقم ممثلات وممثلين أشتغل معهم، خصوصًا مسرحيات للأطفال، ونعرضها في جولات بكل القرى والمدن الفلسطينية لطلابنا العرب الفلسطينين. نعرض في كل البلاد من الشمال مع حدود لبنان، وحتى الجنوب مع حدود الصحراء مع مصر والأردن، فهذا عملي. كلها أشياء موجودة معي بداخلي".

ومن الأشياء المتعددة التي قام ويقوم بها ضو أيضًا، عمله كمدير فني لمسرح الكرمة في حيفا مرة أولى عام 1986 واستمرت لعشر سنوات حتى 1996 "ثم توقفت وعدت من جديد له، قبل خمس أو ست سنوات. عندما استلمت المسرح أول مرة كان وضعه ميئوسًا منه، فأخذته، وخلال 12 عامًا شاركنا في مهرجانات كثيرة، خارج البلاد، في فرنسا وبلجيكا وأمريكا، كما حصلنا على جوائز أولى. نجاحات واسم وضجة كبيرة. هذا إنجاز أعتبره محترم جدًا".

ويستطرد: "اليوم بفلسطين الداخل يُعتبر أفضل مسرح مهنيًا، ومسرحياته أفضل مستوى، وأصحاب المسارح الصغيرة يقولون للممثلين إذا كنت تريد أن تتقدم اذهب عند سليم ضو. مثلًا اشتغلت معي زميلتي حبيبتي هيام عبّاس، وقالتها أكثر من مرة إنها تعلّمت مني قواعد، مازالت تتبعها في عملها، مثل إنه ولا مرة تكذبي على المسرح واتعلمي تنصتي، وكثير من الأسماء حضّرتها للقبول، في معاهد التمثيل".

ولكن ما يحب أن يلقب به سليم ضو هو لقب "أبو البنات". جميعهن يغنين ولكن واحدة منهن فقط احترفت الأمر "عندي أربع بنات جميعهن تغنين، غناءً جبليًا. عندما نسافر بالسيارة ويغنين سويًا تدمع عيناي من السعادة. ميساء نجحت، وحققت لي حلمي الذي لم يتحقق أن أكون مطربًا، وسالينا الصغيرة 17 عامًا تغني أوبرالي، لكن ليس لديها الرغبة في الاحتراف مثل ميساء"، يقول بنبرة حنونة.

أورثت جيناته بقوانين الانتخاب الطبيعي إحداهن موهبته، كان دائمًا ما يراوده حلم الغناء، وكان بالأساس يحلم أن يصير مطربًا، حتى اليوم يؤدي بعض الأغنيات في عروضه المسرحية، اليوم ميساء ضو مغنية معروفة.


"انظروا إلى عيوني"

أعاد استحسان الجمهور المصري لتجسيد عيسى الصيّاد إلى ذهن سليم ضو ذكريات طموح قديم بالعمل في مصر ولكنه لم يكتمل بسبب "وضعي الخاص" كما وصف ضو نفسه، كفلسطيني يحمل عنوة جواز سفر إسرائيلي.

التقى سليم ضو مع الفنان الراحل نور الشريف الذي أدى شخصية العلي في الفيلم ثلاث مرات "صديقي المرحوم نور الشريف، التقينا ثلاث مرات في مصر وإسبانيا وباريس. كانت لقاءات صداقة واحترام، وقال لي هانشتغل سوا قريب يا سليم. عندما قدَم فيلمه ناجي العلي، حدثت له مشاكل كبيرة. أفكر أنه لم يأخذني معه بالفيلم لأنه خاف، نظرًا لوضعي الخاص، الذي تحدثنا عنه، خاف يُحرم من مصر. وهذه النقطة تسبب لي وجعًا كبيرًا".

وهنا توقف سليم ليستطرد بغصّة قديمة "وأريد أن أحكي عنها للجمهور المصري إنه تعالوا وانظروا إلى عيوني، وأنظر في عيونكم، وتعرفون من أنا ومين إحنا وكيف نعيش ومن أين نأتي. هذا هو الشيء الموجع بالنسبة لي، الإغلاق من العالم العربي حوالينا، والاضطهاد والتفرقة التي نعيشها هنا بالداخل. وهذا الشيء يضعنا في أصعب وضع فلسطيني، في كل الأوضاع التي يعيشها الفلسطينيون، بقاء أهلنا وأجدادنا هنا بـ48 هو الذي حافظ على القضية، إذا لم نكن هنا لم تعد أمام إسرائيل مشكلة".

تعود أهمية الحفاظ على السردية الفلسطينية في الذاكرة لتظهر في حديث سليم مرة أخرى عندما استرسل في حديثه أكثر "في فيلمي مفاتيح كان معي مصور يهودي، صور لي أشياء لم أشاهدها أنا، مشاهد طمر السلطات حقل زيتون بقرية البِروة، وهي مسقط رأس الشاعر محمود درويش، والبلدوزرات التي تطمر الحقل لعرب من الناصرة، هذه هي السخرية، نحن من بنينا لهم مستوطنة كرم إيل على أراضينا المسلوبة، وكما قلت ساخرًا في عرض ساغ سليم لقد أبينا إلا أن نبنيها بأيدينا، قلت لهذا المصور إنتو تفتكروا نفسكوا دولة ذكية إنتو أغبى دولة بالدنيا، فسألني: ليه؟، قلتله بمرارة وسخرية: كان عليكم بـ48 أن تقوموا بالشغل كاملًا، أن تمحوا أي ذكر للفلسطينيين وقراهم وتراثهم، أنا بالفيلم أصور العنف والفظائع التي قمتوا بها بحقنا، معناها إنتم فشلتوا لأنكم لم تخلصوا علينا للآخر. أنا أحمل هوية إسرائيلية بدون إرادتي".