من المؤتمر الصحفي للفريق كامل الوزير عن المشروع. الصورة: وزارة النقل- فيسبوك

"مش لازم يكون على النيل": أن تهدم قصر ثقافة لتبني أبراجًا سكنية

مع وضع حجر الأساس لمشروع تحيا مصر السكني بمحافظة الدقهلية الذي سيقام على أراضٍ تشمل 14 موقعًا من بينها مبنى قصر ثقافة المنصورة المدرج في لائحة المباني التراثية المسجلة لدى هيئة التنسيق الحضاري، وثلاثة حدائق عامة تجاوره يحظر قانون البيئة هدمها أو قطع أشجارها، عبَّر عدد من المثقفين عن غضبهم، وتقدم نواب في مجلس النواب طلبات إحاطة، فيما يرى وزير النقل كامل الوزير أن قصر الثقافة ليس ضروريًا أن يكون مطلًا على ضفاف نهر النيل.

الحدائق الثلاث المحيطة بمبنى قصر الثقافة والمزمع ضمها للمشروع، وهي هابي لاند، وعروس النيل، وصباح الخير يا مصر، يحظر هدمها، أو قطع الأشجار بها وفقًا لقانون البيئة. بينما حذرت النائبة ضحى عاصي في طلب إحاطة قدمته أمام البرلمان، من أن المشروع يتضمن "إهدارًا للمال العام"، خاصة وأن قصر الثقافة من المباني التراثية المسجلة بسجلات التنسيق الحضاري.

أما وزير النقل فتعهد في مؤتمر صحفي بتوفير "موقع بديل" موضحًا أن قصر الثقافة "مش لازم يكون على النيل"، وهو يعترض عليه الباحث الأثري سامح الزهار، لأن المبنى في حد ذاته له أهمية تراثية وثقافية كبيرتين.

يعود بناء قصر ثقافة المنصورة إلى الستينيات من القرن الماضي، وصممه المعماري المصري سيد كريم، وهو من رواد المعماريين المصريين. القصر المسجل ضمن المباني ذات الطابع المميز بمحافظة الدقهلية، شُيد في البداية على جزء من حديقة فريال التاريخية، بعد أن تغير اسمها إلى حديقة التحرير عقب ثورة يوليو 1952، ثم سميت بحديقة عروس النيل، وأثناء نكسة 1967 توقف بناء القصر ثم استكمل وتم افتتاحه في السبعينيات، بحسب الباحث الأثري سامح الزهار الذي تحدث للمنصة.

ويطل القصر على نهر النيل بمدينة المنصورة، ويتكون من طابقين يضما عددًا من القاعات بجانب مسرح أم كلثوم، ومكتبة بها عدد ضخم من الكتب، ومكتبة للطفل، وتمارس فيه أنشطة ثقافية مختلفة، وتدريب على كافة أنواع الفنون والآلات الموسيقية لمختلف الأعمار.

الزهار يرى أن قصر الثقافة ليس مبنى تراثيًا مهمًا للمنصورة فحسب، ولكن لمحافظة الدقهلية بأكملها، "المبنى هام من الناحية التراثية وكمان الإدارية، فيه مسرح أم كلثوم وهو مسرح ضخم واتعمل له ترميم من قريب وتطوير وافتتح بالفعل، والترميم ده من أكتر من كام سنة قبل طرح المشروع واتسلم المسرح واتعمل له كل وسائل الحماية بتاعته، يبقى إزاي بعد كل ده ههد هنا يبقى في إهدار للمال العام، لأن لو المشروع طلع تصميمه بعد التطوير يبقى نشوف مكان تاني، ولو كان تصميمه من قبل التطوير يبقى ليه عملنا التطوير وكلفناه؟".

وإلى جانب البعد التراثي يرى الزهار، أن هناك مشكلة كبيرة، وهي تغيير الهوية البصرية للمناطق الثراثية في المنصورة، فالمنطقة لها هوية بصرية، باعتبارها من أقدم المناطق بالمدينة "تدمير كل ده هيكون مقابل إيه، لو مشروع قومي زي مترو مثلًا يسهل على السكان كان ممكن الواحد يتغاضى عن الأمر، لكن في النهاية التدمير علشان مشروع سكني ممكن يقام في مناطق أخرى".


نقاط أهمية قصر الثقافة يعددها الزهار، بأنه بمثابة وزارة مصغرة للثقافة، فهو يقدم الكتب بأسعار مخفضة تصل لـ10 جنيهات، بالإضافة لعروض مجانية، "هو ده دور قصور الثقافة في المحافظات، فاحنا كده بنقضي على التثقيف اللي متاح للعامة، وبنحول المنطقة لكومباوند لفئة معينة من الناس، فده كمان مش بس تغيير للهوية الثقافية لا ده تغير للهوية الاجتماعية".

يضم قصر الثقافة نادي الأدب، والمسرح، وتعمل به ثلاث فرق للمسرح هي القومية، والفلاحين، والهوه، بحسب الشاعر علي عبد العزيز الذي يقدم أمسيات شعرية وقصصية، داخل القصر، مشيرًا إلى أن نشاط شباب نادي المسرح ملموس ويستوعب عددًا كبيرًا من الشباب، ويقدم عروضًا مستمرة بأسعار رمزية قبل حلول أزمة كورونا، مشيرًا إلى أنه في الشهر الماضي، عرض القصر مسرحية الكتاب، الموجهة للأطفال وشهدت حضورًا جماهيريًا، مع استمرار عمل المكتبة التي تضم كتب لمختلف الأعمار بأسعار رمزية، وفي ديسمبر الماضي قدم القصر أمسية قصصية تناولت الأديب يوسف إدريس كأحد أهم كتاب القصة والرواية والمقال في العالم العربي.

ويعرض بالقصر حاليًا يوميًا مسرحية حنان في بحر المرجان للأطفال مجانًا، بجانب الأنشطة اليومية والفاعليات الثقافية التي تتم داخل القصر وخارجه في العديد من المدن والقرى بالدقهلية، وتمثل متنفسًا ترفيهيًا وثقافيًا لأهالي المحافظة.

الأماكن التي من المقرر أن يقام عليها المشروع تقع بين مدينتي طلخا والمنصورة، فمن المنتظر إنشاء مشروع المنصورة جيت على أرض طلخا، وهو يتكون من عدة أبراج سكنية وتجارية وحديقة عامة، والمنصورة جراند على أرض الثلاجة، وهو عبارة برجين، والمنصورة بلازا على أرض حديقة هابي لاند وأرض نادي السكة الحديد، ويتكون من مركز طبي إداري استثماري وأبراج سكنية وفندقين، وكذا مشروع المنصورة داون تاون على أرض الفرنساوي، وهو مشروع سكني وتجاري وإداري، يضم قصر ثقافة ومول تجاري وأبراج سكنية، ومشروع ممشى أهل مصر بطول 1500 متر، يمتد من مبنى محافظة الدقهلية إلى كوبري طلخا، وفقًا لما نشر حول المشروع وأوضحه الوزير خلال وضع حجر الأساس.

النائب أحمد الشرقاوي، عضو مجلس النواب عن مدينة المنصورة، قال للمنصة إن المشروع محل ترحيب به لأنه يفتح المجال لفرص العمل والنمو الاقتصادي، ولكن الاعتراضات على هدم مبنى ذي طابع أثري وحدائق عامة تعد متنفسًا للمواطنين، أما باقي المناطق التي يقام عليها المشروع فهي بالفعل مساحات يمكن استغلالها.

الشرقاوي كان حاضرًا أثناء وضع حجر الأساس، ونشبت بيه وبين عضو مجلس الشيوخ، طارق عبد الهادي مشادة كلامية حول الأمر، فطالب الشرقاوي بحماية قصر الثقافة والحدائق وتطويرها، ليرد عليه عضو الشورى "الحدائق دى خرابة وكانوا فين النواب السابقين اللى بيتكلموا دلوقتي وهي خرابة؟ إحنا موافقين على المشروع"، وتدخل وزير النقل لفض المشادة، وقال "مش لازم قصر الثقافة يكون على النيل"، وأنه سيجري بناء آخر يواكب العصر.

وضع حجر أساس المشروع. الصورة: الصفحة الرسمية لوزارة النقل 

طلبات إحاطة

قال الشرقاوي، إنه تقدم بطلب إحاطة هو واثنين من النواب "أخدنا وعد من التنمية المحلية بالحفاظ على الحدائق، لكن لسه موضوع قصر الثقافة قائم، الوزير قال وهو بيحط حجر الأساس، إنه هيتعمل قصر ثقافة تاني في أرض المحلج، بس ده مش منطقي، وإيه هو الوقت اللي ممكن يحتاجة علشان يبني قصر كامل، وليه أصلًا يهد واحد موجود بالفعل؟ وكمان القصر شهد عملية تطوير اتكلفت كتير في السنوات اللي فاتت، والعمل فيه شغال وكان بيشهد عروض وحفلات مستمرة قبل كورونا، يعني مش مكان مهجور أو متصدع فيبقى فيه مبرر لهدمه، المبرر الوحيد لهدمه هو موقعه المتميز علشان يتعمل مكانه مشروع سكني".

النائبة ضحى عاصي عضو لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، تقدمت أيضًا بطلب إحاطة لرفض الهدم، وكذلك النائبة إيناس عبد الحليم، لاتخاذ ما يلزم من إجراءات من أجل التدخل الفوري لوقف عمليات الهدم التي تجري حاليًا والوقوف على حقيقة وأبعاد الأمر بشكل كامل ودقيق، وقالت في طلبها، إن الأماكن الحضارية والتراثية المقرر إعدامها، من أجل إنشاء أبراج سكنية وإدارية وتجارية على ذات المساحة، تضع المدينة أمام مشكلتين أساسيتين؛ وهما هدم تلك المعالم الحضارية والتراثية من أجل بناء أبراج سكانية ومبانٍ أخرى لأغراض تجارية وترفيهية، إلى جانب أن البدء في تنفيذ مهام تلك المشروعات البنائية الضخمة في منطقة تعاني في الأساس من مشكلات عدة في البنية التحتية، إلى جانب حالة الازدحام المروري وزيادة الكثافة البنائية والسكانية، سيؤدي بتلك المنطقة إلى تهالك ما تبقى من البنية التحتية.

وهو ما يتفق معه الشرقاي "المنطقة دي تعتبر قلب المنصورة وبتؤدي لكل الطرق، وهي في الأصل بتعاني من أزمة مرورية، ولو عملنا مشروع من غير دراسة فهيبقى في أزمة مرورية أكبر".

الحل الأمثل، الذي يراه الشرقاوي هو إعداد وزارة النقل دراسة متكاملة لمنطقة حدائق المنصورة وشوارعها لإتخاذ ما يلزم، لتكون دراسة علمية وواقعية، دون المساس بقصر الثقافة أو القضاء على المساحات الخضراء.

الوزير أوضح خلال اللقاء أنه لم ينفذ أي مشروع عندما كان رئيسًا للهيئة الهندسية أو وزيرًا للنقل إلا بعد الرجوع للرئيس عبد الفتاح السيسي، مشيرًا إلى أنه عرض المشروع الحالي ثلاث مرات على الرئيس وأعاده للدراسة الكاملة لجميع المناطق التي تدخل ضمن المشروع، بعدما اعترض عدد من الأهالي على هدم قصر ثقافة المنصورة والحدائق المطلة على نهر النيل، وأكد وجود تعليمات من القيادة السياسية باستغلال الأراضي الفضاء المملوكة للسكك الحديدية وأراضي أملاك الدولة، والشركات المديونة المملوكة للدولة في كل عواصم المحافظات التي ليس لها ظهير صحراوي.

لقطة من خرائط جوجل للموقع المنتظر إقامة المشروع عليه

دعوى قضائية

بجانب طلبات الإحاطة، رفع المحامي وائل غالي، دعوى قضائية أمام مجلس الدولة بالمنصورة لوقف هدم القصر، وقال الطاعن إن مبنى القصر مرتبط بشخصية المهندس المعماري التاريخية الدكتور سيد عبدالكريم، الذي قام بتصميمه، فهو أول مصري تعيّنه الأمم المتحدة مستشارًا لتخطيط المدن، وتعاقدت معه الهيئة الدولية لتخطيط المدن التابعة لهيئة المعونة الفنية للأمم المتحدة في الخمسينيات لتخطيط مدن العالم العربي في كل من السعودية والأردن والكويت والجزائر والمغرب، وغيرها من المدن العربية والأجنبية.

وأضاف في دعواه أن قرار هدم القصر يخالف الحظر الوارد بالقانون، الذي يمنع الترخيص بالهدم أو الإضافة للمباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز المرتبطة بالتاريخ القومي أو بشخصية تاريخية أو التي تعتبر مزارًا سياحيًا، ومخالفة قرار الحظر الوارد بصحيفة تسجيل العقار من الفئة (أ) والتي تحظر الهدم أو التعديل تماما داخل المبنى وخارجه.

من جهتها، استنكرت الكاتبة درية شرف الدين، هدم قصر الثقافة، في مقال لها بجريدة المصري اليوم، حمل عنوان "في انتظار الرد"، كتبت في الفقرة الأخيرة منه "صممَ مبنى قصر الثقافة واحدٌ من رواد من العمارة المصريين وهو المهندس سيد كريم، والأدهى أنه مسجل في قوائم التراث لدى جهاز التنسيق الحضارى الذي لم نسمع صوته حتى الآن. هل يعقل هذا؟.. نرجو أن يرد علينا أحد".

أما أمين تنظيم حزب التحالف الاشتراكي الشعبي بالدقهلية، طارق البربرى، فاستنكر قرار هدم القصر، وقال للمنصة إن هناك اتصالات يومية من مثقفين في المحافظة وسياسيين، لبحث إمكانية التقدم برفع دعوى لوقف قرار الهدم عند صدوره، وهو ما أكدته آمال ممدوح ناشطة سياسية بالدقهلية "تواصلت مع محامي بالفعل وقالي إنه فور صدور قرار الهدم، هنرفع قضية لوقف الهدم، وممكن وقتها نعمل حملة جمع توقيعات أو أي محاولات تصعيد علشان الهدم ميتمش".

فيما يدافع رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، المهندس محمد أبو سعدة، عن قرار الهدم، في اتصال هاتفي مع المنصة، قال فيه إن قصر ثقافة المنصورة ليس مسجلًا كمبنى أثري، وهنا يمكن التدخل وهدمه من قبل لجنة حصر المباني التي تحدد بعد المعاينة حالة المبنى وإمكانية هدم أو التدخل فيها أو في أجزاء منه.

وهنا يرد الزهار بأن "المبنى فعلًا مش أثري، لكنه مسجَّل في محافظة الدقهلية بأنه مبنى تاريخي بطابع تراثي، وبالنسبة للمتخصصين والأثريين الفرق بين المصطلحين معروف، لكن اللي بيتم هو تلاعب بالألفاظ علشان المواطن العادي مش بيكون عارف الفرق، وده برضه مش مبرر للهدم، ومفيش أي حوار مجتمعي اتفتح بين متخصصين وأثريين ومناقشات حوالين الأمر".

قصة مكررة

مع يحدث مع قصر ثقافة المنصورة، يشبه ما حدث من 5 سنوات، بمسرح السلام بالإسكندرية، الذي تم هدمه لبناء فندق، وحينها قال رئيس جهاز التنسيق الحضاري، إن المسرح الذي شُيّد في أواخر ستينيّات القرن الماضي، لا يتبع المباني التراثيّة التي يُشرف عليها الجهاز، موضحًا أن شروط المباني التراثيّة، أن تكون ذات طابع معماري مميز، تمثّل حقبة زمنيّة معينة، أو سكن بها أحد الشخصيّات التاريخيّة، أو تعتبر أثريّة إذا مر عليها 100 عام، وتلك الأخيرة تخضع لوزارة الآثار، ورغم حالة الغضب التي صاحبت قرار الهدم وقتها، فإنه نُفذ في نهاية المطاف، وشيد مكانه فندق توليب.

وتشهد مصر مؤخرًا عمليات هدم لمبانٍ ذات طبيعة تراثية وثقافية خاصة، ففي عام 2019 هدمت السلطات وكالة العنبرين، التي يعود تاريخ إنشائها إلى القرن الثالث عشر، كما هُدم عدد من المدافن بمنطقة جبانة المماليك العام الماضي لإنشاء محور مروري.


في المقابل، يواصل الموظفون في قصر ثقافة المنصورة عملهم اليومي، دون علم بما يدور حول القصر، كما أوضحت نهاد حسب الله، مديرة الإعلام بالقصر "محدش جاله أي كلام بأي ميعاد لهدم أو إخلاء أو تفاصيل، بنسمع الأخبار من بره، بس في النهاية إحنا مجرد موظفين، هنشتغل في أي مكان الدولة تحطنا فيه، وفي النهاية المشروع لو تم هو مشروع يخص الدولة برضه".

كذلك أوضح مدير عام الادارة العامة لفرع ثقافة الدقهلية، عاطف عمارة، في تصريح للمنصة، أن القصر لم يتلق أي مخاطبة رسمية حول هذا الأمر حتى الآن، والعمل مستمر به على نحو يومي، رافضًا هدم المبنى "محدش طبعًا ممكن يوافق على قرار الهدم، بس في النهاية حتى الآن مفيش قرارات رسمية صدرت، وبرضه إحنا مش رافضين فكرة المشروع السكني طبعًا، ولو ده تم فأكيد هيكون فيه بديل لقصر الثقافة يتم بالتوازي مع المشروع السكني".