كاميرا تصوير على هيئة مسدس- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

نسختنا من كلاب الحراسة: الإعلام المصري المفتون باضمحلال الحقيقة

عندما حاول رئيس قسم الإذاعة والتلفزيون بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، الدكتور أيمن ندا، تحليل الأداء الإعلامي المرئي في مصر، وذلك صميم تخصصه، لم يسلم، وكأنه أهان عقيدة مقدسة، من أذى كهنتها، إلى الحد الذي تجاوز الحديث عن "فشله الأكاديمي" و"مرضه النفسي"، إلى اتهامه بالانتماء إلى "جماعة محظورة" و"العمل ضد الدولة"، وهي جرائم تؤدي إلى السجن المشدد.

لكن الأكاديمي البارز، الذي تفاعلت إدارة جامعته المرموقة مع الهجوم عليه بإحالته للتحقيق؛ لم يفعل سوى نشر سلسلة من المقالات التحليلية عبر حسابه على فيسبوك، تقيّم أداء ودور وسائل الإعلام المرئية، انتهى من خلالها إلى أن هؤلاء الإعلاميون يروجون لخطاب إعلامي غير موضوعي أو علمي، يعتمد على الأخبار الزائفة والحقائق البديلة، وهو خطاب قوي، كما يصفه، ليس لأنه حقيقي، وإنما لأنه يشّكل لنا المعايير في عالم تحكمه علاقات قوى تفرض عليه أن يكون بهذا الشكل، ويخلق في الوقت حقيقة "أخرى" لا تعتمد على شهادة المقربين من الأحداث أو رؤى المتخصصين، بل وفق ما يرسموه هم عبر روايتهم المنقوصة عن الأحداث وتعليقاتهم على القضايا المختلفة من صورة لما يمكن وصفه بـ"المواطن النموذجي".

إن معطيات ذلك الحادث تدفعنا للتفكير في مجتمع الحجب الذي نعيش فيه، والعداوة المرسخة تجاه كل معرفة أو حقيقة دامغة، حيث الاعتماد على مصطلح "حكمة الجمهور The Wisdom of the Crowd"، الذي صاغه أندرو كين في كتابه ثقافة الهواة، ويعني الاستناد على حكمة الجماهير ورواياتهم الشعبية الخاصة بهم ومنطق الهواة في تشكيل سردية للأحداث الهامة والتكهنات الصاخبة، حيث توجد فقط "الحقيقة المتاحة"، ويفقد الجمهور القدرة على الوصول لأي رواية أخرى موثقة بسبب تآكل الشهادات، سواء من أشخاص عاشوا الحدث أو مختصين يعلقون عليه.

إن ما يصفه كين من أداء يعكسه مصطلحه، هو نمط متنام لـ"اضمحلال الحقيقة" الذي تمارسه الحكومات الاستبدادية بمساعدة وسائل إعلامها لتكميم أي شخص ينتقد أي مشهد داخلي، حتى وإن كان في صلب تخصصه ومن واقع وظيفته، مثل ما تم في حالة ندا، وهي الحادثة التي تفرض عددًا من الأسئلة الهامة، مثل: لماذا ترفض وسائل الإعلام النقد؟ هل يعتقد الإعلام أنه يمتلك كل الحقيقة؟ كيف تم ترسيخ تقويض الحقيقة بسهولة في ثقافة تضرر فيها الإعلام المهني بشكل خطير؟

من يقول الحقيقة ومتى؟

انضم مصطلح اضمحلال الحقيقة إلى قاموس العبارات التي صارت مألوفة، إلى جانب مصطلحات: الأخبار المزيفة والحقائق البديلة والتاريخ المزيف وكذلك المتابعون المزيفون والإعجابات المزيفة التي تسجلها روبوتات على وسائل التواصل الاجتماعي، ويعني بحسب تعريف مارك توين في مقاله في اضمحلال فن الكذب"الكذبة المؤذية والخداع والتبديد الذي ينقله المرء ببساطة عن طريق الحفاظ على جزء من الحقيقة أو إخفاء جزء منها" التي تجعل الناس عرضة للوعود الكاذبة وتشويه الحقائق والتلاعب والبعد عن البرهان والمنطق الذي يعتمد على جهل مستمعيه، وهو ما يجعل الشعب فريسة لأي نظام شمولي عن طريق إزاحة العقل والتفكير وإحلال العاطفة، وتآكل اللغة والتقليل من قيمتها الحقيقية، والحقيقة أننا اختبرنا جميعًا هذا النوع من الحقيقة المشوهة "اضمحلال الحقيقة".

غياب حرية الرأي والتعبير صبغ الإعلام بلون الدعاية، وتخوين أي طرف مختلف، والتركيز على توافه الأمور، وثقافة الشرشحة بدلًا من النقاش الهادئ.
- د. أيمن ندا، رئيس قسم الإذاعة والتلفزيون بكلية الإعلام - جامعة القاهرة

أصبح السعي من أجل الحقيقة مطلبًا أدبيًا وأخلاقيًا في ممارسات الإعلام منذ الحرب العالمية الثانية، كرد فعل على محاولات النظم الشمولية استخدامه لتوسيع سلطاتها بالحقائق البديلة، وعلى نحو مماثل كتبت حنة أرندت في أسس التوتاليتارية "الأمر هنا ليس في النازي المقنع أو في الشيوعي المقنع، بل في الأشخاص الذين يميزون بين الحقيقة والخيال وبين الصواب والخطأ، لكنهم يزيفونهما، هذه الفئة الجديدة ذات أثر كارثي على رفاه البلاد الاقتصادي والاجتماعي"، وهي كلمات تبدو كرسالة تحذير آتية من الماضي، من خطورة "تقويض الحقائق" الذي يمارسه الإعلام، وساعد في ترسيخ أكثر نظاميين دمويين في القرن العشرين (النازية والشيوعية)، من خلال انتهاك الحقيقة وسلبها وامتلاك القدرة على حظر سردها، ما منحها قوة غير مشروطة مكّنتها من السيطرة.

تصف أرندت مشهدًا يشبه ما نعيشه اليوم، عالم يتم فيه ضخ الأكاذيب والأخبار الملفقة بشكل صناعي رقمي، وتشيع فيه الحقائق البديلة والأخبار المزيفة داخل الخطاب العام العالمي في تدفق لانهائي من خلال وسائل الإعلام الاجتماعي بسرعة البرق.

مأزق الإعلام المصري

على مدار عقود، غابت الموضوعية، أو مسألة أن يتطلع الناس إلى الحق في المعرفة الحقيقية المتاحة، عن أولويات وسائل الإعلام المصرية، وهو أمر لا يحتاج التدليل عليه سوى تتبع ما يمكن أن يثيره نشر نقد أو تشكيك في الرواية الإعلامية لحدث ما بين المتابعين من نقاشات محتدمة تصل إلى حد التخوين، وهو ما أشار إليه ندا نفسه في مقال الذي فتح عليه بابًا واسعًا من الاتهامات وحمل عنوان إعلام النكسات: من أحمد سعيد إلى أحمد موسى. فمنذ الإذاعي أحمد سعيد، أحد أبرز إعلاميي الحقبة الناصرية ورئيس إذاعة صوت العرب، ووصولًا لأحمد موسى، لم يتغير الأداء الإعلامي كثيرًا بحسب ندا، من "حيث غياب حرية الرأي والتعبير صبغ الإعلام بلون الدعاية، وتخوين أي طرف محتلف، والتركيز على توافه الأمور، وثقافة الشرشحة بدلاً من النقاش الهادئ".

ذلك الوضع الذي يصفه ندا قد يؤدي بنا نحو الهاوية، فيما تُصور الإشكالية بين حق الناس في المعرفة وحجب الحقيقة عنهم الإعلام وكأنه "حارة مزنوقة" بين رغبات السلطة واستقلاله عنها؛ أيهما أهم؟ بأي شيء نضحي؟ وظيفته التي تفترضها الدولة أم مسؤوليته تجاه الشعب أم مسؤوليته تجاه استقلاله؟

في الحقيقة ذلك مثلث لابد أن تجتمع أضلاعه الثلاثة معًا، لأن الخلل في أي منهم سيقدم لنا صيغة غير متوازنة، كأن نضحي بالأم والجنين في سبيل أن يعيش الأب، ويستبدل، دون مبالغة، الحمقى الذين يشكل افتقادهم الذكاء والروح الخلاّقة أسباب انتقائهم بالكفاءات الحقيقة، ويحول أي دولة لمعسكر اعتقال كبير.

إن أزمة الأكاديمي وما وقع بينه وبين بعض الإعلاميين من اشتباك لانتقاده أدائهم، تعكس تدهورًا عميقًا نحو العودة إلى الشمولية والاستبداد، ومؤشرًا مخيفًا على السلوك غير المهني للإعلاميين، قد ينتج عنه كوارث أكثر إهلاكًا من الكوارث الطبيعية.

إن تجاهل الإعلام الحالي للحق في المعرفة وحرية الانتقاد الموضوعي، سواء كان سببه الخوف أو الصمت إيثارًا للسلامة، أو الالتزام بشرف اللصوص، هو عداء متعمد تجاه الحقيقة الراسخة، فعندما يُفتتن الإعلام بالسيطرة واحتكار الحقيقة من وجهة نظره، يصبح الوقت مناسبًا لتجلي الشمولية، بل إن "الدهماء" كذلك يرحبون بالنظم الشمولية فحينما توجد الجماهير المنقادة توجد "شهيّة" لا تقاوم للنظم الشمولية، لأن الجماهير عجزوا بسبب أعدادهم الفائضة أو بسبب اللامبالاة أو كليهما معًا عن الانخراط في أي صالح مشترك، اجتماعيًا أو سياسيًا أو نقابيًا أو مهنيًا، وحتى البلادة والحماقة هي شروط متجذرة في نمط المجتمع الحاجب للحقيقة بصورة متواصلة.

هذا الافتتان باضمحلال الحقيقة يفسره بورديو في كتابه آليات التلاعب بالعقول، كنتيجة لفساد وسائل الإعلام، وبخاصة التليفزيون، الذي يلعب دورًا خطيرًا في تكريس الأوضاع والمصالح السائدة وفي التفريغ السياسي والتلاعب بعقول المستهلكين من المشاهدين، ويصف فساد وتبعية المثقفين "الفرنسيين" الذين رصدهم في بحثه بـ"كلاب الحراسة الجدد"، الذين يشبهون ما أفضت إليه تجربة عالم النفس الروسي إيفان بافلوف من ترويض كلبه لأن يأكل ليس لأنه جائع بل كلما دق جرس الطعام، فبات حيوانًا مشوهًا، وهو نوع من الترويض يؤهل "اضمحلال الحقيقة" كي تتربع على العرش دون منازع.

إن أزمة الأكاديمي وما وقع بينه وبين بعض الإعلاميين من اشتباك لانتقاده أدائهم، تعكس تدهورًا عميقًا نحو العودة إلى الشمولية والاستبداد، ومؤشرًا مخيفًا على السلوك غير المهني للإعلاميين، قد ينتج عنه كوارث أكثر إهلاكًا من الكوارث الطبيعية، فاليوم لم تعد هناك حقيقة واضحة، وإنما عشرات النسخ الرديئة من أكاذيب متنوعة وحقائق منقوصة، وكان الأمل أن يقيم ذلك الوضع أو يوازنه إتاحة الفرصة لتقييمات المختصين من الأكاديميين والباحثين الذين تقدم رؤاهم نقدًا واضحًا لتلك "النسخ" المتعددة لما يروج باعتباره حقيقة، ولكن يتم بدلًا من ذلك تسييد نوعًا جديدًا من عمليات الإبعاد الاجتماعي وإطلاق موجات واسعة من المعلومات المضللة والوشايات لاختلاق أعداء لا وجود لهم، وتلك هي الوسيلة الوحيدة التي يثبت من خلالها الإعلام جدارته بثقة النظام.

بطبيعة الحال فإن صناعة الإعلام تخضع لعدة معايير منها قواعد السوق و"الشُّلليّة" وقواعد الربح، لكن ذلك لا يتعارض مع الحاجة إلى تقديم الإعلام صورة موضوعية "لما حدث"، لأن استمرار استغلال المنابر الإعلامية لتقديم حجج ونظريات هجومية على كل من ينتقدهم، وتقويض مفهوم الضوابط الإعلامية والتوازنات والحق في المعرفة والاعتماد على نمط شخصية المهرج السخيف المتبجح لرواية الأحداث وقلب الموازيين، يمكن أن يصرف النظر بسهولة عن أي نقاش عقلاني، ويحجم أي مساحة لتقييم الحقيقة أمام الجمهور، وسيصبح لدينا عالم مفكك وتظهر وجهات نظر مختلفة غير يقينية أو مقنعة وتبرز "تجارة الشك" ويبدأ الجمهور في صنع سردياته الخاصة التي قد تكون بعيدة عن الحقيقة.