بسنت خلال حوارها مع المنصة- الصورة: هشام عبد الحميد

حوار مع بسنت عن العدالة الغائبة في ميت غمر والحماية من "المتهمين الأبرياء"

بقميص رجالي فضفاض وبنطلون جينز لا يميزه شيء ونظارة شمس تغطي وجهها كله، جاءت بسنت، تمسك بحقيبتها من الأمام كدرعٍ واقٍ تتوارى خلفه من أعين الناس، تتلفت يمينًا ويسارًا وتتفحص الجميع، ولم تجلس إلا بعد أن اطمأنت تمامًا.

منذ أن تحرش بها سبعة شباب في مدينة ميت غمر، ديسمبر/ كانون الأول الماضي، اعتادت الفتاة البالغة من العمر 23 سنة، ارتداء كل ما يحجبها عن أعين المارة قبل الخروج من منزلها، بعد أن غيرت قصة شعرها المعتادة وأخفت معالم وجهها خلف نظارة شمسية.

التقت بسنت محررة المنصة في أحد الكافيهات، رفضت التقاط أي صور لها في الشارع، فعلى الرغم من ابتعاد مكان اللقاء عن سكنها، فإن الفتاة ما زالت تتخوف أن يتعرف أحد على الأماكن التي تتردد عليها. غيرت سكنها أربع مرات خلال أربعة أشهر فقط، خوفًا من التهديدات المتتالية التي كانت تأتيها من المتهمين وذويهم، منذ أن تقدمت ببلاغ للشرطة تتهمهم فيه بالتحرش، وهي تهديدات لم تتوقف رغم إصدار محكمة جنايات المنصورة حكمًا ببراءتهم في 21 مارس/آذار الماضي، ترجو بسنت أن تطعن عليه النيابة.

لم تبدأ الفتاة، التي وضعت على الطاولة درعها بعد أن اطمأنت، في الحديث مباشرة؛ تلفتت حولها مرة ثانية وكأنها تستجمع الطمأنينة التي تمكنها من الكلام.

تصف بسنت نفسها بأنها ابنة عائلة عادية لم تنشغل يومًا بمجريات السياسة، أو النضال من أجل حقوق المرأة، لكنها تربَّت رغم ذلك على التمسك بحقوقها دون تفريط، ولعل ذلك ما قادها لرحلة تقاض كانت تظن أنها ستعيد حقها وتقتص لها من المعتدين عليها، لكنها صُدمت بما خاضته خلالها وليس من حكم المحكمة وحده.

جسد يعش فيه الألم

تتذكر بسنت، التي ما يزال جسدها يشعر بوطأة 30 دقيقة استباحه خلالها المتهمين السبعة، المرة الأولى التي زارت فيها النيابة، وكان المتهمون يجلسون على الأرض، في انتظار العرض على وكيلها، لكن ذلك لم يثنهم عن مواصلة التحرش بها لفظيًا، تقول "يوم عرض المتهمين على النيابة، روحت وكانوا السبعة قاعدين على السلم، وأنا طالعة كملوا تحرش بيا لفظيًا، وقعدوا يقولوا كلام زي ها عجبك اللي حصل؟ طبعا منمتيش بسببه يا مزة. وده كان بيخليني أنهار، هو إزاي ده بيحصل جوه القسم والنيابة، هما إزاي مش خايفين، هو ده حلم، وكنت بقابل ده بصويت وانهيار ورئيس المباحث هو اللي كان بيهديني".

في ديسمبر من السنة الماضية، وخلال عودتها إلى بيتها في المساء، واجهت بسنت اعتداءً جماعيًا بالقرب من سكنها في مدينة ميت غمر بمحافظة الدقهلية، حيث اشترك في التحرش جسديًا بها سبعة أشخاص لم يتراجعوا عن إصرارهم رغم محاولاتها الإفلات منهم في أكثر من مرة، قبل أن ينقذها أحد المارة في الشارع بعد أن اصطحبها في سيارته للهروب منهم، وهو الحادث الذي رصدته عددًا من كاميرات المحال التجارية والهواتف الذكية التي شهدت الواقعة.

لكن بسنت لم تكن في حاجة إلى مشاهدة الشريط الذي انتشرت منه لقطات على الإنترنت، لتتذكر وجه المتهمين الذين استطاعت تمييزهم من بين عدد كبير من المعروضين عليها "إزاي أنسى وشوش 7 لمسوا كل حتة في جسمي، اللي حصل مش تحرش، ده أبشع بمراحل، فضلوا ينتهكوا فيَّ لمدة نصف ساعة، وفي أكتر من مكان، مشفعلهمش أي ناس حواليا، ولا إني حاولت أهرب منهم أكتر من مرة، كانوا بيشتموني وبيوصفوني بأبشع الألفاظ، ويقولوا إني بتاعتهم الليلة، وهيغتصبوني، إزاي مقدرش أطلعهم، وشوشهم محفورة في مخي لحد دلوقتي، وفي العرض على النيابة كنت شايفة عينيهم بتطلع شر، وتحدي ليا".

تسكت الفتاة وتسقط دموعها، لا تحجبهم نظارتها السوداء التي لم تخلعها رغم زوال الشمس، قبل أن تستدعي مشهدًا آخر أعاد إليها الكلام؛ آخر لقاء جمعها بالمتهمين في قاعة المحكمة، كانت المرة الأولى أيضًا التي تزور قاعتها "اليوم ده كان مرهق ومتعب جدا، يوم طويل من بدايته، كل ماكنت بفتكر إني هقابل المتهمين تاني كنت بحس بالرعب من جديد، الجلسة فضلت ساعات مش فاكرة عددهم، زي ما أنا مش فاكرة معظم أحداث اليوم ده، وكأن مخي عمل له بلوك".

وتضيف "كل اللي فاكراه إن القاضي فضل يسأل المتهمين اللي اتحرشوا بيَّ واللي الكاميرا مصوراهم، وهم بينكروا بكل ثبات، ويقولوا إنهم أول مرة يشوفني وإن أنا بتبلى عليهم، وأنا منهارة وبطلب من القاضي وأتوسل له إنه يسمعني، ولما جه دوري في الكلام وحكيت له الحادثة من بدايتها، قلت له أرجوك احميني، أرجوك عاوزة حقي".

مجتمع يلوم لا ينقذ

لم تكشف ملامح القاضي، كما تحكي بسنت، عما دار في ذهنه من أفكار خلال فعاليات المحاكمة، لكنها لم تتخيل أن يأتي حكمه بهذه القسوة، حسب وصفها، رغم ذلك فإن ما شهدته من تغيير كثير من الشهود لأقوالهم أمامه القاضي، أعاد إلى ذهنها وقائع الحادث بصورة أكثر وضوحًا مما بدا لها وقتها، فواحد من هؤلاء الذين غيروا شهادتهم أمام القاضي كان هو من أنقذها بسيارته لتفلت من المتحرشين.

تقول بسنت "وهو بيوصلني كان عمال يشخط فيا ويقولي هما ليه بيعملوا كده، أكيد أنت السبب، ويزعق فيَّ وكأني أنا الغلطانة، وطلبت منه ينزلني من العربية، قالي لأ لو نزلتي هتموتي لأنهم كانوا ورانا بموتوسيكل وعربية، كان ظاهريًا بينقذني، لكنه في الوقت نفسه بيلومني؛ ليه راجعة في وقت متأخر، والساعة 11 بليل، وأنا من الصدمة مبلمة مش برد، مش عارفة أرد على كل المشاهد القاسية دي، وفضل ماشي لحد معرف يهرب منهم وطلبت منه ينزلني في مكان بعيد عن البيت علشان ميعرفش مكاني، وطلب رقم تليفوني وأنا رفضت".

ثم مضت تقول "حتى لما الشهود غيروا شهادتهم مكنتش متخيلة إنه الحكم يطلع قاسي أوي كده، وياخدوا براءة، إزاي والحادثة متصورة وإزاي بعد ما قلت للقاضي على كل اللي اتعرضت ليه من تشهير وتهديد، وعملت بلاغ بكل التهديدات دي، بس برضه البلاغ متحركش ولا اتفتح التحقيق فيه".

في 21 مارس قضت الدائرة السابعة بمحكمة جنايات المنصورة ببراءة المتهمين في القضية وعددهم 7 أشخاص بينهم 5 قُصر، بعد أن وجهت لهم النيابة العامة اتهامات هتك العرض والتعرض لأنثي، بتلميحات جنسية بالقول والفعل، علاوة على 5 جنح أخرى لقيادة سيارة بدون ترخيص لاثنين من المتهمين، وواقعتي الابتزاز والتشهير، حيث إن بسنت لم تتعرض لحادث التحرش فقط، وإنما تلاها محاولات متكررة من قبل المتهمين وذويهم بتهديدها بإلحاق الأذى المادي بجسدها أو التشهير بسمعتها، كما عرضوا عليها مبالغًا مادية بدأت بـ30 ألف جنيه ووصلت إلى مليون جنيه مقابل التنازل عن القضايا والبلاغات التي تقدمت بها ضد المتهمين.

تقول بسنت "كل ما الوقت كان بيعدي كل ما كان المبلغ بيزيد، ويوصلني رقم جديد من أهالي ومحامي المتهمين علشان أتنازل، وفي المقابل كنت بلاقي صوري منشورة على النت وعليها عبارات من أبشع ما يمكن توصفني إني بشتغل في الدعارة، حتى إنه اتعمل هاشتاج ووصفوني فيه بأني بنت طايشة هتضيع مستقبل الولاد".

كذلك تلقت بسنت وأسرتها تهديدات وصلت حد التهديد بالقتل "بقى فيه رسايل توصلني إنه هما جابوا (سلاح) رشاش وهيخلصوا عليَّ، وحد يبعت لأهلي أنه لو شافني في أي حتة هيرش على وشي مية نار، كل ده غير الخوض في شرفي وسمعتي وخلق روايات وقصص ملهاش أي أساس من الصحة، منها إني متعودة على كده، وعملت ده فعلا قبل كده علشان الفلوس، طيب لو كان عملته علشان الفلوس ليه مخدتش المليون جنيه وسكت".

لكن كل ذلك لم يثن أهلها عن مؤازرتها بالرغم مما واجهوه ودفعهم لتغيير محل سكنهم "أخويا بقى بيخاف يروح الجامع من نظرات الناس اللي مليانة أذية، ومع ذلك عمره ما أذاني بسبب ده ولا طلب مني أتنازل أو أتراجع لأنه عارف إني مظلومة، وكان ممكن حد غيره يتكسف أو يقاطعني أو يجبرني أتنازل علشان 'الفضيحة' واسمه بين صحابه علشان هو ولد، لكن عمره ما عمل كده، وماما كمان لحد دلوقت في ظهري هي وأخواتي برغم كل الأذى اللي شافته، سابت شقتها بالعافية بعد طردها منها، وقعدت هي وأخواتي يدوروا على شقة تانية".

لم يتعرض بسنت وأهلها للضغط من قبل أهالي المتهمين أو أهالي المنطقة وحدهم، وإنما حاول أقاربهم وأصدقائهم الضغط عليهم لإثنائهم عن المضي في التقاضي بدعوى الحفاظ على سمعتها وأخواتها وما قد يسببه الحادثة تداعيات تعرقل حياتهم وتصمهم اجتماعيًا "أهلي كمان متحملين عبء كلام من صحاب وجيران وقرايب، إن سمعتي أنا واخواتي هتبوظ، ومش هنعرف نتجوز، الناس بتفكر كده، وبتفكر تقاطع اللي بيحصل له كده وكأنه شخص منبوذ، لكني معرفتش أفكر زيهم، ومتعودتش على كده".

ما تبقى بعد التحرش

اعتادت بسنت، قبل الحادث، الخروج والسفر والشمس التي لم يتبق لها منها سوى اسم النظارة التي تغطي بها وجهها كلما اضطرت لمغادرة منزلها، الذي التصقت به لا تفارقه إلا مضطرة لشراء حاجاتها الأساسية أو الذهاب للجامعة لأداء امتحانات منتصف العام الدراسي الذي قررت عدم تأجيله "بحاول أتجنب أي مشاوير، ممكن أخاف أنزل أشتري أكل أو احتياجات للبيت، وفي نفس الوقت بخاف أطلب دليفري لحد يعرف مكاني، الرعب بقى صاحب ليا في جدران البيت، اللي غيرته أكتر من 4 مرات في الـ4 شهور اللي فاتت، كل ده بسبب خوفي إن حد يعرف مكاني ويأذيني".

كان هدف بسنت من وراء لجوئها للقضاء أن يعينها قصاصه العادل على خوض تلك التداعيات كلها، لكن حكم البراءة الذي ينتظر محاموها صدور حيثياته ليفهموا أسبابه، أضاف إلى كاهلها عبئًا جديدًا من عدم الثقة في منظومة العدالة "حاليا مش عارفة لو حصل حاجة في المستقبل هروح تاني لنفس السكة ولا لأ، هو أنا مخي دايما كان بيفكر إن أي حادثة تحصل يبقى أروح للقانون والعدالة، لكن بعد اللي حصل مش عارفة هروح فين المرة الجاية، لو حصل لي أي حاجة مش بس تحرش، مين هيحميني"؟

رغم ذلك ثمة أمل يتبقى في إعادة التقاضي، أشارت إليه المحامية عزيزة الطويل، واحدة من فريق الدفاع عن بسنت، التي قالت، في تصريحات سابقة للمنصة، إن النائب العام يستطيع فتح أوراق القضية من جديد بالطعن على حكم المحكمة، آملة أن يتحول النقاش المجتمعي حول الحكم إلى حملة تطالب النائب العام بذلك.

غير أن بسنت لم تعد تنظر للمستقبل بعين الأمل ذاتها، ولم يعد يعنها من أيامها القادمة سوى انتهاء امتحاناتها بسرعة "علشان مخرجش من الشقة تاني، أنا مخي بقى واقف عن التفكير في بكرة، وبيفكر في إمبارح واللي حصل فيه بس".