لقطة من فيلم سنوبيرسر

تحت الأرض وفوقها: الصراع الطبقي بعيون كورية

شهد حفل توزيع جوائز الأوسكار الأخير (2020) مفاجأة كبيرة بحصول الفيلم الكوري طفيلي Parasite على معظم الجوائز بما في ذلك أفضل فيلم ومخرج وأفضل فيلم أجنبي في سابقة لم تحدث في تاريخ الأكاديمية من قبل، وتحول مخرج ومؤلف الفيلم بونج جون- هو إلى نجم، ومن لم يكونوا يسمعون باسمه راحوا يبحثون عن أعماله السابقة لمشاهدتها، وفتحت أمامه استوديوهات السينما والتليفزيون أبوابها على اتساعها.

لم يكن طفيلي في الحقيقة أهم أو أفضل فيلم صنعه جون- هو، إذ سبقه بعدد من الأفلام في كوريا، وفي 2013 صنع فيلمًا من إنتاج هوليوود شارك في بطولته عدد من النجوم العالميين وحقق نجاحًا شعبيًا ونقديًا كبيرين، مما دفع محطة تليفزيون TNT الأمريكية إلى إعادة إنتاجه في مسلسل تليفزيوني، يتكون موسمه الأول من إثنتي عشرة حلقة، قبل أن تشتري منصة نتفليكس حقوق عرضه، وتنتج موسمًا ثانيًا من إثني عشر آخرين، وحاليًا يجري التجهيز لإنتاج الموسم الثالث منه.

الفيلم، والمسلسل، يحملان الاسم نفسه: سنوبيرسر Snowpiercer، أو "شقَّاق الجليد"، وهو اسم عَلم وصِفة لقطار خيالي في القرن الثاني والعشرين، يضم آخر الناجين على سطح الأرض التي ستتجمد وتتوقف عليها كل مظاهر الحياة.

الفرضية الأولى التي يتمحور حولها الفيلم والمسلسل هي أن درجة حرارة الأرض سترتفع جدًا بسبب الاحتباس الحراري، وسيجري العلماء محاولة لتخفيض حرارة الكوكب (وهي خطط موضوعة بالفعل منذ الآن) ولكن ذلك سيتسبب في حلول عصر من الجليد سيقضي على كل مظاهر الحياة، عدا قطارًا واحدًا يتكون من عدة مئات من العربات، يضم بين جنباته أغنى أغنياء العالم، الذين ساهموا في بنائه، ويصبح هذا القطار الذي يجوب الأرض دون توقف (جلبًا للحرارة) كونًا مصغرًا Cosmos يتكرر على متنه تاريخ البشرية الذي تحكمه علاقات المِلكية والسُلطة والغرائز البشرية.


الفيديو الترويجي لمسلسل سنوبيرسر


الفكرة ليست جديدة تمامًا. سبق أن شاهدناها في عدد من الأفلام العالمية، وقدمها لينين الرملي في فيلم بديع لصلاح أبو سيف هو البداية (1986) قدَّم فيه الرملي تحليلًا ماركسيًا بسيطًا لتاريخ الحياة السياسية من منظور صراع المصالح والصراع الطبقي. ولكن كما سنتبين لاحقًا فإن فيلم سنوبيرسر يتسم بعمق ودقة نادرين، وهو يشكل مع المسلسل المأخوذ عنه ومع فيلم طفيلي منظومة متكاملة من الأفكار والرؤية الواضحة الجريئة لعالمنا من خلال منظور الصراع الطبقي، وتحليل بنية السلطة في النظام الرأسمالي والأنظمة السياسية بشكل عام.

تميز فيلم سنوبيرسر بنفس جديد مبتكر، فهو خيال علمي ينتمي لنوع الديسيوتوبيا ( أو المدينة غير الفاضلة)، وهو نوع يدور عادة في المستقبل حول عالم تسيطر عليه قوى الشر من أنظمة قمعية أو روبوتات الذكاء الصناعي أو علماء الهندسة الوراثية إلى آخره. لكنَّ فيلم سنوبيرسر ليس مجرد خيال علمي، فهو فيلم "أكشن" من الطراز الرفيع يضج بالمعارك والإثارة الشديدة على مدار ساعتين وبضع دقائق لا يكاد المشاهد يلتقط خلالها أنفاسه، كذلك يحتوي الفيلم على وجهة نظر سياسية دفعت عددًا من النقاد لاعتباره واحدًا من أهم الأفلام السياسية التي ظهرت خلال السنوات الماضية. بشكل عام لا يعترف بونج جون- هو بالأنواع الفنية وغالبا ما يكسر قواعد وشروط هذه الأنواع، مثلما فعل في طفيلي، الذي يجمع المأساة بالكوميديا، الرمزية بالواقعية، والخيال بالتحليل الاجتماعي.

تميز سنوبيرسر أيضًا بفريق ممثلين عالمي، جرى اختياره بعناية: كريس إيفانز (كابتن أمريكا) في دور الثائر، إيد هاريس في دور السيد ويلفورد، مؤسس القطار، تيلدا سوينتون في دور مسؤولة الضيافة، أو وزيرة داخلية القطار، الفاشية، المتوحشة، التي لا تتردد في قطع ذراع أو قتل أي متمرد، جون هارت في دور المفكِّر الإنساني، النبي المبشِّر بالثورة، الذي توحي النهاية بأنه ربما يعمل بتوجيهات من السيد ويلفورد نفسه، والمخترع الأسيوي كانج – هو سونج، الذي لعب دور الأب كيم، في طفيلي، الذي ينجح مع ابنته في الخروج من الدائرة الجهنمية للقطار، ليبدأ الحياة من الصفر مع الدببة القطبية.

لقطة من فيلم سنوبيرسر

مع ذلك، فإن أبرز ما في أعمال جون- هو، رؤيته السياسية الثاقبة وتحليله الدقيق للصراع الطبقي الذي يغني عن عشرات الكتب العلمية، والمغلف بطاقة غضب ورفض هائلة للظلم الاجتماعي وغياب العدالة والمساواة بين البشر.

إن فكرة القطار الذي يجتمع على متنه آخر من بقي من البشر تكثف فكرة الصراع الطبقي وتدفع بها إلى حدها الأقصى، والرمز الذي تحمله صورة القطار تتطابق كليّةً مع المرموز إليه؛ كوكب الأرض الذي يدور حول نفسه وحول الشمس بسرعة هائلة طوال الوقت، حاملًا الجنس البشري وتاريخه الدموي الذي لا يختلف كثيرًا عما يدور في القطار.

إنها نهاية العالم، بسبب الجليد الذي تسببت فيه محاولات مواجهة الاحتباس الحراري، وموَّل أثرياء العالم صنع هذا القطار الأسطوري، مثل الأنفاق المضادة للقنابل النووية التي يبنيها الأثرياء أسفل منازلهم في طفيلي. وهذا القطار يلف الكرة الأرضية باستمرار، حيث تتولد الحرارة عن المحرك الجبار.

بجانب الأثرياء فاحشي الثراء من سكان الدرجة الأولى، هناك الأثرياء من سكان الدرجة الثانية، وبما أن الطبقتين تحتاجان إلى أيدٍ عاملة وخَدم، فلا بد من وجود الدرجة الثالثة حيث يسكن موظفو وعمال القطار الذين يعملون في خدمة ركاب الدرجتين الأولى والثانية، وفي نهاية القطار هناك عربة "الذيل"، أو "السبنسة"، والتي يسكنها حفنة من "الدخلاء" الذين لا يملكون تذاكر للحياة في هذا القطار، إنهم "طفيليون" أيضًا، اندسوا داخل القطار في اللحظات الأخيرة بحكم غريزة البقاء، ليهربوا من الموت المحدق في الخارج.

لقطة من فيلم سنوبيرسر

سكان عربة الذيل يعيشون في ظروف غير آدمية، يتكومون متلاصقين كالحيوانات، ويأكلون بعضهم بعضًا عندما لا يجدون شيئًا آخر يأكلونه، لكنهم يتعبون من حياتهم البائسة ويفيض بهم، ويقوم بعض العقلاء بتنظيمهم، فيقررون الثورة ضد سكان الدرجتين الأولى والثانية، وهذه ليست الثورة الأولى، ولكنها واحدة ضمن سلسلة من الثورات طالما تنتهي بالفشل، وبموت الكثير من الضحايا من الجانبين، ويوحي الفيلم في نهايته بأن هذه الثورات مدبَّرة من المحرِّك الأول، قائد القطار، كنوع من إحداث التوازن الطبيعي في عدد سكان القطار، كما يحدث في عالم الحيوان والنبات في الطبيعة، الهدف منها التخلص من نسبة من الركاب، بجانب الآثار النفسية الجيدة التي تخلفها.

الصراع الطبقي هنا ليس مجرد رفض للظلم وغياب العدالة، ولكنه أمر طبيعي بما في ذلك الثورات، أو الطفرات التي تحدث فجأة لإعادة التوازن المفقود، وبعدها تعود الأمور لطبيعتها، التي تشمل الصراع والتفاوت الطبقي من جديد.

ما يجمع سنوبيرسر وطفيلي هو النظرة الهجائية الشديدة للنظام الرأسمالي الحديث، حيث يحظى عدد قليل من البشر بكل شيء، بينما الغالبية فقيرة معدمة، تتضور جوعًا، أو تجاهِد للتحايل من أجل سد الرمق كما في طفيلي، أو يأكلون بعضهم بعضًا كما في سنوبيرسر.

لكن بونج لا يكتفي في الحقيقة بالإدانة الساذجة لنظام سياسي بعينه. إنه يدين النظام البشري كله، الذي يقوم على الصراع من أجل البقاء، يغذيه “محرِّك أول” أو “صانع” أو “مهندس” وضع نظام وقواعد القطار، ويتحكم في سكانه بإثارة الحروب فيما بينهم. هذا النظام الذي وضعه ويلفورد يعني أن أي ثورة ستتحول في النهاية إلى نموذج من النظام الذي ثارت ضده.

لقطة من مسلسل سنوبيرسر

هنا تأثيرات من ثلاثية أفلام ماتريكس، (حيث الصانع، النظام الدقيق للماتريكس الذي يسمح بحدوث ثورة كل حين)، لكنها ممتزجة بنظرة سياسية أكثر منها فلسفية. إن ما يخلق الظلم ليس فقط رغبات وغرائز الأفراد، ولكنه النظام، وضرورة حفظ النظام، هما ما يحتمان استغلال السُلطة بشكل مطلق. وكما يصبح تحطيم الماتريكس نفسها هو الحل الوحيد للخروج من أسرها، فإن الحل الذي يلجأ له كيرتس هو تفجير القطار نفسه، وبدء الحياة من الصفر بآدم وحواء جديدين.

في طفيلي تعتمد العائلة الثرية بالكامل على الطبقة الأدنى منها. في كوريا الجنوبية، كما في بلاد عديدة منها مصر، يعتمد كبار الأثرياء وكثير من عائلات الطبقة الوسطى على الخدم لقضاء معظم احتياجاتهم، وبعضهم لديه خادمة، أو عدة خدم، مقيمون بشكل دائم. عائلة باركر الثرية، المكونة من أب وأم وولد وبنت، تجسِّد هذه العلاقة في حدها الأقصى، فهم يعتمدون بالكامل على أفراد عائلة أخرى هي عائلة كيم: خادمة للبيت، سائق للسيارة، مدرس إنجليزي خاص للابنة، ومعالِجة نفسية بالفن للابن.

عائلة باركر شديدة الثراء، لكنها في الحقيقة تعيش وتتنفس على جهد عائلة فقيرة جدًا، مماثلة لهم في العدد والنوع الجنسي والعمر. لا يتعاطف بونج جون- هو مع العائلة الثرية، صحيح أنهم متحضرون، يتمتعون بالجمال والأناقة. الأم تكاد تكون شابة صغيرة مع أن لديها ابنة جامعية، ولكنهم ضعفاء قليلو الحيلة، لا يستطيعون أداء شيء بمفردهم لدرجة أن الأم لا تعرف كيف تدير ماكينة غسل الأطباق.

لكن عدم تعاطف جون- هو مع عائلة باركر لا يعني أنه يتعاطف مع العائلة الفقيرة: صحيح أنهم فقراء يجاهدون من أجل لقمة العيش، لكنهم أقوياء واسعو الحيلة، ماكرون، يسعون للاستيلاء على كل ما يستطيعون من الأغنياء، ويفضِّلون الطرق السهلة على تلك التي تتطلب جهدًا مستمرًا وزمنًا طويلًا.

على المستوى البصري والمكاني تمثل كل من العائلتين طرفي النقيض: بينما تسكن عائلة كيم في بدروم تحت الأرض، حيث يبول المارة فوق نافذتهم، فإن عائلة باركر تسكن أعلى جبل يحميهم من الفيضانات والتلوث والفوضى في المناطق السفلى من المدينة، ولكنهم يتحولون بمرور الوقت إلى وجهين متماثلين ينعكسان في المرآة، كل منهما يريد ابتلاع العائلة الأخرى، في تجسيد رمزي مطلق للصراع الطبقي الذي لا يعرف التعايش أو الحلول الوسطى.

مرآة الصراع الطبقي في بوستر فيلم طفيلي

في مسلسل سنوبيرسر، الذي اكتفى فيه جون- هو بالكتابة والإنتاج والإشراف العام، نشاهد الأحداث من وجهة نظر أشمل وأكثر اتساعًا، فالمسلسل ليس إعادة إنتاج للفيلم، ولكنه إعادة كتابة واستكشاف للأفكار. الثورة هنا يقودها شاب أسود، ديفيد ديجز، بدلًا من كابتن أمريكا، ومهندس القطار ومصممه السيد ويلفورد غير موجود، حيث يتبين أن كبيرة المضيفات ميلاني، جنيفر كونلي، هي المهندسة الحقيقية التي يتخفى وراءها المحتال ويلفورد، كما يتبين أنها أطاحت به من القطار بسبب عنفه وسلوكياته السادية، وسوف يعاود ويلفورد الظهور في الموسم الثاني ويحاول استعادة القطار.

هذه التفاصيل تحرِّك الحبكة للأمام، ولكن الأهم منها التفاصيل الكثيرة التي تتسم بها العلاقات بين ركاب القطار، وتشكل بانوراما واسعة للشخصيات والأنماط البشرية.

تنتصر الثورة التي كانت حلم الفقراء والمعذبين، ولكن هذا لا يغير الواقع، فالتاريخ يعيد نفسه، والثوار يجدون أنفسهم مضطرين للعنف وإعادة الديكتاتورية ليحافظوا على القطار ومن فيه، وحتى عندما يرسون قواعد نظام أكثر رحمة وتوزيعًا أكثر عدالة للثروة، يظهر ويلفورد من جديد، ليثير الوقيعة بين الركاب ويستغل منظومة العلاقات والمصالح ليركب على الحكم من جديد.

من الواضح أن بونج جون- هو متأثر بشدة من الانقسام الذي تعرضت له كوريا، فتحولت إلى بلدين؛ الجنوبي رأسمالي حتى النخاع، والشمالي شيوعي حتى النخاع، وفي كلا البلدين، والنظامين السياسيين، يعاني معظم الناس من الظلم وبؤس الحال.


اقرأ أيضًا: التجربة الكورية: كيف دعمت الحكومة صناعة السينما حتى فازت بالأوسكار؟


يتجرد الصراع الطبقي في أعمال جون- هو من غلافه الرومانسي والديني كما رآه ماركس والاشتراكيون الأوائل، ومن غلافه الميلودرامي كما رأته الكثير من الأعمال الفنية، حتى الواقعية الاشتراكية، كصراع بين الخير المُطلق والشر المُطلق، ويكتسي هنا بنظرة أكثر واقعية وتشاؤمًا ترى فيه قَدَرًا لا فِكاك منه، ودائرة جهنمية لا خروج منها، إلا بنسف القطار كله كما يحدث في نهاية الفيلم، أو بالخروج من القطار والبحث عن حياة جديدة على كوكب الأرض، بعد أن تعود الحرارة لتدب فيه، لعلها تكون بداية جديدة للجنس البشري يتعلم فيها من أخطائه، ويتخلِّص فيها من أنظمته السياسية والاجتماعية الفاسدة، إذا كان هذا ممكنًا في يوم ما.

لا أريد أن أضيع على القارئ الذي لم يشاهد هذه الأعمال بعد متعة المشاهدة وبهجة الاكتشاف، وأي كلمات لن توفي هذه الأعمال الثلاثة حقها، وكل ما أطمح إليه أن أدعو القارئ إلى مشاهدة فيلمي سنوبيرسر وطفيلي ومشاهدة مسلسل سنوبيرسر بحلقاته الأربعة والعشرين (في انتظار الموسم الثالث)، لما سيجده من جمال وتأمل ومعرفة ندر أن يجنيها المرء من الأعمال الفنية الحديثة.

ربما تكون هذه الأعمال قاسية لبعض المشاهدين، على مستوى الصورة والمضمون، ولكن ما لا شك فيه أنها صادقة بقدر ما هي صادمة، مثل الحقيقة نفسها.