أطفال من الصعيد- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

الحب على طريقة الجنوبي: رسائل وساطور وسقوط من السماء

هل يعرف الصعيدي الحب؟ نعم يعرفه ويهابه ويحفظ قصصه ويلعن أبطاله ويمجدهم.

أول معرفتي بالحب كانت يد الله التي تجسدت في يد أمي وهي تُعدّل وضعيتي في اللحظة المناسبة، حين شعرت باختناق وشلل أصابني بعد أن انقلبت وأنا طفل حديث العهد بالمشي في عجّانة ممتلئة بالمياه، مركونة إلى جوار فرن من الطين ترقد على سطح منزلنا في قرية كوم العرب بمحافظة سوهاج، ربما كانت هذه أول يد أصابتني بعدوى الحب أتذكرها.

المرة الثانية كان الحب صرخة تحذير أطلقتها جدتي الجالسة على دكة خلف بوابة خشبية كبيرة تحرس مدخل بيتنا، حين لمحت عقربة سوداء تزحف على الأرض باتجاه قدميَّ العاريتين، في ليل صيفي يحررنا نحن الأطفال من قيود الملابس والأحذية. البرودة المدفونة في تراب الأدوار الأرضية في قريتنا التي تتسرب ليلًا في الصيف، أفيون الأقدام العارية، والعقارب والثعابين شرطة هذه العلاقة.

في الثالثة كان الحب كوب الكاكاو ماركة كورونا التي تضعها جدتي في يد جدي الجالس على سريره بالدور الأول العلوي، في غرفته المطلة على الأرض الزراعية خلف بيتنا، التي فضلها على باقي غرف الدار القريبة من الشارع والمسجد وثرثرة العمار والناس.

كان الحب حزنًا أكل فتات ما بقي من جسد مريض وروح مكسورة في ثلاثة أشهر فاصلة بين وفاة جدي وجدتي.

يحب جدي اللحم ويأكله كل يومٍ تقريبًا، على غير عادة السواد من أهل بلدنا الذين يزورهم الزفر مرتين في الأسبوع، يومي الاثنين والخميس أو مرة واحدة يوم الخميس، مثل حال أبي مدرس الكيمياء الذي لا يعطي دروسًا خصوصية لطلابه. حين ينهي جدي تناول وجبة الغداء أو العشاء يجد كوب الكاكاو في يده حملتها إليه جدتي مريضة الكبد والسرطان.

كان الحب أن ينادي جدي زوجته بـ"أم علي" ابنها البكر، وألا يعنفها أو يسيء الأدب في حضورها، وكان الحب أن تعد جدتي الطعام المفضل لزوجها وتضعه بين يديه في الوقت المناسب وأن يجد كوب الكاكاو في يده حين ينهي تناول وجبته. كان الحب دموعًا في عينيها ورعبًا يكسو وجهها الذي انطفأ في زاوية من زوايا الدور الأرضي، حين أحاطها النسوة في ملابسهن السوداء اللائي يلبسنها كلما مات أحدهم وقصدن أهل بيته للمواساة. كان الحب حزنًا أكل فتات ما بقي من جسد مريض وروح مكسورة في ثلاثة أشهر فاصلة بين وفاة جدي وجدتي.

كان الحب ثريًا يشرب من كوب الماء نفسه الذي وضعه للتو عبيط القرية وبركتها، الذي صدمه القطار مرتين فنجا من الأولى بكسور مضاعفة، ومات في الثانية، وبين المرتين أفلت كثيرًا من الموت فصار بركة يفتح لها الأثرياء أبواب مناضرهم (جمع منضرة - مكان مخصص لاستقبال الضيوف - يمكن أن تكون تحريفًا لكلمة المكان الذي يُنتظر فيه)، ويشركونه في ولائمهم ويعتبرون ضربه لهم تعنيفًا من قوى أعلى تسكن السماء يليق بالمؤمن المخلص تقبله بصدرٍ رحب.

وكان الحب جوابات يدسها الحبيب في يد حبيبه في غفلة من عيون الناس، يحكي فيها عن نار الشوق ويرسل له قبلات، أو يضعها في حقيبة مدرسية وقت الفسحة، أو بين صفحات كتاب استعاره لذلك الغرض.

كان الحب محمدًا أصغر أبناء الرفاعي الثلاثة الباحثين عن الرزق في بطن الأرض ليلًا، أولئك الذين يسكنون في غرفة واحدة تقريبًا مع زوجاتهم وأبنائهم. ينسج محمد القصص عن شجاعته في صد المتحرشين الذين هاجموا حبيبته أمل الجميلة، حلم جميع شباب قريتنا في فترة الدراسة بالمرحلة الثانوية بين عامي 2004 و2006. كان الحب كُريك تقليب الرمل والإسمنت الذي رفعه محمد في وجه أربعة معتدين فروا رعبًا من جسارته.

لكن الحب لم يكن كافيًا ليمنع يد الأخ التي دفعت شقيقته من أعلى سطح المنزل إلى بئر السلم لتهوي ويرتطم جسدها بالأرض بعد أن انفجرت جمجمتها التي اصطدمت بسور درجات السلم الصاعد أربعة أدوار. بعدها تحول الحب لشبح في هيئة رجال يربتون على كتف الأخ ويباركون فعله الذي "طهّر" شرف أسرته.

كان الحب إلهًا يرقد تحت قمة خضراء يقصده أصحاب الحاجات فيحكون له عن أوجاعهم ويشعلون الشموع ويوزعون الطعام على جيران المقام وزواره أملًا في الاستجابة.

واكتفى الحب بالفرجة على أحد كبار القوم يحاوطه رجال عائلته في الفجر في أرض بور وسط العمار تسمى النخيل أو النخل، يقف في مواجهة شقيقته "الخاطية" ذات البطن المنتفخ بروح وضع بذرتها غريب، تمسك يده اليمنى المرتعشة بساطور، يجاهد ليرفعه في الهواء يشق به جبهة لحمه الواقفة أمامه في استسلام. خار الرجل كثور مذبوح، فالتقطت يد أخرى الساطور وفلقت به الرأس اللينة فخرجت صرخة واحدة فقط، وحمل الرجال الجثة وساروا بها غربًا حيث فتحوا عين الجبّانة ووضعوا الجسد داخلها وسدّوا عليه بالطين وانصرفوا.

كان الحب جنونًا وحضورًا غريبًا يتخلل جسد جاد، القارئ في كتب الجن بحثًا عن عشيقة من تحت الأرض. مغامرة متهورة انتهت بضياع جزء من عقله في العالم الآخر المخفي عن عيون البشر. رحلة لم يعد منها إلا بجسدٍ يرفض الاختفاء تحت ستر الملابس، فيكشف عورته ويطلق ساقيه للرياح ويقضي الليالي في المساحات المنسية الغامضة الملفوفة بأعواد الغاب والحلف المنتشرة على جانبي الترع والمصارف في الأرض التي تهابها أقدام البشر.

كان الحب عفريتًا يتحدث من داخل نخلة أو يتجسد في شكل قطة أو يظهر بنصف ملامح في الموقع الذي سال فيه دم أحدهم، كأنه ذكرى ورسالة تركها الراحل كدليل على أنه مر من هذه الدنيا في يومٍ ما، وتعلق بالناس هنا وترك لهم جزءًا من روحه مثل طرف الخيط الذي يكر باقي الحكاية.

ويصير الحب سرابًا وغواية تترك من أجلها البنت أهلها وتهرب إلى الإسكندرية لتعيش مع حبيبها الذي ينقلب عليها لاحقًا، فتتحول إلى بائعة هوى، هاربة من أشقاء يلاحقونها بعد أن كسرت "رجولتهم" أمام أقرانهم، وخيبة تكاد تصيبها بالجنون كلما تذكرت تفاصيل حكايات الحب الموعود في لحظة وعي تتخلل نوبات سكرها الطويلة.

وكان الحب إلهًا يرقد تحت قمة خضراء يقصده أصحاب الحاجات فيحكون له عن أوجاعهم ويشعلون الشموع ويوزعون الطعام على جيران المقام وزواره أملًا في الاستجابة، وفي الليل يطوف الإله المحلي بحصانه الأبيض في شوارع قريتنا يحرس بيوتها ويصيب بالشلل اللصوص وحين يطمئن أن البيوت آمنة يصعد بحصانه في السماء ويختفي.