تصميم: يوسف أيمن- المنصة

الواقع منعكسًا في مرآة دراما رمضان: كومباوند وأكاذيب ومقاطع فيديو

"الفن مرآة الواقع" عبارة خادعة، كثيرًا ما يساء فهمها، إذ يعتقد البعض أن دور الفن هو تقديم "الواقع" كما هو، وأن هناك "واقعًا" واحدًا حقيقيًا هو الذي ينبغي التعبير عنه، وأن أي صورة أخرى لهذا "الواقع" غير صحيحة وينبغي محاربتها ومنعها.

ليس ثمة "واقع" إلا في رأس الفنان، يتلون بكل ما يعتمل في رأسه من مشاعر وآراء، وربما ليس هناك "واقع" في الواقع، ولو عقدت جلسة نقاش حول ماهية الواقع بين خمسة أشخاص من خلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة، فستجد غالبًا خمسة رؤى تتناقض فيما بينها.

مع ذلك، فمهما شرد الفنان بخياله بعيدًا عن الواقع، ومهما حاول أن يتجنب الحديث عنه، إلا أنه يمكن قراءة الواقع من خلال الأعمال الفنية، وبشكل أفضل غالبًا من الأعمال "الواقعية" المباشرة، أو كما يقول علماء النفس فإن الأحلام تبوح بحقائق وأسرار عن المرء أكثر مما يمكن أن يبوح لسانه وعقله الواعي بكثير.

هي صورة مفلترة، مصقولة، مغسولة، يغلب عليها الطابع التجميلي، لا الجمالي.

من خلال متابعة بعض الأعمال الدرامية التليفزيونية التي يعج بها شهر رمضان، يمكن رسم صورة للمجتمع المصري الآن، قد تعكس "الواقع" أو لا تعكسه، ليس مهمًا، ولكنها تعكس "صورة الواقع" كما يراها صناع هذه الأعمال.

لنتأمل معًا بعض معالم وصفات هذه الصورة:

هي صورة مفلترة، مصقولة، مغسولة، يغلب عليها الطابع التجميلي، لا الجمالي، معظمها داخل "ديكورات" جميلة، منمقة، حتى التي صممت لتعبر عن الفقر والقبح داخل الحارات الشعبية والعشوائيات.

غالبا ما تلجأ شركات الإنتاج وصناع الأعمال إلى تأجير أو بناء ديكورات بيوت فاخرة واسعة، تشبه صور كتالوجات ومجلات الديكور أكثر مما تشبه الواقع، لن تجد فيها مهملات أو تراب أو لعبة طفل على الأرض، أو مكان مسمار مخلوع على الحائط، أو آثار جلوس على الأريكة أو نوم على السرير، أو زرع ذابل، أو أطباق في حوض المطبخ أو آثار طعام على الموائد، كما لو أنها مصورة داخل معرض لا بيت حقيقي.

مزيد من الفلاتر

ولا تختلف الأماكن الشعبية كثيرًا عن بيوت الأثرياء، فمهما كانت درجة فقر الشخصية، فالبيت واسع، حوائطه مزينة باللوحات، والأباجورات في كل الأركان تبث ضوئها الهادئ الجميل، وألوانها متسقة متناغمة، وأثاثها جديد برَّاق. لعل أبرز مثل على ذلك نجده في مسلسل دم غزال، حيث تضطر المرأة الثرية غزال (غادة عبد الرازق) إلى النزول لقاع المجتمع للعمل بائعة "كوارع ولحمة رأس" أو ما يطلق عليه "سَقط" في سوق شعبي، وتسكن غرفة صغيرة ملحقة بالسوق، لكن هذه الغرفة عبارة عن شقة كبيرة فاخرة، تشبه بتصميمها وديكوراتها وألوانها بيوت أثرياء الطبقة الوسطى في الستينيات والسبعينيات.

السوق في لحم غزال افتراضي، يشبه تصميمات فضاء Space ألعاب الفيديو أكثر مما يشبه أي سوق شعبي في مصر أو غيرها، مثله مثل الحارة في مسلسل ملوك الجدعنة، التي لا تشبه أي حارة يعرفها المرء. صحيح أن لحم غزال وملوك الجدعنة تم تصويرهما في أستوديوهات خارج مصر، لكن الأمر لا يختلف كثيرًا في معظم المسلسلات المصورة داخل مصر، مع استثناءات قليلة.

من الملفِت أيضا أن الأماكن الخارجية "الطبيعية" التي تصوَر فيها بعض هذه المسلسلات تدور داخل المجمعات السكنية الحديثة، المعروفة باسم "الكومباوند"، وفي بعض هذه الأعمال، مثل ضد الكسر وحرب أهلية، فإن "الكومباوندات" شريك إنتاجي وراعٍ لهذه الأعمال، دائمًا ما يتم الدعاية لها داخل العمل، بإبراز اسمها ومعالمها ورفاهية الحياة فيها.


تتر بداية مسلسل ضد الكسر


هذه الكومباوندات، التي تسكنها طبقة مخلَّطة من الأثرياء الجدد، من رجال أعمال وتجار وسماسرة ومهربين وأصحاب مناصب عليا، طبقة يجمع بينها شيء واحد هو الرغبة في الهروب من "مصر القديمة" لبدء حياة جديدة لا يعلم أحد فيها شيئًا عن حياة الآخرين القديمة، في عالم نظيف لامع مصقول، مغلَق على ذاته، لكنه يعج بالتوتر والقلق مثل قنبلة موقوتة.

ورغم المحاولات المستميتة من أبطال هذه المسلسلات للابتعاد ونسيان ماضيهم، فإن الكومباوند في معظم هذه المسلسلات محاط دومًا بأخطار العشوائيات والأحياء الشعبية الفقيرة، مجسدة في فقراء يتسللون إليها، من عمال أمن وخدم، لصوص أو طامحين في الزواج والحب من بنات وشباب الكومباوند، أو من أهالي ومعارف وأصدقاء سكان الكومباوند، الذين يشكلون تهديدًا لسبب أو آخر.

في ضد الكسر تلعب نيللي كريم شخصية سلمى وهي يوتيوبر أو "مؤثرة" Influencer حسب آخر المصطلحات المستخدمة لوصف من يمتهنون الظهور على الإنترنت، عملها هو بث فيديوهات عن فن الطبخ وحياتها الشخصية، ولديها متابعون بالملايين، مما جعلها تنتقل من روض الفرج الفقيرة للسكن في الكومباوند، حيث تحولت بين ليلة وضحاها إلى مليونيرة وتزوجت من سمسار عقارات ناجح.

مثل نيللي كريم، يلعب يوسف الشريف شخصية طبيب تحول إلى يوتيوبر يبث عبر مقاطع الفيديو أحدث نظريات المؤامرة العالمية حول كوفيد 19 وكوفيد القادم في 2025.

نعود إلى ضد الكسر: رغم انتقالها إلى الكومباوند المغلق على سكانه، فإن سلمى وأسرتها غير سعداء والأخطار تحدق بها من كل اتجاه. الأصدقاء يغارون منها ويسعون لتخريب حياتها، وهناك محام فقير كان على علاقة بها يقوم بابتزازها، ونجح في إقامة علاقة جنسية مع أختها، أسفرت عن طفل غير شرعي، أما أختها الأصغر فوقعت في حبائل شاب فقير يعمل داخل الكومباوند في صيانة "الدِش". وفي الوقت نفسه يقع زوجها (محمد فراج) في حبائل شقيقة صديق له (سينثيا خليفة)، شبكة من العلاقات المعقدة يسودها التآمر والحسد والوجوه المزيفة.


مشهد من مسلسل ضد الكسر


في حرب أهلية تقع مريم (يسرا)، الطبيبة الناجحة التي تملك مستشفى استثماريًا كبيرًا، في براثن طبيب نفسي محتال يدعى يوسف (باسل خياط) يستولي على ثروتها، أما زوجها السابق فيقع في براثن شابة محتالة (سينثيا خليفة أيضًا) تتزوجه من أجل أمواله وتخونه مع المحتال الذي ينصب على يسرا التي تتبنى فتاة فقيرة، لكن أخو الفتاة المجرم يطمع دائمًا في استغلال وضع أخته للحصول على مالها ومقتنياتها، بل يقوم بسرقة مفتاح "فيلا" يسرا ويتسلل لسرقتها، ويفشل، لكن بعد مرور حلقات كثيرة أخرى يرسل من يحاول سرقة خزانة مريم، بتحريض من يوسف، فيتسبب في مقتل أخته نور ليلة خطبتها.

لا يختلف اللي مالوش كبير كثيرًا: حياة الكومباوند مليئة بالمؤامرات وكبار وصغار المجرمين والبلطجية والخيانات الزوجية والاستغلال الجنسي، والشخصيات المعلقة في الهواء بين العالم الفقير الذي أتت منه والعالم الثري المخيف الذي تنتقل إليه. وإذا كانت سلمى في ضد الكسر سعت جاهدة لتغيير حياتها والانتقال إلى الكومباوند، فإن غزل (ياسمين عبد العزيز) أجبرتها أسرتها الجشعة على الانتقال من الحي الفقير إلى الكومباوند للزواج من رجل لا تحبه، كريه، ومجرم.

في عالم الكومباوند يبدو كل شيء على عكس حقيقته، الكل يتصارع من أجل المال، والجنس ما هو إلا أداة للوصول إلى أغراض أخرى. وعلى سبيل المثال فمن أعجب العلاقات في تاريخ الدراما العالمية ذلك الزواج الذي يتم بين المحتال يوسف وفريدة (أروى جودة) في بداية مسلسل حرب أهلية، ثم يتبين بعد حلقات كثيرة أن فريدة هي صديقة مريم وأنها تزوجت بيوسف للإيقاع به حتى تعيد لصديقتها مريم المستشفى الذي استولى عليه يوسف.

فريدة التي تتزوج رجلًا لا تحبه، بل تحتقره، وتقبل أن تعاشره، لمجرد مساعدة صديقتها على الانتقام، تتحول إلى قطة وديعة خائفة أمام هذا الزوج لمجرد أنه يبتزها بفيديو تستحم فيه عارية يهدد بإرساله إلى أبيها.


مشهد من مسلسل حرب أهلية


هذا مجرد مثال على العبث الذي تعج به المسلسلات، ولكنه ليس عبثًا مطلقًا حين نلاحظ مدى انتشار موضوع التهديد والابتزاز بمقاطع الفيديو الجنسية والعارية في هذه الأعمال. في حرب أهلية يسعى المحتال لاستخدام الحيلة نفسها للايقاع بابنة مريم عن طريق تأجير شاب يقوم بإيهامها بالحب ليصورها في مقاطع جنسية.

وفي مسلسل لحم غزال هناك زوج "حقير" آخر يبتز زوجته ببث مقاطع فيديو لها أثناء الاستحمام. وفي ضد الكسر، كما ذكرت، تقوم القصص كلها على موضوع الابتزاز الجنسي، فصديق البطل الحاقد يرسل أخته للإيقاع بالبطل، ويستأجر شابًا فقيرًا للإيقاع بأخت البطلة. وفي ملوك الجدعنة يقوم جزء كبير من الحبكة على عثور شابين شعبيين (مصطفى شعبان وعمرو سعد) على مقاطع فيديو مخلة لابن المجرم المليونير (عمرو عبد الجليل).

وتقوم حبكة مسلسل الطاووس على قيام عدد من شباب الكومباوندات المنحرفين باغتصاب فتاة فقيرة وتصويرها أثناء ذلك، والحبكة نفسها تتكرر في ضل راجل. وفي مسلسل كوفيد 25 تلعب مقاطع الفيديو ومواد كاميرات المراقبة كل الأدوار الممكنة: بطل العمل يوتيوبر، يتلقى "فلاشة" عليها بعض أسرار الفيروس العجيب، وفي المستشفى يعرف أسرارًا أخرى عن طريق كاميرات المراقبة، ولا يخلو العمل أيضًا من نزيل بالمستشفى يعاني من فضيحة تسرب مقاطع جنسية فاضحة له مع فتاة من عمر ابنته.

لا يكاد مسلسل، يدور في الزمن الحاضر، يخلو من مقطع فيديو إباحي أو إجرامي يخشى صاحبه أن يُبث على الإنترنت أو تسليمه للشرطة، لدرجة تشعر معها أن معظم العلاقات الجنسية الآن يتم تصويرها.

يلعب الهوس بالكاميرا، والخوف منها، دورًا هائلًا في هذه الأعمال، يعكس هوسًا وخوفًا مماثلًا يسود المجتمع المصري، في أحيائه الراقية بالكومباوندات، كما في أكثر أحياءه شعبية وفقرًا. الصورة فضيحة وسلاح، هكذا يمكن اختزال علاقة كثير من شخصيات المسلسلات بالكاميرا. في مجتمع عاش على "الستر" ومبدأ "إذا بليتم فاستتروا" لعقود وقرون، يأتي فيضان (وفوضى) الصور ليخلع عنه أردية الستر والتستر وازدواجية المظهر والجوهر، ويصبح كشف هذه الازدواجية وتعريتها أكبر خوف يعاني منها الأفراد والمجتمع ككل. وبقدر الخوف الذي تعاني منه الشخصيات من مقاطع الفيديو، بقدر ما تشعر بوجود متعة حسية مرضية في إذلال الآخرين والتحكم فيهم عن طريق مقاطع الفيديو هذه.

عندما انتشرت كاميرات الفيديو الصغيرة في ثمانينيات القرن الماضي قام واحد من رواد السينما الأمريكية المستقلة، وهو المخرج ستيفن سودربرج بكتابة وإخراج فيلمه الأول جنس وأكاذيب وشرائط فيديو الذي يدور حول شاب مهووس بتسجيل الاعترافات الجنسية للنساء، وكان الفيلم الذي حصل على جائزة مهرجان كان 1989 علامة فارقة في تاريخ السينما المستقلة وفاتحة لعشرات الأفلام التي تناقش موضوع انتشار الفيديو والتلصص عبر الكاميرات على حياة الآخرين، وتأثيرها على الحياة الشخصية والعامة للناس، وبغض النظر عن هذه التحليلات، تعكس كثرة الابتزاز بمقاطع الفيديو واستغلالها في مسلسلات رمضان مدى انتشار كاميرات الهاتف والمراقبة، وتأثيرها في المجتمع.


اقرأ أيضًا: الدراما الرمضانية: لمن الكعكة هذا العام؟

رئيس الشركة المتحدة تامر مرسي في رحلة عودته من رحلة علاج في لندن. الصورة: نشرة أخبار الميديا- فيسبوك

يتأكد ذلك عن طريق مشهد آخر تكرر في أكثر من مسلسل، في كل من ضد الكسر وحرب أهلية تحاول كل من نيللي كريم وأروى جودة اكتشاف خيانة الزوج، وكلتاهما تلجأ للحيلة نفسها: تجلس مع زوجها والعشيقة وتترك هاتفها مفتوحًا على المنضدة ثم تستأذن للذهاب إلى الحمام، وتسمع ما يدور بينهما عن طريق سماعات الأذن EarPods. من الطريف أن المشهد ليس وحده الذي يتكرر، ولكن العشيقة واحدة في الحالتين، وهي الممثلة الجميلة سينثيا خليفة، التي تمثل هذا العام نموذج المرأة الفتاكة Femme Fatale التي تستغل جسدها للوصول إلى المال والسلطة.

من الواضح أن حيلة التجسس السابقة منتشرة في المجتمع بشكل عام، مثل البث الحي على يوتيوب ومقاطع الفيديو، والتجسس على الآخرين، وغيرها من مظاهر التكنولوجيا الحديثة، التي تظهر في المسلسلات. ومثل الكومباوند يصبح الحلم بالشهرة عن طريق اليوتيوب وإنستجرام وتقليد "المؤثرين" حلم كثير من الشخصيات. في لحم غزال تسرق الفتاة الفقيرة لتشتري بعض الملابس، وتبرر فعلتها لأخيها غير الشقيق: "عايزة ألبس زي اللي على الإنترنت..ما بتشوفش بيلبسوا ازاي".

هذه العبارة التي نكاد نسمعها يوميًا على لسان المراهقين والأطفال تلخص صورة الواقع كما يظهر في كثير من الملسلسلات: فضاء افتراضي نظيف مثل لعبة فيديو، وشخصيات تنتقل من الفقر إلى الثراء ومن الثراء إلى الإفلاس بسرعة الصاروخ، بعضها ينجح في الوصول، وبعضها يموت قبل أن يصل، وفي كل الأحوال يظلون معلقين بين حلم الصعود والخوف من السقوط.