أسرى ناميبيبيون سقطوا بيد القوات الألمانية عام 1904. الصورة من ويكيميديا برخصة المشاع الإبداعي

ألمانيا: الاختناق في نفق العنصرية

اعتداء عنصري آخر شهدته مدينة إرفورت في ولاية تورينجن وسط ألمانيا، هذه المرة ضد لاجئ سوري يبلغ من العمر 17 عامًا كان يستقل المترو. لحسن الحظ وُثِّق الحادث صوتًا وصورة بكاميرا أحد الرُكَّاب، ما سرّّع بالتعرف على هوية المعتدي وإلقاء القبض عليه. لسوء الحظ، لم ينبت أي من الرُكاب ببنت شفة اعتراضًا على العُنصرية الفجَّة، كما لم يتدخل أحد لإيقاف اليميني المُتطرِّف عن السُباب والضرب المُبرح، والبصق.

في أغسطس/ آب من العام الماضي تعرضْتُ لحادث مشابه، من حيث البصاق والسُباب، لم يتطور الأمر إلى أذى جسدي لحسن حظي، ولم يتواجد أي تسجيل آخر للواقعة، عدا التسجيل الخاص بكاميرات المراقبة في الترام، وهو تسجيل بلا صوت. وللأسف لم يتقدم أي من الشهود، وقد كانوا كثيرين، بتقديم إفادتهم بعد تحريري لمحضر في أحد أقسام درسدن. وفي يناير/ كانون الثاني من هذا العام أُغلِق الملف وأوقِف التحقيق. لم يتم التعرُّف على المُعتدِي حتى الحين.

في ولاية تورينجن وحدها وقع 102 اعتداء عنصري يقف خلفه يمينيون خلال عام 2020 فقط. ومع تزايد عدد اللاجئين العرب في ألمانيا خلال سنوات الصراع الدامي في سوريا، إذ بلغ عدد اللاجئين السوريين في البلاد بنهاية العام الماضي 1.7 مليون لاجئ، تزايدت حوادث العنف العنصري التي تستهدفهم.

فيديو يوثق الاعتداء على لاجئ سوري في ألمانيا. يتضمن مشاهِد عُنف وألفاظًا بذيئة.


الجذور التاريخية للعنصرية

لا يمكن فصل هذه الحوادث عن سياق تاريخي جعل من ألمانيا بلدًا ذا إرث استعماري فاجع، مثيل نظرائها من الدول الاستعمارية الأوروبية كبريطانيا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال، ولكن دون أن يُسلّط الضوء عليه بالشكل الكافي في مجتمعنا، بسبب الفارق الجغرافي، واللغوي، وهيمنة الأحداث التاريخية وشناعتها في حقبة الرايخ الثالث، منذ بدايات جمهورية ڤايمار وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، على باقي الحقب التاريخية السابقة واللاحقة.

الإمبراطورية الألمانية التي تعرف أيضًا باسم الرايخ الثاني، هي أول محاولة ناجحة لتوحيد أنقاض الإمبراطورية الرومانية المقدسة من ممالك ودوقيّات ناطقة بالألمانية تحت مظلة فيدرالية ملكية، وتُعتبر بداية التأريخ للأمة الألمانية بمفهومها المعاصر، وتزامنت نشأتها مع بداية حقبة التوسعات الاستعمارية في كل من أفريقيا وآسيا والأمريكتين. وبعكس ما تداولته بعض المصادر الإخبارية مؤخرًا، عقب اعتراف الإدارة الأمريكية بجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها الدولة العثمانية بحق الأرْمن، وبلغت ذروتها في الفترة بين 1915 و1917 من الحرب العالمية الأولى، فإن هذه لم تكن أول إبادة جماعية تقع في القرن العشرين.

بين 1904 و1907 ارتكبت القوات الألمانية بقيادة آدريان لوثر من تروثا حملات تطهير عرقي ضد الأوڤاهِريرُو والنَّاماكوا في معركة ووتربرج وتبعاتها في مستعمرة جنوب غرب إفريقيا الألمانية (ناميبيا حاليًا). تعد هذه الحملة أيضًا سابقة لأولى معسكرات الاعتقال بالمفهوم الذي عرف لاحقًا في الحقبة النازية، بما يتضمنه من قتل جماعي وتجويع مُمنهج وعمالة بالسخرة، ثلاثون سنةً كاملة قبل بناء أول معسكر اعتقال نازي في داخَاوْ في باڤاريا جنوبي ألمانيا. جرائم مُستعمَرة جنوب غرب إفريقيا الألمانية تم توثيقها تفصيلا في الكتاب الأزرق عام 1918، ومن بعده في تقرير ويتِكِر الصادِر عن الأمم المتحدة عام 1985.

ألمانيا لم تكن بأي حال من الأحوال تغرّد خارج سرب بقية القوى الاستعمارية، هي فقط وصلت متأخرةً بعض الشيء. مؤتمر برلين الذي نظمه المستشار الألماني أوتُّو ليوپولْد من بِزمارْك كأول رئيس وزراء للإمبراطورية الناشِئة عام 1884 وبنود اتفاقه الختامية قسَّمت أفريقيا كاملة على الأطراف المشاركة، ونظمت إلى حد كبير التدافُع الأوروبي على القارة السمراء، عدا فشودة.

وإن كان ظاهر البنود إنهاء وحشية العبودية كما عُرِفت في الدولة العُثمانية، فالواقِع كان مغايرًا وأكثر تعقيدًا. تنظيمات فرماني عام 1847 منعت رسميًا تجارة العبيد في كل الولايات العثمانية. ورغم استمرارها لاحقًا من الباطِن، فإنها كانت آخِذة في التضاؤل من الأصل منذ منتصف القرن الخامس عشر، في الوقت الذي كانت خطوط تجارة العبيد تحت السيطرة الأوروبية تتوسع بصورة مُطّردة حتى القرن التاسع عشر لتلبية حاجة المُستعمرين البيض في الأمريكتين وجزر الكاريبي، حيث قُدِّر إجمالي العبيد الذين نقلوا على متن سفن أوروبية للمُستعمرات الأمريكية بحوالي 11 مليون نسمة.

رسم لسفينة La  Marie-Séraphique de Nantes الفرنسية، المخصصة لنقل العبيد، وتعتبر أدق تصوير حتى الآن لرحلات العبيد في السفن الأوروبية عبر الأطلنطي خلال القرن الثامن عشر، يُلاحظ أن الرجال كلهم عُراه، وكل إثنين منهم أرجلهم مصفدة معا. الصورة من ويكيميديا برخصة المشاع الإبداعي. Musée d’histoire de Nantes | Public Domain

ثروات جُنيت على حساب السكان الأصليين، بعضهم متعلمين مسلمين. ومع اختفاء مصطلح "العبد" في القرن التاسع عشر بعد إلغاء العبودية في أوروبا، فإن العمالة القسرية كعبودية فعلية لا ينقصها سوى اسمها، استمرت حتى القرن العشرين في المستعمرات الأوروبية وولايات الكونفدرالية الأمريكية بعد هزيمتها في الحرب الأهلية وسحب قوات الجيش الفيدرالي من الجنوب. وكما الحال في المملكة المتحدة، وريثة الإمبراطورية البريطانية، هناك تباطؤ وتخاذُل من السياسيين الألمانيين في الجمهورية الاتحادية للاعتراف بأخطاء الحكومات السابقة ومحاولة إصلاحها بجدية.

بعد قرن من الزمان على مجزرة ووتربِرج، اكتفت وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية هيدماري ڤيتسورك-تسويل عام 2004 بالاعتذار نيابةً عن الحكومة الألمانية، مع رفض تام لدفع تعويضات عن الأضرار التي سببتها ألمانيا خلال فترة الاستعمار، لكنها وعدت بمساعدات اقتصادية للحكومة الناميبية، لتقوم بعدها حكومة أنجيلا ميركل في أقل من عقدين بتمييع الاعتذار تدريجيًا والتزام الصمت، وعودتها للتفاوض على اعتذار جديد وكأن السابق لم يكن، عندما تحولت قضية التعويضات إلى أولوية جديّة من أولويات الحكومة الناميبية الحالية. وبقي الحال كما هو عليه حتى الآن.

تكفير انتقائي عن جرائم تاريخية

في دولة دومًا ما نراها تكفِّر عن فداحة أخطاء ماضيها النازي، فإن وقع بعض هذه الأخطاء الجلية بدأ يتلاشى، وبعض المؤشرات فيها لا تبشر بخير. حزب البديل من أجل ألمانيا اليمين المتطرف حصل على أعلى نسبة تصويت (24%) بين الناخبين الشباب دون سن الثلاثين في انتخابات ولاية تُورينْجِن الأخيرة. ولسنوات، عطلت مظاهرات پيجيدا الحياة اليومية في درسدن كل اثنين من أسبوع وآخر، لتتصاعد حدَّتها مع الذكرى السنوية لقصف طيران الحلفاء للمدينة خلال الحرب العالمية الثانية في 13 فبراير/ شباط 1945.

لم يزح هذا البلاء، ولو لحين، عن قاطني المدينة إلا الجائحة، ليوجه اليمينيون في مظاهرات الكڤردنكر في مختلف المدن الألمانية، اعتراضًا على على الإجراءات الاحترازية التي تتخذها الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات المختلفة لخفض معدلات الإصابة اليومية بفيروس كورونا، لتتجلى بعدها سخرية القدر في إصابة أبرز رموزها خلال إحدى هذه التظاهرات في لايبزج بالفيروس، ونقله إلى المستشفى لتلقي العلاج الطبي اللازم، ناهيك عن بيورن هُكِّه، الفاشيّ بحكم قضائي نهائي؛ وهو النسخة الألمانية من ماريان لوپان في فرنسا، أو نايجل فاراج في بريطانيا، أو ترامب على الشاطئ الآخر من الأطلنطي. يفضل الألمان فقط عدم تصدير ترهاته للعالم الخارجي الذي لا يتحدث الألمانية.

وفي سياق لُغوي، ففي ألمانيا انتشر أولًا مصطلح كاناكِهْ، لازدراء القادمين من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مستهدفًا في بادئ الأمر المهاجرين الأتراك، الذين ساهموا في تحقيق معجزتها الصناعية، وأحفادهم من بعدهم، وهم مواطنين ألمانًا الآن، ثم تنوعت استخداماته لتشمل العرب والسوريين بعد أزمة اللاجئين في عام 2015. وبعد ثلاثين عامًا من إعادة توحيد ألمانيا، لا تزال الصور النمطية ليامِرُسي (المُتذمر الشرقي) وبِسَرڤِسي (المُتعالي الغربي) حاضِرة، إن لم تكن أكثر انتشارًا مما قد يرغب الألمان في الاعتراف به.

وبعد احتجاجات بالجُملة، وسِجالات مُجهدة لم يُفض أي منها إلى تغيير ملموس، بقيت يافطة شارع مُور/ Mohrenstraße (تسمية غير لائقة لذوي الأصول الإفريقية) في برلين ومحطة المترو المُجاوِرة له تحملان الاسم نفسه، لكن المواطنين تبرعوا بإضافة نقطتين للاسم، ليتحول مؤقتا إلى شارع جَزَر/Möhrenstraße (جمع جَزَرَة) إلى أن يرضخ مسؤولو الحي لتغييره. الأمر لا يقتصر فقط على أسماء عنصرية لشوارع ومبان، أو تماثيل لمستعمرين، لم يلاقوا حتفهم الذي يستحقونه بعد، وعبيد مغلولين جاثمين أدناهم يطالعونك في الأماكن العامة، دون لافتة شارحة المُشكل. البشر هم المشكلة، لا الحجر.

أثر العنصرية الباقي

تشير المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل إلى أنه "حتى يومنا هذا، لا يوجد كنيسٌ واحد، ولا حضانة واحدة للأطفال اليهود، ولا مدرسة واحدة للأطفال اليهود في غير الحاجة إلى حراسة من قِبل الشرطة الألمانية"، وذلك في حوار تلفزيوني مع كريستيان أمانپور في مايو/ أيار 2019، عندما سُئلت عن النمو المُقلِق لمعاداة السامية خلال فترة توليها الحكم، والمكاسب التي حققها حزب البديل من أجل ألمانيا في انتخابات الولايات الأخيرة. فبالرغم من كل الجهود المبذولة، لا تزال معاداة السامية في ألمانيا مستمرة. والاعتداء على كنيس يهودي في 2019 بهالِّهْ، في يوم كيپور، الذي راح ضحيته شخصين، هو خير دليل على فشل هذه الجهود.


روايات التمييز ضد الأطفال اليهود في المدارس، وفي الحياة اليومية، التي من الممكن أن تنتهي أحيانًا بالعنف، ليست أمرًا نادرًا. الواقع أنه لم يمر عام واحد منذ نشأة الاتحاد دون وقوع حادث عنصري موديًا بأرواح أبرياء. هذه هي الحقيقة المؤسفة التي يواجهها كثير من اليهود والمسلمين والمهاجرين واللاجئين وغيرهم من الأقليات في ألمانيا بشكل يومي.

الحاجة أم الاختراع، والعجلة اختُرعت بالفعل، هي بحاجة فقط إلى تعديل لتواكب العصر. فسياسة التغلُّب على الماضي التي تبناها المجتمع الألماني بعد الحرب العالمية الثانية كانت الحل المنطقي الوحيد لأي شخص أو أمة خسرت الحرب، للمضي قدمًا، والتعايش مع الجرائم التي ارتكبها النظام النازي، ليس فقط بحق ملايين من اليهود في محارق الهولوكوست، ولكن بحق كل الأقليات الأخرى، من الروما والسنتي، والسود، وذوي الاحتياجات الخاصة، ومجتمع الميم وغيرهم. والمفهوم لم يولد من فراغ، لقد تطلب الأمر تدخل الأربعة الكبار من الحلفاء بشكل مباشر في تشكيل النظام الجديد للحكم.

الألمان لم يتخلوا عن إيمانهم الراسخ بالنازية بشكل جماعي فجأة بعد الهزيمة، في حينٍ أعطى الحلفاء فيه أوضح الإشارات، بأن الماضي لا يمكن أن يتكرر أو أن يستمر دون محاسبة من خلال محاكم نورمبرج، التي وضعت النظام النازي وتبعات سياساته تحت المجهر على الملأ. وإن لم تكن رادع للمجتمع الألماني، فقد أجبرته على التوقف للمراجعة، والمساءلة، وفتحت الباب للاعتراف بالأخطاء، وتصحيحها. ولم يلبث أن بدأ التغيير الفعلي.

لتفادي تكرار أخطاء ما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى أعدت الولايات المتحدة برنامج التعافي الأوروبي، خطة مارشال، وساعدت بشكل مكثف إلى جانب كل من بريطانيا وفرنسا في تهيئة نظام ديمقراطي مضاد للنازية في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم. ثم تلا ذلك سياسات الإصلاح النقدي، وإنشاء منظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي، نواة ما تطور ليصبح الآن الاتحاد الأوروبي، وكتابة دستور ألمانيا الغربية عام 1949، وعملية إعادة الاندماج. واتخذ الاتحاد السوفييتي أيضًا خطوات في المناطق الواقعة تحت سيطرته بكتابة دستور ألمانيا الشرقية في نفس العام. ولكن سرعان ما اتسعت الفجوة الأيديولوجية بينهما، وتطورت إلى حرب باردة بين المعسكرين، الشرقي والغربي.

لم تكن عملية التحول بأي حال من الأحوال مثالية؛ من احتجاجات الطلبة في الغرب عام 1968، إلى القمع الأمني للنشطاء السياسيين وملفات أمن الدولة عن مواطنيها في الشرق. 45 عامًا ظلت فيها ألمانيا مُقسَّمة إلى جارتين أقرب إلى نقيضين. تلوح فيها دومًا القوى الأربع بحقوقها الخاصة، عصًا، أو بالأحرى مطرقة، جاهزة للسقوط إذا ما انحرفتا عن المسار. وفقط بعد سقوط سور برلين وتحقيق الوحدة عام 1990، سُلِّمت تلك الحقوق إلى ألمانيا ذات سيادة فعلية كاملة.

ما استمر بعدها هو التخوُّف من ممارسة هذه السيادة. دولة ديمُقراطية، صحافتها حُرة، ومجتمعها قادر على إبراز أوجه القصور فيه، لكن اعتاد سياسيوها غض الطرف عن هذه الأوجه، مادامت الحاجة لمعالجتها غير مُلحَّة، خوفًا من مسؤولية اتخاذ القرارات الصعبة وتحمل نتائجها. يُدين المسؤولون في الغرب انتهاكات الصين لحقوق الإنسان في شينجيانج ضد الأيجور، والحكومة الألمانية لا صوت لها يُسمع لمؤازرة حلفائها، فقط هدير المحركات التي تصدرها لأكبر أسواقها في آسيا.