تصميم: يوسف أيمن- المنصة

الأفرول الأزرق لم يفارقني: تدوينة عن "الحديد والصلب"

طبقت اللحاف ووضعته على الوسادة ولففتهما معًا بالحصيرة التي ربطتها بحبل، ورفعت عزالي على كتفي إلى محطة قطار الفيوم. ركبت القطار المتجه إلى القاهرة ولم تكن العاصمة مقصدي، فنهاية رحلتي كانت محطة الحوامدية، حيث وفر لي زملائي بمدرسة الفيوم الثانوية الصناعية سكنًا معهم.

كان ذلك بعد قبول تعييني بشركة الحديد والصلب المصرية، وقبل استلامي العمل بها في 19 أبريل/ نيسان 1977، لتبدأ رحلة دامت لأكثر من ثلاثة عشر عامًا، انتهت في 25 نوفمبر/ تشرين الأول 1989 بعد صدور قرار نقلي إلى شركة ستيلكو عقب خروجي من السجن عقابًا على مشاركتي في قيادة إضراب الحديد والصلب في أغسطس/ آب 1989.

الحقيقة أن 19 أبريل1977 لم يكن البداية، كما لم يكن 25 نوفمبر 1989 نهاية علاقتي بشركة الحديد والصلب، فتلك العلاقة أو بمعنى أدق التعلُّق بدأ عندما قرأت في كتاب المطالعة المقرر علينا في إحدى سنوات المرحلة الابتدائية موضوعًا عن شركة الحديد والصلب، لا أتذكر منه كلمة، ولكن ما زالت الصورة التي تصدرت صفحة الكتاب عالقة بذهني؛ صورة طفل في إحدى شوارع "مدينة الصُلب"، بدت فيها المدينة منسقة وذات شوارع وأرصفة تجملها الأشجار، وبناياتها ذات شرفات فسيحة.

لم تغب عن ذهني حتى الآن صورة الطفل بقميصه الأبيض وشورت وحذاء أسودين. أبهرتني الصورة لأنها مثلت لي الحياة التي كنت أتطلع إليها، أنا تلميذ مدرسة الحواتم الابتدائية، حيث ولدت ونشأت في أحد أحياء الفيوم الفقيرة.

صورة كتاب المطالعة

في عام 1973 حين تعرفت على الأفكار الاشتراكية على يد مجموعة من طلبة الجامعات، وكنت حينها في السنة الثالثة والنهائية للدراسة الثانوية الصناعية، جلسات المناقشات عن صراع الطبقات وفائض القيمة، والكتب التي قرأتها ثبتَّت في يقيني إيمانًا عميقًا بالعدالة الاجتماعية، وانحيازًا كبيرًا لحقوق العمال، وتعلقًا أكبر بصورة كتاب المطالعة.

داخل الحديد والصلب عالم آخر؛ الأفران بشموخها، بوادق الصب ممتلئة بالصلب المنصهر، عشرات العنابر، مئات الماكينات، خطوط للسكك الحديدية.

بلا تردد ودون نقاش أو تفكير في السفر إلى إحدى دول الخليج وهو ما كان مقصد كل الشباب في ذلك الحين، فالشباب المصري وقتها كان إما يستعد للسفر أو أنه بالفعل يعمل في إحدى دول الخليج؛ كان قراري بعد إنهاء خدمتي العسكرية هو العمل في شركة الحديد والصلب.

داخل الحديد والصلب عالم آخر؛ الأفران بشموخها، بوادق الصب ممتلئة بالصلب المنصهر، عشرات العنابر، مئات الماكينات، خطوط للسكك الحديدية، محطات للمياه والغاز والكهرباء، آلاف العمال، عمل يدور على مدار الساعة. في الحديد والصلب صوت العمل لا ينقطع.

طرقات وأتوبيسات الحديد والصلب مليئة بالنقاشات عن حقنا في الوجبة الغذائية، وحقنا في زيادة الحوافز وبدل طبيعة العمل، وكانت ذكريات إضراب 1971 حاضرة دائمًا.

في قسم "التشكيل على البارد" حيث كانت لفائف الصاج تأتي من عنبر الدرفلة على البارد، ليتم تشكيلها على شكل زوايا وكمرات بمقاسات مختلفة، ثم تشوَّن في صالة التشوين منتجًا جاهز للبيع. كان العمل يبدأ في الثامنة والنصف صباحًا باجتماع يحضره كل عمال خط الإنتاج والصيانة مع الخبير الروسي، الذي كان يستعرض ما تم في اليوم السابق والأخطاء التي ارتكبت، ويفسر أسبابها وكيفية تلافيها، ثم يستعرض خطة عمل اليوم والهدف المراد تحقيقه، وكان الأمر لا يستغرق أكثر من عشرين دقيقة بعدها يذهب كل عامل إلى مكان عمله، لتبدأ خطة الإنتاج حتى موعد انتهاء العمل فى الثالثة والنصف عصرًا، فنتوجه لغرفة خلع الملابس، وهي صالة كبيرة توجد بها المئات من دواليب الملابس وبها حمامات، هذا بالنسبة لنا كعمال، أما المهندسون فكانوا يتوجهون لمكاتب مخصصة لهم.

وعلى ذكر المهندسين، لم تكن هناك فروقات كبيرة بينهم وبين العمال في الحديد والصلب، ولا ينطبق وصف أصحاب الياقات البيضاء عليهم، فهم معنا على خط الإنتاج منذ بداية الوردية حتى نهايتها، يقع عليهم نفس الأعباء ويبذلون الجهد ذاته، يمكنك فقط أن تتعرف على المهندسين بين العمال من لون زي العمل، حيث كنا نرتدى أفرول أزرق بينما كان المهندسون يرتدون الرمادي.

رحل الخبير وانفض الاجتماع

هكذا كان يوم العمل فى الحديد والصلب. واستمر الأمر على هذا المنوال، حتى فوجئنا بقرار الرئيس السادات بالاستغناء عن الخبراء الروس في المصنع، فبين ليلة وضحاها اختفى الخبراء من المصنع ومن مدينة الصلب، وكان ذلك نهاية الاجتماع الصباحي.

وفي الثمانينيات، عندما أصاب الحديد والصلب ما أصاب المجتمع المصري، فتحجبت العاملات والمهندسات، وأطال بعض العمال لحاهم، وظهرت القباقيب في الورش والعنابر، وانتشرت المصليات في أرجاء المصنع، أيضًا لم تتأثر قواعد العمل كثيرًا، ولم تنطفئ شعلة الأفران.

بالنسبة لي بدأت حياة أخرى؛ إحساس بالفخر بالانتماء لقلعة الصناعات الثقيلة، سعدت باعتزاز رفاقي الاشتراكيين وزيادة اهتمامهم بي. انخرطت في العمل لحَّامًا بعنبر التشكيل على البارد بعض الوقت، بينما اشتغلت كل الوقت بالعمل العمالي ما بين نشر الفكر الاشتراكي بين صفوف العمال وحضور الندوات والمؤتمرات والاشتراك في فاعليات مناصرة الشعب الفلسطيني، ومعارك لا تنتهي للانتصار لحق العمال في إنشاء نقاباتهم المستقلة بحرية.

شغف الحياة

فى الحديد والصلب عشت الحياة بكل انعطافاتها. خضت صراعًا طويلًا في مواجهة الإدارات المتعاقبة على الشركة، تصادمت كثيرًا مع النقابة. صادقت المئات من مدن مختلفة؛ من الصف وإطفيح، الحوامدية والبدرشين والعياط، وشبرا ومصر القديمة ودار السلام وحلوان.

على مدى 13 عامًا كانت حياتي مليئة بالصداقات؛ قضينا أوقاتًا ممتعة نحن وأسرنا في رحلات ومصايف الشركة. امتلكنا القدرة على التحدى من أجل حقوقنا، أضربنا عن العمل، وعندما سُجنا كنا معًا أكثر من 300 عامل من الحديد والصلب، أودعوا في ستة زنازين في الدور الثالث بسجن أبوزعبل الجديد. في السجن تقاربنا من بعضنا البعض أكثر، وحمى كل منا الآخر.

عشت أيامي بشغف للحياة، لم تفتني مشاهدة أي من الأفلام الجديدة، سمعت الشيخ إمام واستمعت لشعر أمل دنقل ومحمود درويش وعبد الرحمن الأبنودي، وكنت حاضرًا لعروض فرقة الورشة المسرحية.

أحبيت أيامي؛ في الحديد والصلب أعيد تشكيلي. تحررت من خجلي وامتلكت قدرة على الإقناع. عرفت نفسي وتبلورت شخصيتي، وأصبح الحديد والصلب بالنسبة لي هو الهوية وألف لام التعريف.


اقرأ أيضًا: خطة إحياء غزل المحلة: وداعًا للكساء الشعبي وأهلًا بالتصدير


في مواجهة قرار استبعادي من الشركة تشبثت بهويتي وانتمائي للحديد والصلب، لم أنفصل ولم أبتعد يومًا، وظللت طرفًا أصيلًا وفاعلًا في كل معارك عمال الحديد والصلب.

لم يكن يمر أسبوع إلا وتلتقي مجموعاتنا. مجموعة يسار الحديد والصلب، فقط تغير مكان اللقاء، فبدلًا من المصنع أصبحنا نلتقي بمقر دار الخدمات النقابية بحلوان، واستمررنا نعمل فريقًا واحدًا، هم من داخل المصنع وأنا من خارجه، لم تنفصم الروابط بيني وبين عمال الحديد والصلب، فهم جيراني في مدينة 15 مايو وأبناؤهم وبناتهم أصدقاء لبناتي في المدرسة، ورغم ذلك كان دائمًا يراودني الحنين لعنابر الإنتاج وصوت الماكينات، وأشتاق لرؤية الأفران وهي تتلألأ بأنوارها ليلًا.

عشت أيام عمري لا أستطع تصديق أنني لن أعود يومًا للحديد والصلب، فحلم العودة لم يفارقني أبدًا، وظللت لسنوات طويلة أحتفظ بكارنيه العمل، والأفرول الأزرق وخوذتي وحذائي.

اليوم ومنذ قرار التصفية المشؤوم لا تفارقني صورة طفل كتاب المطالعة.