تصميم: يوسف أيمن- المنصة

فرط التعرق: مواجهة العالم بقفازات

تبدأ رحلتها في التسوق، فتدخل المحل الأول للبحث عن ملابس مناسبة، تتجه للملابس القاتمة "أسود وبني"، ليس حبًا في هذين اللونين، ولكن منعًا للإحراج كما وصفت، تذهب لغرفة القياس، فتلمح عينيها الملابس الزاهية بألوان فاتحة، تلقي عليها نظرة طويلة، وتتذكر أنها محرومة من تلك الألوان.

حسناء منير، مريضة بفرط التعرق، يمنعها ذلك من ارتداء الملابس الفاتحة التي تظهر بها بقع العرق، فيسبب لها الأمر إحراجًا، حتى حرَّمت على نفسها كل ما هو فاتح وحصرت اختياراتها في ألوان محدَّدة "الأزمة ظهرت لما كنت في ثانوي، إيديا طول الوقت بتعرق، صيف أو شتا، وكان بيوصل الأمر إن المدرسين في الدروس بيتريقوا عليا وأنا بسلِّم الكراسة أو ورق الامتحان وتكون مبلولة، منهم اللي كان بيقرف، واللي كان بيزعق لي أو اللي يتريق"، تقول للمنصة.

معاناة حسناء مع فرط التعرق، تظهر في الوجة وتحت الإبطين، لا ترتبط بفصول السنة، أو التوتر والقلق كما يحدث للبعض في تلك الحالات ويزداد إفراز العرق، لكنه أمر مستمر طوال العام "في الجامعة كان ليا صحاب مش بيسلموا عليا علشان إيديا بتعرق، وعلى طول كان بيجيلي تعليقات من صحابي إن هدومي باين فيها العرق، ومنهم اللي يتريق لما نكون في عز الشتا وفي بقع في هدومي، كل ده كان بيسيب مع الإحراج ألم، بقابل التريقة أو التعليق بابتسامة بس بموت من جوايا".

حسناء بدأت رحلتها مع العلاج في المرحلة الجامعية، ترددت على العديد من الأطباء، منهم من وصف لها أدوية موضعية لم تحسِّن الأمر كثيرًا، ومنهم من أوضح لها أن ما تعانيه أمرًا دائمًا سيلازمها طيلة حياتها وعليها تقبله، ولكنها كانت ترى رفض المحيطين بها "مش بس الصحاب اللي كانوا بيضايقوا مني، أختي مثلًا كانت مش بترضى تخليني ألبس حاجة من هدومها، وكانت تتخانق مع بابا لما آخد العربية وتقوله الدريكسيون مليان مياه، لحد ما بقيت بسوق بجوانتي علشان تقدر تركب العربية بعد مني".

فرط تعرق. صورة برخصة المشاع الإبداعي: kitakitts- فليكر

مع رحلة البحث عن العمل، زاد الأمر صعوبة "الشركات كلها بتطلب موظفات بمظهر كويس، وأنا حولت هدومي لأسود وبني علشان يداري البقع، لكن إيدي مكنش ليها حل، في كل مرة كنت بملا الأبليكيشن أفضل أنشف في إيدي بمناديل، واللي بيعمل الإنترفيو بياخد باله ويستغرب، أو يلاقي الورقة مبلولة، فيسألني هل أنا خايفة أو متوترة فأقوله لأ، بس مقدرش أشرح أكتر من كده، لحد ما لقيت وظيفة كول سنتر، فضلت فيها شهرين بس، مقدرتش أكمل من كمية النصايح أو الوصفات اللي كان اللي معايا في الشغل بيعرضوها عليَّ، وكأن عندي مرض معدي، فبقيت حديث الشغل، سبته وقررت أقعد في البيت".

ويعرف فرط التعرق طبيًا بأنه زيادة في العرق بشكل غير طبيعي، دون ارتباط بالنشاط أو الفصل الموسمي، ويبدأ العلاج بمضادات تعرق، وإن لم تكن مفيدة، ينصح الطبيب باللجوء لعمليات جراحية، تُزال فيها الغدد العرقية، أو تستخدم حقن البوتكس، التي تمنع غزارة العرق لمدة تصل لـ6 أشهر.

"زميلك بيشتكي"

يشارك حسناء معاناتها شريف أبو الفضل، الذي يعاني من فرط التعرق بالوجه واليدين، منعه من الالتحاق بكلية الشرطة، لأنه غير لائق، كما حصل على الوصف نفسه، في الجيش، لأنه لن يتمكن من حمل السلاح مع غزارة العرق بيديه، تلك المشكلة التي أجبرته على البحث عن أحلام أخرى في الحياة.

تخرج شريف في كلية التجارة ثم عمل محاسبًا بإحدى شركات الأدوية، ليصطدم بعبارة "زميلك اللي بيستلم الشغل بعدك بيشتكي إن الماوس بيكون مليان مياه"، ليبدأ بشرح معاناته لمديره، وأن ما يعاني منه مرضًا غير معدٍ، ليبدي المدير تفهمه، ويعقِّب بجملة "بس لازم نشوف حل"، وكان الحل هو ارتداء شريف ققازًا أثناء العمل "مقدرتش أستحمل ومعرفتش أشتعل بالجوانتي، سبت الشغل، ولأني بعرف أترجم اتجهت للعمل الحر من البيت في الترجمة، فلوسه مش كتير، وساعات مبيكونش في شغل ولا فلوس، بس ده أرحم من الجمل القاسية اللي هسمعها لما أنزل أشتغل".

قالوا لي إن الحل في عملية قطع العصب المسؤول عن التعرق، وهي مكلفة وكمان مخيفة، مقدرش آخد الخطوة دي.
- شريف أبو الفضل، مريض بفرط التعرق

لم تكن معاناة شريف عقب التخرج، ولكنها بدأت من قبل، يوضح للمنصة"كل سنوات الدراسة لازم في كل امتحان يفتكر مراقب إني بغش علشان بمسح إيدي كل شوية بمناديل علشان أقدر أكتب، ويجي يبص عليها"، وفي الحياة اصطدم بأزمة جديدة أيضًا "ولما بدأت أفكر في الجواز وأتقدم لعروسة كان الرد مفيش نصيب أصل وشه وإيده على طول بيعرقوا".

يبلغ شريف 34 عامًا من العمر، قرر الاكتفاء بعمله الحر من المنزل، وإلغاء فكرة الزواج، بعد رحلة طويلة مشابهة للرحلة التي خاضتها حسناء للبحث عن علاج "روحت لأكتر من 8 دكاترة على مدار سنين، وكل العلاجات الموضعية كانت بتقلل الأمر بنسبة 10% مثلًا لكن الأزمة موجودة، وقالوا لي إن الحل في عملية قطع العصب المسؤول عن التعرق، وهي مكلفة وكمان مخيفة، مقدرش آخد الخطوة دي".

رحلة البحث عن علاج جمعت حسناء وشريف، كما جمعهما جروب "مرض التعرق المفرط"، الذي يضم قرابة الخمسة آلاف متابع، أصبح ملاذًا لهم يبحثون فيه عن حلول، ويحكون أيضًا ما يتعرضون له من إحباطات يومية، ويسألون عن أحدث طرق العلاج، ومنها حقن البوتكس، التي قررت حسناء تجربتها في اليدين وتحت الإبط "حياتي اتغيرت بعدها، هي مكلفة جدًا، بـ1200 جنيه للمنطقة الواحدة، يعني الإيدين وتحت الإبط 4800، وفعاليتها بتتراوح ما بين 4 إلى 6 شهور، بس والدي صمم إني آخدها علشان أقدر أعيش"، لتساعدها تلك الحقن في تحقيق أحلام تراها بسيطة ولكنها كانت محرومة منها "مكنتش بقدر أربي ضوافري زي البنات أو أحط مانيكير لأنها طبعًا كانت بتتملي تراب، وكان نفسي ألبس بلوزة بيضا أو لون فاتح، كل ده كنت محرومة منه، وبحس إني مصابة بمرض معدي لازم أفضل قافلة على نفسي بسببه".

حلول مؤقتة

لم يستطع شريف اللجوء لهذا الحل المؤقت، لأن إمكانياته المادية من عمله الحر لن تساعده، وهو الحال نفسه لمحمد فودة "الأزمة عندي في رجلي وإيدي من وأنا صغير، جربت أدوية كتير كانت بتجيب نتائج مؤقتة، وفي منهم اللي كان بيحتاج يتحط قبل النزول من البيت بساعتين أو تلاتة علشان ينشف فكان بيعطلني عن حاجات كتير، وبرضه النتيجة وقتية مبتكملش أكتر من ساعتين، ولما سألت على حقن البوتكس لقتها من 5500 لحد 10 ألاف بأسعار متفاوتة من دكتور للتاني علشان أحقن إيدي ورجلي وده رقم مكلف مقدرش عليه خاصة إني لازم أكرر ده كل 6 شهور".

يعمل محمد محصل ضرائب، يقول للمنصة "من وقت كورونا والناس بدأت تلبس جوانتيات لقتها فرصة ألبس جوانتي من غير محد ينتقدني أو يستغرب من منظري، لأن أنا طول الوقت قاعد بالشراب حتى في البيت، ولما بتيجي حماتي أو حد من أهل مراتي يسألني لابس الشراب ليه في الجو ده، ومش بلاقي رد أقوله لأن كتير من الناس متعرفش حاجة عن المرض ده".

يتذكر محمد أول موقف مع هذا المرض عندما كان في الصف الخامس الابتدائي، ونهره المدرس لأنه لم يكمل واجبه "وقتها لقيت المدرس عمال يضربني بالعصاية ويقولي يلا يالي إيديك عرقانة، الموقف ده كان أول موقف أتعرض له وفضل زمايلي يعايروني باللفظ ده كتير، ووقتها كنت طفل مش فاهم حاجة ولا عارف أرد"، ومع كبر سنه تفاقمت الأزمة التي دفعته للبحث عن علاجات بديلة ما بين خلطات ووصفات "الناس اللي بتبيع الوصفات دي اللي أغلبها مجبش معايا نتيجة، بتروج لها بجمل زي وداعًا للإحراج، ومنعًا للإحراج، وده بيأكد وصمنا أكتر، وفي منهم كتير بيبع وصفات وهمية مش بتجيب أي نتيجة".


اقرأ أيضًا: لماذا علينا الخوف من نصائح الطب العشوائي على الإنترنت؟


التدخل الطبي

الدكتور أيمن الزغبي أستاذ الأمراض الجلدية، أوضح للمنصة، أن هناك علاجات موضعية من الممكن أن تأتي بنتيجة مع عدد من المصابين، وهناك حالات لا تستجيب لتلك العلاجات، كما أن منطقة تحت الإبطين تستجيب لمضادات التعرق القوية التي يصفها الطبيب، وهي لا تنهي الأزمة ولكنها تخفِّف من حدتها، أما باقي الأماكن فتقل استجابتها لتلك العلاجات.

وأضاف الزغبي، أنه يستقبل في عيادته العديد من الحالات التي لا ترغب في العمليات الجراحية خوفًا منها، أو بسبب ارتفاع تكلفتها "التدخل الجراحي بيكون من خلال قطع عصب العَرق وده بنلجأ له للحالات اللي بتفشل معاها باقي العلاجات، أو حقن البوتكس اللي بيحتاج المريض يجدد حقنها كل ثلاثة أو ستة شهور حسب طبيعة المريض، وبرضو هي مكلفة للبعض، فهنا بيكون دور الطبيب إنه يأكد للمريض إن اللي بيعاني منه مش وصم، ومش سبب للعزلة، لأن في زيه كتير، ولازم يواجه، ولو طفل لازم أهله يفهموه أنه مش موصوم ومفيهوش حاجة غلط".

كما يحذر الزغبي من الوصفات التي يجري تداولها دون الرجوع للطبيب، لأنها من الممكن أن تتسبب في زيادة المشكلة وليس الحل، ومنها وصفات تحبس العرق داخل الجسم، مما يؤدي لمشكلات صحية عديدة، مشيرًا إلى أن عددًا كبير من المرضى يذهبون للعيادة وهم لا يعرفون أن هناك مرضًا يسمى فرط التعرق من الأساس.

خروج العرق من الجسم شيء طبيعي، لكنه يتحول لمأساة تتحكم في حياة المصابين بغزارته، لتدفعهم لاتباع عادات وأنشطة يومية رغمًا عنهم، منها ارتداء الملابس القطنية ذات الألوان الداكنة، وتكرار الاستحمام، ووجود مناشف قطنية أو مناديل ورقية دومًا بحوزتهم لتجفيف العرق، ثم الدخول لعالمهم في المجموعة المغلقة التي تضم جنسيات مختلفة، لتصبح ملاذًا لهم، يشاركون فيها معاناتهم وتجاربهم مع محاولات العلاج.