إنتاج سجائر كليوباترا في الشرقية للدخان. الصورة من موقع الشركة على الإنترنت

دجاجة تبيض ذهبًا: هل مضى زمن احتكار السجائر؟

في عشرينيات القرن الماضي، تأسست الشرقية للدخان ايسترن كومباني، وخلال سنوات قليلة استطاعت أن تستحوذ على غالبية سوق السجائر في مصر، ثم انتقل هذا الاحتكار لملكية الدولة مع تأميم الشركة عام 1963، حتى أصبحت كل سيجارة مصرية، أيا كان اسمها التجاري، ملفوفة داخل أسوار الشركة الحكومية.

وفي عشرينيات هذا القرن، تسعى الحكومة المصرية لطرح رخصة جديدة لصناعة السجائر لتكسر احتكارًا استمر لأكثر من مئة عام لهذه السوق، بل وستشمل هذه الرخصة أنواعًا جديدة من السجائر لا تنتجها"الشرقية".

يرى بعض المنتجين أن الدولة تمهد الطريق لاحتكارات جديدة من القطاع الخاص، ويرى آخرون أنها لن تتنازل عن سيطرتها على السوق ولكن تبحث فقط عن الربح من بيع التراخيص، فما هو شكل سوق السجائر في مصر بعد هذه التحولات؟

تاريخ اقتصاد سجائرنا

بحسب الرواية المنشورة على موقع الشرقية للدخان فقد تأسست في عشرينيات القرن الماضي بمرسوم ملكي بهدف مكافحة سيطرة الأجانب على هذا السوق، وقد استطاعت خلال سنوات قليلة أن تدمج عددًا من الشركات العاملة في هذا المجال. وفي أغسطس/ آب 1963 تأممت الشركة ثم اندمجت مع المنافس الأبرز، ماتسويان، منتجة السجائر الشعبية الشهيرة "كليوبترا".

وباعتبارها الشركة الوحيدة المرخص لها إنتاج سجائر في مصر في الوقت الراهن، فهي تنتج بجانب العلامات التجارية المملوكة لها، أطنانًا من السجائر التي تخرج إلى الأسواق تحت علامات شهيرة لشركات أخرى، ويبلغ إجمالي الأسماء التجارية التي تخرج من بين أسوار الشركة في الوقت الراهن 32 علامة تجارية، تمثل سوق السجائر في مصر ولا ينافسها غير السجائر المستوردة.

مصانع الشرقية للدخان في السادس من أكتوبر. الصورة من موقع الشركة على الإنترنت

ما الجديد؟

في مطلع 2021، قررت الحكومة المصرية إفساح المجال للقطاع الخاص من خلال طرح مزايدة لرخصة جديدة لتصنيع السجائر خارج حدود الشرقية للدخان، والذي مثل حدثا فارقا باعتباره الأول من نوعه في تاريخ هذه الصناعة بمصر.

لكن مراقبي هذا القطاع يرون أن إتمام هذا الطرح لا يعني تراجع دور الشرقية الضخم في السوق "حتى في حال حصول شركة من القطاع الخاص على الرخصة الجديدة، ستظل الشركة الشرقية للدخان محتكرة لتصنيع السجائر الشعبية كليوباترا، والتي تمثل المنتج الأكثر رواجا" كما يقول إبراهيم إمبابي، رئيس شعبة الدخان باتحاد الصناعات المصرية، للمنصة.

وتنتج الشرقية للدخان أصنافًا من السجائر المحلية بالعلامة التجارية الشهيرة كليوباترا، بجانب ما تنتجه لحساب شركات أخرى، وخلال العام المالي 2020-2021، أنتجت الشركة نحو 70 مليار سيجارة من السجائر المحلية باعت 67 مليارًا منها، بزيادة بنسبة 12% عن العام السابق.

إنفوجراف: المنصة

ويشير إمبابي أيضا إلى أن الرخصة الجديدة لن تنهي هيمنة الشرقية للدخان نظرا إلى أنها ستظل الشركة الوحيدة المسموح لها إنتاج سجائر لعلامات تجارية أخرى "سيظل المجال الوحيد المتاح للشركات الأجنبية من أجل التصنيع داخل مصر هو أن تعمل مع الشركة الشرقية، لأن الرخصة الجديدة لن تسمح للشركة الفائزة بالتصنيع للغير" وفقا لإمبابي.

وتمتد مصانع الشرقية للدخان في الوقت الراهن على مساحة ضخمة، تصل إلى 156 فدانا، بمدينة السادس من أكتوبر، والتي تم نقل الشركة إليها في 2017، وتضم تلك المساحات وحدات تحضير التبغ وصناعة وتعبئة كليوبترا، بالإضافة إلى وحدات تصنيع وتعبئة السجائر الأجنبية التي تعمل تحت ترخيص "الشرقية".

الرخصة الجديدة، بصيغتها الحالية، لم تمر بسهولة، فهي لا تزال معلقة على موافقة رئيس الوزراء، بينما المستثمرون في قطاع السجائر بين نارين، الخوف من احتكار جديد من الشركة الفائزة بالرخصة، والرغبة في تقليص هيمنة الشركة الشرقية للدخان، فما هي مطالب المستثمرين في الوقت الراهن؟

رخصة مثيرة للجدل

يعمل في السوق المصرية، تحت لواء الشرقية، أربع شركات رئيسية، هي شركة المتحدة للتبغ موريس، التابعة لشركة فيليب موريس، وبريتش أمريكان توباكو ومجموعة منصور (وكيل إمبريال) واليابانية الدولية JTI.

الدولة حافظت لنفسها على مركزها التنافسي أمام هذا الكيان الجديد، فاشترطت أن يكون سعر البيع بالتجزئة للسجائر الفاخرة التي سينتجها بالسوق المصري، أعلى من سعر بيع السجائر الشعبية التي تنتجها الشرقية للدخان.

وكانت الصيغة الأولى للرخصة الجديدة تضع شرطًا بأن يكون الحد الأدنى للطاقة الإنتاجية للشركة الفائزة نحو 15 مليار سيجارة سنويا، ما يعني أن الكيان الجديد سينتج نحو 20% من الإنتاج الحالي للشرقية للدخان من السجائر الشعبية.

وستضمن الدولة للفائز الجديد إزاحة المنافسين من السوق لفترة غير قصيرة، حيث تعهدت بأن لا تطرح رخص تصنيع جديدة خارج حدود الشرقية قبل 10 سنوات.

لكن الدولة حافظت لنفسها على مركزها التنافسي أمام هذا الكيان الجديد، فاشترطت أن يكون سعر البيع بالتجزئة للسجائر الفاخرة التي سينتجها بالسوق المصري، أعلى بنسبة 50% من سعر أدنى منتج للشركة الشرقية للدخان.

أثارت هذه البنود اعتراض الكثير من العاملين في هذا القطاع، واعتبروا أنها "فصلت" لصالح شركة بعينها، وهي فيليب موريس، بشكل يمهد لتعزيز موقفها في السوق المحلي، بحسب ما قاله لنا مصدر بصناعة الدخان طلب عدم ذكر اسمه.

"شركة فيليب موريس هي الشركة الوحيدة التي تصنع نحو 15 مليار سيجارة سنويا في مصانع الشرقية للدخان، فيما تبلغ حصة باقي الشركات العاملة في مصر مجتمعة نحو 5 مليارات سيجارة فقط"، كما يقول المصدر.

لاحقًا، عدلت الحكومة في يونيو/ حزيران الماضي بعض شروط المزايدة، ومنها تخفيض الحد الأدنى للإنتاج إلى مليار سيجارة سنويا فقط، كما ألغت بند التعهد بعدم طرح رخص جديدة قبل 10 سنوات.

وبالرغم من هذه التيسيرات، وفتح الباب لتلقي العروض في مطلع الشهر الجاري 2021، لم تتقدم سوى شركة واحدة بعرضها وهي المتحدة للتبغ موريس، وهي شركة تابعة لشركة فيليب موريس العالمية، فيما واصلت 3 شركات اعتراضها، وطالبت بتأجيل جلسة فض المظاريف وبتعديلات أكثر.

مزيد من التعديلات

الاعتراضات هذه المرة لم تتعلق بالتنافس على إنتاج السجائر التقليدية، ولكن بسبب اشتمال الرخصة الجديدة على الحق في تصنيع السجائر الإلكترونية والتبغ المسخن، وهو حق لا يمتلكه أحد في مصر ولا حتى الشرقية للدخان، لذا رأى المستثمرون أن منحه بشكل حصري للكيان الجديد سيمهد لاحتكاره لهذا السوق.

وجاءت الاعتراضات على الرخصة الجديدة من ثلاث شركات، هي بريتش أمريكان توباكو ومجموعة منصور (وكيل إمبريال) واليابانية الدولية JTI، وطالبت رئيس الوزراء المصري بإجراء مزيد من التعديلات، وفقا لنص خطاب من هذه الشركات اطلعت المنصة على نسخة منه.

وطالبت الشركات، بفصل رخصة تصنيع الجيل الجديد من السجائر الإلكترونية والتبغ المسخن، عن رخصة تصنيع السجائر التقليدية، ووضع آلية لطرح مزيد من رخص إنتاج السجائر التقليدية.

صناعة السجائر في الشرقية للدخان. الصورة من موقع الشركة على الإنترنت

وترى الشركات الثلاثة، أن منتجات التبغ المسخن والإلكترونية هي مستقبل الصناعة، ولديها مستقبل واعد على مستويات الإنتاج والانتشار والأرباح، وهو ما يجعل منح ترخيص تصنيعها لشركة واحدة في السوق المحلي يحقق ضررًا بالغًا ويؤثر بشكل سلبي على نمو هذه الفئة من المنتجات، ويعوق المتحصلات الضريبية المستقبلية من الصعود.

وطالبت الشركات أن يتم الإبقاء على الوضع الحالي والمستقر منذ 30 عامًا أو إصدار عدة رخص وعلى أساس أعلى سعر يتم التقدم به لكل مليار سيجارة.

ورفعت الشركات الثلاث، مطالبها لرئيس الوزراء، وهو صاحب القرار الوحيد في الاستجابة للتعديلات أو المضي قدما في مناقشة العرض المقدم من فيليب موريس.

زلزال السجائر الإلكترونية

تمتعت السجائر الإلكترونية والتبغ المسخن برواج كبير خلال السنوات الأخيرة، وسط توقعات بتنامي عدد مستهلكيها، لكن كل المنتجات المستهلكة من هذا النوع من الدخان داخل مصر هي منتجات مستوردة.

لذا سيكون توطين هذه الصناعة على الأرجح فرصة ذهبية للربح، نظرًا لإمكانية تخفيض سعر المنتج النهائي والترويج له بشكل أكبر في مواجهة البدائل المستوردة.

ومنتجات التبغ المُسخّن، وفقا لتعريف منظمة الصحة العالمية، هي منتجات تبغ تخرج رذاذًا يحتوي على النيكوتين ومواد كيميائية أخرى يستنشقها المتعاطون عن طريق الفم، وتحاكي سلوك تدخين السجائر التقليدية، ويستخدم بعضها سجائر مصممة خصيصا لتحتوي على التبغ المراد تسخينه، أما السجائر الإلكترونية فهي تُسخِّن سائلاً إلكترونيا قد يحتوي على النيكوتين أو لا يحتوي عليه ولا يحتوي على التبغ في معظم الحالات.

ولم تكن الحكومة المصرية تسمح بتجارة وبيع هذه الأنواع في مصر، وكان يتم بيعها في السوق السوداء أو من خلال تهريبها عبر مسافرين للخارج، وفقا لمصدر على صلة بهذا السوق في مصر.

وأضاف المصدر "مع استيعاب الحكومة أن مستقبل هذا النوع من التدخين صار واعدًا ومن الممكن جني عوائد كبيرة من فرض الضرائب عليه، بدأت في تقنين أوضاعه".

وفي 2019، أصدرت الهيئة المصرية للمواصفات والجودة (EOS)، التابعة لوزارة التجارة والصناعة، المواصفة المصرية للسائل الإلكتروني المستخدم في السجائر الإلكترونية، وتم نشرها في الجريدة الرسمية في مارس 2019، وفتحت وزارة الصحة المجال للتقدم بطلبات استيراد هذا السائل والحصول على رخصة بذلك.

قالت الشرقية للدخان إن مساهمتها بحصة في الشركة الجديدة يحقق لها استعاضة جزئية لأي خسارة قد تلحق بها في حال خروج أحد المصنعين الحاليين لديها وحصوله على الرخصة الجديدة.

ويقدر المصدر إن عدد مدخني السجائر الإلكترونية في مصر بين 300 إلى 400 ألف مدخن، مضيفًا "الشركات تتطلع للتوسع في صناعته محليا، والدولة أيضا ستكافح تهريبه من الخارج إذا أصبح متاحا بشكل أكبر في الداخل".

دجاجة تبيض ذهبًا

تراقب الحكومة صراع المستثمرين على المساحات التي ستتركها لهم في مجال صناعة السجائر، وهي تحافظ لنفسها على شروط في الرخصة الجديدة تضمن لها تحقيق أكبر قدر ممكن من الربح من وراء هذه المزايدة، فالسجائر كانت وستظل أحد أهم المجالات لتوفير الإيرادات.

أعطت المزايدة الجديدة الحق لشركة الشرقية للدخان بامتلاك 24% من أسهم الشركة الجديدة، ما يجعل من شركة الدولة شريكًا أساسيًا في الأرباح التي سيجنيها هذا الكيان الجديد.

وفي بيان للبورصة، تعليقا على المزايدة، قالت الشرقية للدخان إن مساهمتها بحصة في الشركة الجديدة يحقق لها استعاضة جزئية لأي خسارة قد تلحق بها في حال خروج أحد المصنعين الحاليين لديها وحصوله على الرخصة الجديدة، هذا بجانب ما ستجنيه الدولة من حق بيع هذه الرخصة، وما ستحُصله كضريبة على السجائر المباعة من الكيان الجديد، سواء كانت تقليدية أم إلكترونية، كلما نجح المستثمر في إدخال مدخنين جدد إلى السوق، فهو يضيف ضرائب جديدة لخزانة وزارة المالية.

بل إن الدولة تطرح في شروط المزايدة على المستثمر الفائز إمكانية أن يحصل من شركتها الشرقية للدخان على معدات وأصول وقوى عاملة قد يحتاجها في كيانه الإنتاجي الوليد.

وتعد الضرائب على السجائر والتبغ، أبرز أدوات الدولة للإيرادات، لدرجة أن رئيس شركة الشرقية للدخان يتباهي بأنهم ينافسون إيرادات قناة السويس لصالح الخزانة العامة للدولة، والتي يُتوقع أن تصل هذا العام المالي لما يقرب من 80 مليار جنيه.

إنفوجراف: المنصة

ليس غريبا أن تتصاعد إيرادات ضرائب السجائر بهذا الشكل المضطرد، مع النمو المستمر في أعداد المدخنين، وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، زاد عدد المدخنين في مصر بين 2018 إلى 2020 بنحو 7 ملايين شخص؛ مرتفعًا من 11.1 مليون مدخن عام 2018 إلى 18 مليونًا وفقًا لتقديرات 2020.

وقد تمثل الرخصة الجديدة، بداية لسلسلة من الطروحات لهذا النوع من الرخص، تكون بمثابة عائد مستمر لخزانة الدولة لفترة من الزمن.