منفذ توزيع منتجات "العجايبي". الصورة: صفحة منتجات العجايبي. فيسبوك

بعيدًا عن "الفقر الاختياري": بضائع الأديرة تنافس على موائد المصريين

من العسل اﻷبيض إلى زيت الزيتون والخراف الحية واللحوم والدواجن، تتنوع منتجات اﻷديرة المصرية، وتجد لها جمهورًا من المستهلكين الذين يعتبرونها منتجات عالية الجودة، ويظهر هذا على الصفحات المتخصصة في بيع وتوزيع تلك المنتجات، فالتعليقات تمدح تلك المنتجات، وتسأل عن الأسعار ومنافذ التوزيع، واللافت أنها تخلو من الطائفية أو السخرية التي تظهر أحيانًا في التعليقات على اﻷخبار الكنسية، على الرغم من معارضة بعض المختصين للتوسع في هذا النوع من "البيزنس" باعتباره لا يليق بالزهد المفترَض بالرهبان، لكن المستهلكين الذين تحدثنا معهم في هذا التقرير قالوا إنهم يبحثون عن الجودة والسعر.

زجاجة زيت زيتون وأخرى "أباركة"، وهو نبيذ غير مُسكر لا تزيد نسبة الكحول فيه عن 5%، قادت محمد مصطفى، صحفي يعيش بالقاهرة، إلى التعرف على عالم منتجات الأديرة، كما يقول للمنصة "منذ ثماني سنوات أهداني صديق الزجاجتين وأخبرني أنهما من إنتاج أحد الأديرة التي زارها مؤخرًا، فأدهشني مستوى نقاء المنتجات وجودتها وعدم شهرتها في مصر، وبعد فترة طلبت من صديقي الذهاب معه في مرة لأحد هذه الأديرة للتعرف على هذا العالم، وقابلت الرهبان والعمال، الذين جمعتي صداقة بعدد منهم طوال سنوات. واليوم أشتري المنتجات وأهديها للأصدقاء والأقارب لتعريفهم بها، ولا يخلو بيت من بيوت مَن أعرفهم من منتجات الأديرة".

يسخر مصطفى من الفئة التي تتعامل مع المسيحيين باعتبارهم "أهل ذمة" في التجارة ولا يجوز تهنئتهم بالأعياد لأنهم في نظر هؤلاء "كفار"، يقول "كان لي صديق من هؤلاء، وبعد أن تعرف على منتجات الأديرة وأعجبته، سأل هذا العام عن أسعار الخراف في دير الأنبا بيشوي لشراء أضحية هذا العام".

"سمعة الرهبان تسبقهم"

"أغلبنا يثق في منتجات الأديرة، بسبب له علاقة بالكفاءة والالتزام، مثل الثقة في مدارس الراهبات"، هذا ما تراه إنجي بدران، موظفة بوزارة البيئة، تقول للمنصة "الرهبان سمعتهم تسبقهم في التعليم والمستشفيات التي يشرفون عليها، واليوم يزاحمون الشركات والمصانع الكبرى بمنتجاتهم الغذائية الجيدة، التي شهدتها بنفسي في أحد معامل المخللات والألبان بدير الأنبا مقار، والمواطن في النهاية يحب التجربة، وعندما يعجبه منتج لا يفكر سوى في مصلحته وصحته، على الأقل هذه المنتجات من خير مصر، وليست مستوردة لا نعلم مصدرها".

"عرفت منتجات الأديرة عن طريق السوبر ماركت الذي أتعامل معه في منطقة الطالبية بالهرم، جربتها فوجدت أنها أفضل من منتجات المصانع الأخرى من حيث الجودة والنظافة والسعر أيضًا"، يحكي للمنصة أحمد عيد، موظف من الجيزة، عن بداية معرفته بتلك المنتجات، حتى صارت المصدر الرئيسي لأغلب مستلزماته الغذائية منذ خمس سنوات تقريبًا "تقريبًا كل أكلي أنا وأسرتي من منتجات الأديرة، وأثق في جودتها وأمانة منتجيها".

دير السريان. برخصة المشاع الإبداعي- ويكيبيديا

الأمانة إذن هي كلمة السر في ثقة المواطنين بمنتجات الأديرة، ومن قبلها ظلت "الأمانة في التجارة" مقترنة بالمسيحيين المصريين على مر العصور في المخيلة الشعبية، لكن اليوم تغير الحال، ولم يعد الجميع أمناء في تجارتهم، حسب ماجد موريس، موزع لمنتجات الأديرة الغذائية في مدينة نصر، منذ عشر سنوات تقريبًا. "بعد الثقة التي حظت بها منتجات الأديرة، بدأ بعض التجار باستيراد لحوم ومواد غذائية من الخارج ووضع اسم أحد الأديرة عليها، وكما يغشون عسل النحل وزيت الزيتون وغيرها، ولا يوجد رقيب على هؤلاء الذين يسيئون لمنتجات الأديرة عالية الجودة".

يتعامل ماجد مع أديرة الأنبا بيشوي والسريان (وادي النطرون) والأنبا صموئيل المعترف (المنيا) ومار مينا العجائبي (كنج مريوط) في توريد المنتجات له بشكل أسبوعي، وكل من هذه الأديرة يشتهر بأنواع بعينها من المنتجات التي تضاهي جودتها المنتجات العالمية، حسبما يقول. فدير مار مينا بكينج ماريوط ينتج أفضل أنواع الأسماك والمثلجات ومنتجاته تباع في كل مكان بمصر، بينما يشتهر دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون بمنتجات اللحوم والدجاج والفواكه، كما أن جميع الأديرة المصرية تنتج زيت الزيتون وعسل النحل بكميات ضخمة، وبعض الأديرة يكون أغلب إنتاجها للتصدير الخارجي، مثل دير الأنبا مقار، الذي وصل رهبانه إلى إنتاج أنواع جديدة من الفاكهة عن طريق الهندسة الوراثية والتهجين في الزراعة، وتعتبر منتجاته من أجود المنتجات في مصر بشكل عام.

من الفقر الاختياري إلى البيزنس

في العقد الأخير انتشرت منافذ توزيع بيع المنتجات الغذائية للأديرة المصرية، بدأت من داخل الأديرة نفسها للزوار الذين يأتونها للتبرك، وفي الكنائس الكبرى، حتى وصلت إلى تجار الجملة في مختلف المحافظات، وانتشرت كذلك صفحات بيع تلك المنتجات على فيسبوك ما جعل المنتجات الأديرة تنافس المنتجات المستوردة والمحلية في الحصول على ثقة المستهلك المصري بشكل عام، وليس المسيحيين فقط.

قبل العشر سنوات الأخيرة لم تكن الأديرة المصرية بعيدة عن الإنتاج الغذائي، بل امتدت لورش النجارة والموبيليا والتحف والهدايا وغيرها من المنتجات التي يعمل في تصنيعها آلاف العمال المسيحيين في اﻷديرة التي تمتلك مساحات شاسعة في الصحراء، استصلحتها وأقامت عليها مزارع الخضروات والفاكهة، بل والمحاصيل الرئيسية مثل القمح والذرة، بجانب مزارع المواشي والدواجن والأرانب، بل وحتى مزارع الكلاب بسلالات مختلفة، إلى جانب المصانع والورش والمعامل التي تعمل ليل نهار بإشراف الرهبان أنفسهم ومهندسين متخصصين في كل المجالات.


مجموعة من منتجات الأديرة. المصدر: صفحات مختلفة على فيسبوك


ميلاد وجيه، رئيس عمال بمزرعة الأنبا بيشوي بوادي النطرون، أحد أكبر الأديرة بمصر، يعمل منذ 18 عامًا في الدير، بدأها عاملًا ثم وصل إلى وظيفة رئيس عمال، يقول للمنصة "مساحة الدير تقريبًا 900 فدان، أهم المحاصيل في المزرعة هي الزيتون والعنب بمساحات شاسعة. وأنا مشرف على العمال في مزرعة الزيتون" الذي يعتقد أنه يخرج منه أفضل زيت زيتون في مصر تقريبًا، ويصل عدد العمال إلى 400، غير المشرفين ورؤساء العمال، الذين يعملون تحت إشراف الرهبان المهندسين، كذلك في الورش والمعامل، يضيف "الرهبان هم المسؤولون عن كل الأقسام، ويعمل تحت أيديهم المشرفون والعمال، لكن المسؤول عن مزرعة الدير بالكامل هو الراهب تيموثاوس الأنبا بيشوي".

ينتج الدير كميات كبيرة من الأسماك بمختلف أنواعها، من مزرعة الأسماك الكبيرة به، كذلك اللحوم والدواجن بكل أصنافها من مزرعتي الإنتاج الحيواني والدواجن، بالإضافة إلى الجبن والبيض بكميات كبيرة، وكذلك الصلبان والتماثيل الخشبية وغيرها من المنتجات التي تباع للمسيحيين في الكنائس المختلفة، من إنتاج ورشة المشغولات الخشبية التي تعد الأكبر والأهم في كل أديرة مصر، وتنتج غالبية احتياجات الكنائس الجديدة من المنابر وأحجبة الهياكل الخشبية، التي يصل سعر الحجاب الواحد منها 200 ألف جنيه، كما ساهم الدير في إنشاء عدد من الكنائس في السودان وجنوب السودان، عن طريق التبرع بأحجبة الهياكل وحوامل الإنجيل المصنوعة من الخشب بالكامل.

إفساد للصوم؟

يشرح ميلاد طريقة توزيع المنتجات خارج الدير "كل أسبوع تنزل سيارات التوزيع من الدير لتوزيع المنتجات التي يطلبها التجار عن طريق الصفحة الخاصة بمنتجات الدير أو جروب واتساب، في المحافظات التي نغطيها، وبعض التجار يشترون كميات لتوزيعها بمعرفتهم للمدن والقرى في محافظاتهم، سواء في وجه بحري أو قبلي أو القاهرة، وهناك تجار كبار يأتون للشراء من المزرعة مباشرة، ولا ينتظرون سيارات التوزيع، أو لاحتياجهم لكميات كبيرة، لكن في فترات الصوم تزداد الطلبيات على المنتجات الصيامي أكثر بالطبع، كذلك افتتح الدير مؤخرًا هايبر ماركت لبيع منتجاته للزوار الوافدين عليه يوميًا".

المنتجات الصيامي تحديدًا يهاجمها بعض المسيحيين، ويعتبرونها مفسدة للصوم القائم على الامتناع عن الطعام وشهوته، وأكل المأكولات البسيطة من البقول والخضروات، "الكفتة والبرجر والشاورما الصيامي تدعو للسخرية، ولا يصح أن تفسد الأديرة صوم المسيحيين بإنتاج مأكولات بديلة عن اللحوم لكنها تذكرنا بها، فالصوم هو الامتناع عن شهوات الطعام والأفعال، ولكن ما يحدث يعتبر ضحك على ربنا وليس صومًا"، يقول عاطف فخري، صاحب مطعم بالمنيا.

من جهة أخرى يرى فخري أن هذه النوعية من الطعام المجمد أضرارها الصحية كثيرة، وتضر أكثر مما تفيد، ويجب على الأديرة أن تكون مهتمة بصحة المواطنين أكثر من اهتمامها بالمكاسب والمنافسة في السوق، مثلما تهتم بإنتاج الفاكهة والخضر الطبيعية بدون مبيدات، يجب عليها أن تكون منتجاتها بنفس الدرجة من الكفاءة الصحية.


خريطة لبعض الأديرة ومنتجاتها. إعداد: المنصة.


يعتبر دير مار مينا العجائبي أحد أهم الأديرة في الإنتاج الزراعي والحيواني، لكنه يشتهر أيضًا بالمنتجات الصيامي، مثل الكفتة والبرجر والكبيبة والبانيه والألبان المصنوعة من منتجات زراعية في الأساس، إلى جوار العصائر والمثلجات، التي تباع في محال السوبر ماركت والبقالة في مصر، تحت العلامة التجارية "العجايبي"، ويتولى تسويق منتجاته عبر موقع إلكتروني وصفحة فيسبوك.

فيما تخصصت بعض الأديرة في إنتاج ملابس الكهنوت (الشمامسة والقساوسة والأساقفة)، والحلي والأواني التي تستخدم في الكنائس، مثل دير القديسة دميانة ببلقاس، ودير الأنبا توماس بسوهاج كما يتخصص دير البراموس في إنتاج الأفلام المسيحية، ويمتلك الدير دار نشر "الكرمة الحقيقية" التي تقوم بطباعة الكتب المسيحية وتوزيعها في كل كنائس مصر وخارجها.

"من عمل يديه"

بدأت الرهبنة في العالم على يد الأنبا أنطونيوس الكبير الملقب بـ "أبو الرهبان" المصري (251-354 ميلادية) عندما ترهبن في مغارة بأحد جبال البحر الأحمر، ومن ثم تبعه رهبان كثيرون توحدوا في مغارات الجبال، قبل أن تبدأ حركة الرهبنة الاجتماعية أو "رهبنة الشركة" على يد الراهب الأنبا باخوميوس (292-384)، وحتى ذلك الوقت كان الرهبان يأكلون من صنع أيديهم، ويقايضون السلال والحبال التي يصنعونها بالطعام في الأسواق.

بداية من القرن السادس الميلادي، ازدهرت حياة الأديرة والرهبان في مصر، وبدأوا في زيادة الحرف التي يعملون عليها، وتنامى العمل اليدوي في الأديرة، وأصبحت أحد أهم مصادر النسيج والفخار في مصر، مثل دير الأنبا باخوميوس بالأقصر ودير الأنبا شنودة بسوهاج. وكان يتم بيع منتجات الأديرة للتجار الكبار، ويتم صرف جزء منها على الفقراء، وتغطية احتياجات الرهبان من المأكل والدواء وتعمير الأديرة، حسب موقع ويكي قبطي.

في نهاية السبعينيات من القرن الماضي أهدى الرئيس الأسبق أنور السادات دير الأنبا مقار مساحة ألف فدان لزراعتها بنجر سكر، بعد أن شاهد جودة إنتاج الدير من المحصول الجديد على مصر وقتها، بالإضافة إلى إنتاج كميات ضخمة من الفاكهة العضوية، مثل العنب والتين والبرتقال. وعلى هذا النهج أيضا كان يسير الإنتاج في أديرة مصر، تحت شعار "صل واعمل".

وفي كتابه غذاء للقبطي خصص الكاتب شارل عقل خصص أحد فصوله للحديث عن منتجات الأديرة، من عسل النحل والتمر والتين المجفف، والبخور والأباركة، التي عرفها المسيحيون في مصر عن طريق منافذ العرض داخل الأديرة فقط، فترة التسعينيات تقريبًا. وكان الزوار يشترون تلك المنتجات للتبرك والتذكار، قبل أن يكتشفوا جودتها العالية مقارنة بمنتجات السوق المحلية، فحرصوا على شرائها، لكنها لم تنتشر بين المصريين عمومًا، إذ كان من الصعب الحصول عليها خارج الأديرة.

مواجهة البطالة المسيحية

تغير ذلك مع توسع الأديرة في الأنشطة الإنتاجية والتجارية وزادت أعداد العمالة داخل أسوار الأديرة الشاسعة، ما ساهم في خفض البطالة نسبيًا بين المسيحيين، باستيعابها آلاف الأيدي العاملة في مزارعها ومعاملها، ومنافذ التوزيع، ونافست منتجاتها المنتجات المحلية والمستوردة، وأقبل عليها المصريون بثقة الإيمان والأمانة، بحسب الكاتب الذي هاجم في الوقت نفسه دخول الرهبان والنساك معترك الأعمال التجارية التي تنسف مفهوم الرهبنة المسيحية.

بعد ثورة 25 يناير بدأت تنتشر منتجات الأديرة المصرية في منافذ بيع فتحت خصيصًا في الكنائس الأرثوذكسية، في كل محافظات مصر، وبدأ التجار المسيحيون وأصحاب السوبر ماركت ومحال البقالة في بيع تلك المنتجات للمسيحيين، وعرفها المسلمون أيضًا فبدأوا في الاقبال عليها لجودتها، وأسعارها المعقولة، وساهمت تلك المنتجات في حل أزمة نقص المواد الغذائية واللحوم في مصر، بجانب منتجات القوات المسلحة، طوال السنوات الماضية.

ويذكر موقع الأنبا تكلا هيمانوت، المتخصص في تاريخ وتراث الكنيسة القبطية، أن أشهر وأكبر أربعة أديرة عامرة في مصر، تقع جميعها في صحراء وادي النطرون، أكبرها في المساحة دير الأنبا مقار (2700 فدان) تبلغ المساحة المبني عليها فدانين فقط، والباقي مزروع أشجار فواكه ومحاصيل بالإضافة إلى أكبر مزرعة إنتاج حيواني في الأديرة المصرية.

ويأتي من بعده دير الأنبا بيشوي (880 فدانًا) الذي يشتهر بإنتاج ضخم من زيت الزيتون والعنب، وثالثها هو دير البراموس وتبلغ مساحته 800 فدان، أما دير السريان فيقع على مساحة خمسة أفدنة فقط، والذي يشتهر بطباعة الكتب ويحتوي مكتبة ضخمة بها مخطوطات وكتب نادرة. والأديرة الأربعة مجتمعة تنتج آلاف الأطنان من الفاكهة والخضروات والعسل والنبيذ وزيت الزيتون واللحوم، التي تتميز جميعها أنها يتم إنتاجها عضويًا.

"الفقر الاختياري"

لكن ذلك التوسع في الإنتاج والتجارة لا ينظر له الجميع باعتباره أمرًا إيجابيًا، إذ يرى الكاتب والباحث في الشؤون القبطية، سليمان شفيق، أن الرهبنة المسيحية الأرثوذكسية في النصف قرن الأخير، بدأت تفقد مكوناتها الثلاثة التي نشأت عليها، وهي العفة والطاعة والفقر الاختياري، وأحد أسبابه التطور المستمر في الطرق والمواصلات، ما ألغى المسافة بين المدينة والصحراء، فلم تعد الأديرة منعزلة في الصحاري المصرية، ففقدت أحد أهم سماتها للرهبة وهي العزلة، لا سيما مع زيادة عدد الزوار والرحلات لهذه الأديرة لسهولة الوصول إليها، ما قضى تقريبًا على فكرة عزلة الرهبان عن العالم.


اقرأ أيضًا: رواية أخرى لأزمة وادي الريان: رهبان دير "فقير" أم خلاف مع مستثمرين؟

صورة من الدير عام 2012- المصدر: صفحة على فيسبوك باسم دير الأنبا الأنبا مكاريوس بالريان

"الرهبان أنفسهم اليوم يعيشون في قلالي (جمع قلاية وهي مسكن الراهب) على أحدث طراز، وبها كل وسائل التكنولوجيا والرفاهية من تكييف وكمبيوتر وستالايت وإنترنت، ويتواصل أغلبهم مع العالم الخارجي عن طريق مواقع السوشيال ميديا. لا أتحدث بالطبع عن الرهبان المتوحدين الذين يعيشون في المغارات، الذين لهم كل الاحترام والتبجيل، لكنهم لا يمثلون السواد الأعظم من الرهبان".

ويشير شفيق إلى أهمية الفقر الاختياري في الرهبنة منذ نشأتها، إذ كان الرهبان الأوائل لا يأكلون إلا من عمل أيديهم، فيقوم الراهب بعمل مقطف من الخوص أو السعف ويبيعه ومن ثمنه يشتري الطعام "اليوم الموضوع تطور جدًا، ومع الوقت رأينا ظاهرة خطيرة أسميها "بيزنس الروحانيات" للأديرة، فكل دير له مزرعة ومصانع وورش ويبيعون المنتجات بالجملة. وفتح الرهبان حسابات بنكية. وكل ذلك خطأ ولا علاقة له بالرهبة. زمان كان الراهب الذي يتم اختياره أسقفًا أو مطرانًا يكون تخلى عن رهبانيته، لأنه ينزل العالم ويتقاضى راتبًا ولا يأكل من عمل يديه. لم يعد هناك فقر اختياري في الرهبنة، إذ تحول الموضوع من عمل يدوي إلى استثمارات كبيرة، بعد أن خاض الرهبان في البيزنس والحسابات البنكية والبنوك لها حساباتها الأخرى والبيزنس له حساباته التي يجب على الراهب الناسك الابتعاد عنها"، يقول شفيق.

ويعتبر الكاتب والخبير أن الرهبنة التي أسسها القديس الأنبا أنطونيوس لم تعد موجودة، فيما يخص الغزلة والفقر الاختياري "كثير من الرهبان يخدمون في العالم، وهناك مَن يملكون سيارات حديثة".

ويفسر شفيق الإقبال على هذه المنتجات "في اعتقادي أن جزء منه ثقة في الجودة، فكما يثق المواطن في منتجات الجيش، ويقبل على شرائها، كذلك منتجات الأديرة، وهناك جانب آخر هو التبرك بالنسبة لقطاع كبير من المؤمنين. ولا يمكن لوم المواطن على ذلك، فهو في النهاية يبحث عن المنتج الجيد".