تصميم: يوسف أيمن- المنصة

الفاتحة لعشاق الدنيا: شريف الدسوقي "يخلي الناس تشوف معاه بجد"

مدد يا محرومين

مدد يا مجروحين

مدد يا متفرقين في دنيا ربنا

مدد*

الناس بتروح المسرح، الناس بتيحي من المسرح،

وأنا اتولدت واتربيت وعشت تلاتة وتلاتين سنة في المسرح.**


في سنة 1967 ولد الفنان شريف الدسوقي في الإسكندرية، في منطقة كامب شيزار، وتحديدًا في مسرح إسماعيل ياسين، كان أبوه عم دسوقي مديرًا للمسرح، ويعيش مع أسرته في منزل بناه خلف خشبته، كان البيت فعليًا جزءًا من المكان، لكن المسرح صار حياة شريف الدسوقي كلها.

يحكي شريف عن عم دسوقي، أبوه الذي جاء من الأرياف في خمسينيات القرن الماضي وبنى مسرح إسماعيل ياسين مع السيد بدير وأبو السعود الإبياري وإسماعيل نفسه، ثم صار لما يقترب من الثلاثين سنة مديرًا له حتى رحل، وعندما توفي أقيم عزائه على خشبة المسرح نفسه.

في طفولته وشبابه عمل شريف في كل مهن المسرح، تدرب على التمثيل من خلال مراقبته عظماء الممثلين الذين كان يقدمون مسرحياتهم على خشبة إسماعيل ياسين؛ فكان محمود المليجي، مثلًا، يحضر قبل رفع الستار بخمس ساعات متأبطًا النص الذي سيؤديه، ثم يطلب من شريف فنجانًا من القهوة ويبدأ في التدرب على دوره، فيجلس الطفل ذو الثماني سنوات يراقب عظيمًا مثل المليجي ويتعلم.

.. ولكنه حكاء

عرف شريف الدسوقي كل شيء عن المسرح، لكنه لم يحب شيئًا كحبه للحكي؛ يقف على المسرح، المكان الوحيد الذي يستعيد فيه نفسه، ثم يطلب من الناس قبل أن يحكي ترديد القسم "وحياة كل صوت سامعينه جوانا/ وحياة كل دقة قلب حسينها/ لنشوف معاك بجد".

حكاية عم دسوقي بأداء شريف في 2011


هكذا كان يحلم شريف، وهكذا رأى الدنيا، وهذا كل ما أراده من الجمهور، فقط، أن يشوف معاه بجد؛ يقف في وسط مسرح المركز الثقافي الفرنسي بالإسكندرية، ويقف في أتيلييه الإسكندرية، ومرة ثالثة في مركز أركان للإبداع، ومرات في الجزويت، فيبدأ بـ"الفاتحة للأنبيا والرسل وعشاق الدنيا"، ثم يحكي عن عم دسوقي والمسرح الذي استيقظ في أحد الأيام ليجد أن أحد رجال الأعمال اشتراه وسيقوم بهدمه "تهدوا بيتنا؟".

بعد المسرح؛ بعد أن يفرغ من الحكي، كان شريف يذهب إلى مقهى قديم بمحطة الرمل، ونجلس حوله لنستمع إلى مزيد من حكايته عن حياته شديدة القسوة بعد الخروج من مسرح إسماعيل ياسين، ومن خلال هذه اللقاءات الطويلة أرسم له هنا هذا البروتريه.

منزل من طابق واحد

عندما ترى شريف الدسوقي على المسرح يحكي أو يمثل تظن أنه جزء من ديكوره، ولا تستطيع أن تتخيله أبدًا بعيدًا عن تلك الخشبة، ربما كان شريف يتمنى بالفعل أن تسير حياته هكذا؛ أن ينتهي من دوره فيعود إلى غرفته بالمسرح يأكل أو ينام ثم يستيقظ ليبدأ يومه الجديد في جنباته، لكن أمنيته لم تتحقق، ولم يستطع بعد هدم المسرح/بيته أن يتأقلم بسهولة على العيش في منزل يتكون من أكثر من طابق "كنت بدوخ"، يقول لنا في جلسته على القهوة.

يحكي شريف أنه حتى الآن لم يشعر بالأمان كما شعر به في مسرح إسماعيل ياسين وأنه لم يجد لنفسه بيتًا إلا ذلك البيت، لكن خلف هذا الشخص الذي يبدو أنه لا يعرف عن الدنيا إلا المسرح تجد آخر منخرطًا في المجتمع بشكل مدهش، يعرف الشخصيات لا يمثلها فقط؛ يعرف الصيادين والترزية والعربجية، يعرف كل من يؤديهم؛ قابل جعفر والسباعي والأسطى مصطفى وعبد المنجي وحسين وغيرهم.

عرض بعنوان صندوق الدنيا عام 2014


يحكي لنا شريف أنه يفصّل الشخصيات وينتظر حتى يأتي دور يناسب إحدى ما نسجه عبر تجربته الواسعة جدًا، "أنا لو ما كنتش ممثل كنت هشتغل أي حاجة في البحر"، يقول لنا، لكنني أعتقد أن شريف الدسوقي لم يخلق إلا ليكون ممثلًا.

لم يكن هدم مسرح إسماعيل ياسين هي الصدمة الوحيدة في حياة شريف الدسوقي، ولم يكن المسرح هو العزيز الوحيد الذي أحبه ورحل عنه، بل يمكنني القول إن هدم المسرح كان بداية المأساة التي سيعيش شريف تفاصيلها بعد ذلك.

باب الاستوديو

إذا كانت لك أي علاقة بالوسط الثقافي في الإسكندرية في السنوات العشر الأولى من الألفية فأنت بالطبع سمعت عن شريف الدسوقي، بل إنك غالبًا حضرت أحد عروضه أو شاهدته في فيلم مستقل، وشخصيًا تعرفت على شريف في عام 2010، بعد عرض فيلم حاوي لإبراهيم البطوط، أتذكر جيدًا عندما ذهبت وصافحته على السلم المؤدي للمسرح الإيطالي بجزويت الإسكندرية، يومها كان مبهرًا بالنسبة لي أنه سيتوقف ليصافح شخصًا لا يعرفه ويعامله بكل ذلك اللطف والتقدير.

امتدت علاقتي بشريف الدسوقي بعد ذلك وتكررت جلساتنا على مقاهي وسط البلد في الإسكندرية، ثم توطدت بعد أن طلبت منه أن يقدم عرضًا للحكي الشعبي في فاعلية أنظمها مع مجموعة من الأصدقاء، وخلال تلك السنوات الطويلة التي عرفته فيها لم يتغير شيئًا عن ذلك الذي قابلته للمرة الأولى في الجزويت؛ الابتسامة نفسها والخجل نفسه، نفس الترحيب واللطف والتقدير، ونفس الالتزام في المواعيد؛ يأتي قبل موعد التصوير أو العرض بساعة، ويرفض تقاضي أي أجر إذا شارك في أي عمل غير ممول.

يظن شريف أن فيلم حاوي كان السبب في كل تغيير إيجابي لاحق في حياته، كان يقوم بدور عربجي الكارو جعفر الذي سيموت حصانه "يعني إيه ضرغام هيموت كمان شهر، دا أنا بنراعيه أكتر من عيالي (...) عارف يا ضرغام، أني مش مصدق اللي اتقالي من الدكتور بتاع البيطري، أني عارف إن انت هتبقى صح الصح"، لكن حياته في ذلك الوقت لم تكن وردية في الوقت نفسه، حيث إنه اضطر في أحيان كثيرة للعمل في وظائف أخرى غير الفن والمسرح حتى يجد قوت يومه.

إعلان فيلم حاوي 2010.


حارب شريف حتى عندما كانت حربه غير متكافئة واعتقد في الفوز حتى في الوقت الذي لاحت فيه كل إشارات الهزيمة، وفي اليوم الذي فاز فيه بجائزة أفضل ممثل في مهرجان القاهرة السينمائي عن دوره في فيلم ليل خارجي، لم أكن وحدي السعيد بذلك الخبر، أتخيل أن كل من عرف شريف أو شاهده يومًا شعر بالفخر والسعادة نفسيهما، يقول صديق لي "نسعد لأخبار شريف لأننا نشعر أنه واحد مننا، يخصنا"، وأقول نسعد لأخبار شريف ليس فقط لأننا نحبه، بل أيضا لأنها تشعرنا بأن هناك أمل بأن تكون الحياة منصفة ولو لمرات نادرة.

بعد الجائزة بدا أن المخرجين التفتوا لهذه الموهبة الملفتة التي أهملوها عقودًا، وتنهال على شريف عروض من السينما والتلفزيون، وتنفجر "النجومية" ويعرفه الناس، لكن فجأة تتغير نبرة الأخبار وتبدأ المشاكل من جديد.

لقاء مع شريف الدسوقي بعد جائزة فيلم ليل خارجي


مشاكل مع إحدى شركات الإنتاج ومع أحد أفراد نقابة المهن التمثيلية تتحول لعرض مستمر على برامج التوك شو وبالتالي على اليوتيوب، لست بصدد التعرض للمشاكل وأسبابها ولا محاولة الدفاع عن شريف، لم أعرف عن المشاكل أكثر مما عرف غيري من خلال الأخبار المتناثرة في كل مكان، لكنني حاولت تفادي سماعها بدافع عدم سماع أي سوء عنه، وكذلك تابعتها في مرات أخرى حتى أطمئن عليه، لكن الأمور تطورت بأسرع مما توقعت، يستغيث شريف ولا يهتم أحد ثم نستيقظ على أحد أسوأ الأخبار على الإطلاق، بتر قدم شريف الدسوقي.

لا أصدق الخبر، أحاول الاتصال به ولا يرد، أحاول البحث عن المزيد من الأخبار لتكذيبه، ثم أستسلم لأنها الحقيقة؛ يقول صديقي "عهدنا بالدنيا إنها مش عادلة وشريف الدسوقي له في رقبتها نجاح وتقدير كتير لسه ما أخدهوش وعهدنا بيه إنه مكمل ورا حلمه مهما حصل".

منذ العملية الجراحية يغلق شريف تليفونه في أغلب الأوقات، يبدو أنه أراد أن يصمت قليلًا عن الحكي، "زعلان من الدنيا يمكن"، لكنه أيضًا كريمًا في زعله حين يتركني مرة من نفسي كي أحكي، أنا الآخر وإن كانت هذه المرة عنه، ولو مؤقتًا، حتى ينهض من جديد، وينجح من جديد، مخلصًا إلى أمنيته الأزلية "يخلي الناس تشوف معاه بجد".


* من أحد عروض الفنان شريف الدسوقي.

** من عرض حكي "عم دسوقي" للفنان شريف الدسوقي.