تصميم: يوسف أيمن- المنصة

طاولة المقامر وشياطينه| دوستويفسكي في السينما المصرية: الإنسان منحرف ومجنون

فيودور دوستويفسكي من الأدباء العالميين "المحظوظين" الذين أدركت السينما المصرية أعمالهم، ولكنه أيضًا من سيئي الحظ الذين شوهت السينما نصوصهم وأفكارهم في معالجات سطحية لم تتخذ من الأصل سوى قشور الحكاية وكاريكاتير الشخصيات.

على عكس الميلودراما الأوروبية والأمريكية التي ذابت داخل السينما المصرية، فإن أعمال دوستويفسكي، بعمقها السيكولوجي ونغمتها الفلسفية المريرة تظل كائنًا غريبًا لا يندمج بسهولة داخل تقاليد وحدود السينما المصرية، حتى أن الأعمال المقتبسة عن دوستويفسكي تبدو غريبة canny، خاصة أن مخرجي وكتاب سيناريوهات تلك الأفلام كانوا ينظرون إلى المادة التي يتعاملون معها على أنها "شاذة" على المجتمع المصري، وأنها تعبر عن انحرافات في التفكير والسلوك "غير طبيعية".

يكتب دانيل جرانين، في مقال يستهل طبعة المركز الثقافي العربي من ترجمة سامي الدروبي لرواية الجريمة والعقاب، أن دوستويفسكي " ينظر إلى أبطاله نظرته إلى سر، فالأمير ميشكين سر، وإيفان كارامازوف سر، وستافروجين سر (...) إن دوستويفسكي يساعدنا على إدراك استحالة معرفة الإنسان ويطلعنا على لا محدوديته، وعلى فوضى مشاعره، ويرينا أي تناقضات وأي أعماق لا يمكن بلوغها تكمن في نفس الإنسان".

اقتبست السينما المصرية أعمال دوستويفسكي اقتباسًا مباشرًا في خمسة أفلام، اعترفت في عناوين أربعة منهم بالأصل المقتبس عنه، والخامس هو فيلم الجريح الذي اقتبسه مؤلفه ومخرجه مدحت السباعي عن الأبله بشكل لا يمكن إنكاره. السباعي قام أيضًا باقتباس الجريمة والعقاب في فيلم بعنوان الفقراء لا يدخلون الجنة (1984)، ولكنه أجرى بعض التغييرات لإخفاء "الجريمة"، ولذلك استبعدته من المناقشة في هذا المقال.

الجريمة والعقاب

في مقال دانيل جرانين، يكتب عن بطل الجريمة والعقاب "راسكولينكوف يظل بالنسبة لدوستويفسكي سرًا إلى حد كبير. وهو يحاول أن يفهمه، ويقدم لذلك عدة تفسيرات، إنه يعرف عن راسكولينكوف الكثير، يعرف أفكاره وأحاسيسه وكلماته وتصرفاته، ولكن ذلك لا يكفي لتفسير وتعليل الدوافع والبواعث الكامنة في اللاوعي التي أخذت براسكولينكوف للتصرف بما يخالف المنطق".

لنرى إذن كيف تعاملت السينما المصرية مع الرواية الأشهر لدوستويفسكي.

كان فيلم الجريمة والعقاب، إخراج إبراهيم عمارة، و سيناريو محمد عثمان (1957) هو أول عمل يقتبس بشكل مباشر، معلن، عن دوستويفسكي. كان عام 1957 مفصليا في تاريخ نظام ثورة يوليو: انتهت حرب السويس بانتصار (معنوي) كبير، بعد أن أجبرت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي دول الغزو الثلاث (إنجلترا وفرنسا وإسرائيل) على الانسحاب. وبدأت مرحلة جديدة من نظام عبد الناصر توجه خلالها إلى الشرق والاشتراكية، كما شهدت تلك الفترة ترجمات كثيرة للأدب الروسي ومنها أعمال دوستويفسكي الكاملة التي ترجمها سامي الدروبي وبدأ نشرها في الخمسينيات، ونشرت ترجمته للجريمة والعقاب في 1967. ومعنى ذلك أن فيلم عمارة لم يعتمد على تلك الترجمة، وبمشاهدة الأفلام العالمية التي سبق إنتاجها عن الرواية، يمكن القول أيضًا إنه لم يقتبس عن أي منها، ولكن عن الرواية مباشرة بلغة أجنبية أو عن ترجمة عربية سابقة لترجمة الدروبي.

فيلم الجريمة والعقاب


يلتزم فيلم الجريمة والعقاب بالرواية باستثناء بعض التغييرات التي تبدو طفيفة، مثل جعل البطل أحمد حسني ( شكري سرحان) وأمه وأخته يعيشون في شقة واحدة. في الرواية تعيش الأم والأخت في القرية، بينما يعيش راسكولينكوف بمفرده في المدينة.

التغيير الأخطر هو جعل الفتاة ابنة السكير التي تضطر للعمل كعاهرة جارة له، حيث يشاهد ما يجري في شقتهم من النافذة، وكما هو واضح فهو يحبها منذ الطفولة، أو على الأقل منذ سنوات طويلة. في الرواية يتعرف راسكولينكوف على الأب السكير في الحانة التي يتردد عليها، ويسمع منه قصة الفتاة، قبل أن يلتقي بها في مرحلة لاحقة. أما صديق راسكولينكوف الوحيد، زميله في الجامعة، فيلعب دوره هنا عبد المنعم إبراهيم (في واحد من أدواره النادرة غير الكوميدية) كشاب طيب، يعرف أسرة أحمد جيدًا، ويحب أخته، وبالفعل يتزوجها في النهاية، وهو يقدم هنا كنموذج للشاب المكافح، الشريف، على عكس البطل، والذي يكافأه القدر بأن يرث ثروة في نهاية الفيلم.

جو الحارة المصرية ذلك "الأسري"، الحميم، الذي تعيش فيه شخصيات فيلم إبراهيم عمارة يساهم في جعل شخصية البطل أكثر غرابة وانحرافًا. وبغض النظر عن هذه التغييرات التي تؤثر سلبًا على فهم أزمة البطل وفلسفته كما تعرضها رواية دوستويفسكي، فإن فيلم الجريمة والعقاب يلتزم بالرواية في الحبكة الدرامية والشخصيات الرئيسية، ولكن يخلو تمامًا من الأفكار والأحلام والتحليل النفسي الذي برع فيه دوستويفسكي قبل أن يولد علم التحليل النفسي على يد فرويد بسنوات، كما يخلو من التعليق الاجتماعي والسياسي حول الفقر المدقع الذي تعيش فيه الأغلبية، وتفقدهم كرامتهم وإنسانيتهم، ومن التأمل الديني في مصير الإنسان، والظلم الذي يتعرض له الناس، والغفران، ومعنى الخير والشر.

بدلا من هذا كله يحمل الفيلم المصري جرعة كبيرة من الحكم الأخلاقي المحافظ تجاه الشخصيات، على عكس أعمال دوستويفسكي التي تهدف إلى التشريح، لا الحكم. وتتضح تلك الصبغة الأخلاقية بوضوح في اختيار الممثلين وأداءهم التمثيلي، خاصة شكري سرحان. ينتمي سرحان، بطبيعته، لمدرسة "العصب" العالي، التي تعتمد على الصوت المرتفع والنبرات الحادة ولغة الجسد المفرطة.

إنه متكبر، لا يرغب في العمل، لأنه لا يريد أن يعمل في مهنة يحصل فيها على "بقشيش". في الرواية كان راسكولينكوف يعطي دروسًا للطلبة الصغار، ولكن الكوبيكات القليلة التي يحصل عليها لا تصلح للاعتماد عليها ولا تكاد تسد الرمق. أحمد حسني في الفيلم عصبي، عنيف، يعتدي على صاحبة المنزل عندما تأتي لمطالبتهم بالإيجار، ويصرخ في أسرته وكل من يلتقيه طوال الوقت، حتى الفتاة التي يحبها. وهو عصبي لدرجة أن الجميع يصفونه بأنه مجنون ولدرجة أن محقق الشرطة (محمود المليجي) يعرف أنه القاتل منذ أول لقاء بينهما.

تمتد المبالغة في رسم الشخصيات الرئيسية والأداء إلى الشخصيات الثانوية الأخرى: شفيق نور الدين في شخصية شحاتة السكير يؤديها بابتذال واستدرار للشفقة، روحية خالد في دور رتيبة، زوجته وأم أطفاله الثلاثة، المصدورة، التي لا تعرف كيف تطعم هؤلاء الأطفال أو نفسها، تقدم الدور بشكل كريه، يحرمها من أي تعاطف من قبل المشاهد، وهي أيضًا عصبية وعنيفة بشكل لا يصدق.

أما الدلالة، المرابية، "أم إبراهيم" التي قتلها أحمد، فتلعب دورها نجمة إبراهيم، ذات الوجه الشرير المرعب، في أداء يدعو المشاهد بوضوح إلى الرغبة في قتلها، ومن يشاهد الفيلم سوف يكتشف على الفور أن "أم إبراهيم" هي النموذج الأصلي الذي استقى منه محمد سعد شخصية الجدة "أطاطا".

وعلى النقيض من زوجة الأب والمرابية تلعب ماجدة دور "سامية" ابنة السكير العجوز كملاك من ملائكة الميلودراما المصرية. حتى عملها كعاهرة الذي تشدد عليه الرواية، يشير الفيلم مرة واحدة إلى عودتها من لقاء "الزبون" الأول ممزقة الثياب، وبعد ذلك، كعادة السينما المصرية، نراها تعمل في "كباريه" كمرافقة للزبائن ترفض أن تبيع لهم جسدها.

يصل زمن عرض فيلم الجريمة والعقاب إلى 135 دقيقة، وهو زمن طويل بمقاييس السينما المصرية، وبشكل عام يتعامل الفيلم مع مادته باحترام وجدية، ويكاد يخلو من التوابل الحريفة التي تمتلئ بها الأفلام التجارية، من كوميديا ورقص وغناء، وبمقاييس السينما العالمية آنذاك، يعد الفيلم عملًا جيدًا رائدًا في اقتباسه للأدب.

سونيا والمجنون

بعد عشرين عامًا يعاد اقتباس الرواية في فيلم سونيا والمجنون (1977)، إخراج حسام الدين مصطفى، سيناريو محمود دياب، وهو فيلم حقق نجاحًا تجاريًا كبيرًا مقارنة بفيلم إبراهيم عمارة، ولكن ليس لأن اقتباسه أفضل.

يتشابه الفيلمان في معالجتهما للرواية، وهناك بعض التشابهات الأخرى التي تشي بأن صناع سونيا والمجنون اقتبسوها من فيلم عمارة وليس من الرواية، ولكن من ناحية ثانية هناك اختلاف في المزاج العام للفيلمين. بينما ينحو إبراهيم عمارة للجدية، والحفاظ على روح الرواية، فإن حسام الدين مصطفى يضع عينه على العناصر التجارية ومغازلة الجمهور، ويتضح ذلك بداية من عنوان الفيلم.

في المشهد الأول من سونيا والمجنون يشير التاريخ المكتوب على صدر إحدى الصحف بأن الأحداث تدور عام 1946، وليس واضحًا في الفيلم لماذا هذا التاريخ تحديدًا أو لماذا لا تدور الأحداث في الحاضر، مثل فيلم عمارة؟

ينتمي محمود يس للمدرسة نفسها التي ينتمي لها شكري سرحان في الأداء المفرط، غير أن يس أكثر إثارة للتعاطف، وأكثر إيحاءً بالخلل النفسي والجنون.

فيلم سونيا والمجنون


يروي كاتب السيناريو مصطفى محرم في مقال بعنوان نور الشريف كما عرفته (3) أن نور الشريف الذي لعب دور المحقق اعترض على بعض الأشياء في السيناريو، حيث لم يجد شخصية البطل كما قرأها فى رواية دوستويفسكى، فوعده حسام بأنه سيجري التعديلات أثناء التصوير، ولكن "أثناء التصوير، فوجئ نور بأن محمود يس يقوم بأداء شخصية مجنون بشكل مبالغ فيه، وعندما تحدث حسام فى هذا الشأن، أخبره في ثقة المخرج الذى يعلم جيدًا ما يفعله بأن محمود يقوم بدور مجنون حقيقي، لأن عنوان الفيلم يقول هذا، وأنه هو وكاتب السيناريو قد قاما بتغيير اسم الفيلم من الجريمة والعقاب إلى سونيا والمجنون، فأخبره نور مستنكرًا بأنهم هكذا يخرجون عن رواية دوستويفسكي، فالمفروض أن الأحداث تدور في عقل كل من القاتل ووكيل النيابة، وليست فى أفعالهما، فالقاتل طالب في الجامعة مثقف، وتصل ثقافته إلى حدود الفلسفة والإنسانية المفرطة، وقد ارتكب جريمة قتل بعد تفكير عميق ومناورات من أجل هدف إنساني وهو إنقاذ روح بشرية، وهذا النوع من القتلة المثقفين حريصون للغاية ويحاولون أن يتحدثوا بصوت خفيض، لا أن يصيحوا ويرتعشوا كما يفعل محمود يس".

ولكن من الواضح أن اعتراضات نور الشريف ذهبت أدراج الرياح، فأداء يس والفيلم كله يحفل بالمبالغة والخلو من أي أثر للفلسفة والدين والنقد الاجتماعي الذين تحفل بهم رواية دوستويفسكي.

ومثلما يتشابه أداء محمود يس وشكري سرحان، يتشابه أداء عماد حمدي مع شفيق نور الدين، بل يفوقه مبالغة، وإغراقًا في الميلودرامية، على حد تعبير مصطفى محرم في المقال سابق الذكر، وكل منهما يرقص مترنحًا على أنغام أغنية في "الكباريه"، ويبدو أن شخصية الأب في الرواية تحير كتاب السيناريو في مصر، فبينما يلقى شفيق نور الدين مصرعه تحت عجلات سيارة في الجريمة والعقاب، فإن عماد حمدي بعد وصلات الرقص والتهريج يقرر أن يصبح "رجل البيت" فجأة، وأن يكف عن شرب الخمر ويمنع ابنته من ممارسة الدعارة. تتشابه في الفيلمين أيضًا كل من سهير رضا، التي لعبت دور أم غريب المرابية، مع نجمة إبراهيم، التي أدت أم إبراهيم، أما أطرف شبه فهو أن روحية خالد تلعب دور زوجة الأب، وهيبة، في سونيا والمجنون، بعد عشرين سنة من لعبها دور رتيبة في فيلم الجريمة والعقاب.

يلعب كل من محمود المليجي ونور الشريف شخصية المحقق في الفيلمين. ويتشابه أداءهما فهما أيضًا من مدرسة واحدة في التمثيل تعتمد على التكنيك الجيد وضبط درجة الانفعال. وكل من المليجي والشريف يغردان في سرب وحدهما في فيلمين يضجان بالأداء الصارخ، خاصة سونيا والمجنون.

في سونيا والمجنون تم حذف شخصية أخت المرابية التي يقتلها راسكولينكوف عندما تشاهد جريمته الأولى، وهي موجودة في فيلم عمارة، ربما لتخفيف نفور المشاهدين من الشخصية، كما تم تحويل شخصية الصديق (التي يؤديها هنا سعيد صالح) إلى شخصية كوميدية، تملأ الفيلم بالنكات والحركات المضحكة، على طريقة نموذج "صديق البطل" المنتشر في السينما المصرية.

الأبله

الأبله واحدة من أفضل أعمال دوستويفسكي وكانت الأقرب إلى قلبه رغم اعترافه ببعض العيوب التي تعاني منها، وعلى رأسها عدم تماسك بنائها، حيث كتبت بعض أجزاؤها على عجل ودون اعتناء، واحتوائها على كثير من الحكايات والتفاصيل التي تبعد عن الحبكة، ولكنها بالمجمل من أكثر أعماله عاطفية وذاتية، وكان يكتبها أثناء معاناته شخصيًا من نوبات لا تنتهي من الصرع، كان خلالها أقرب ما يكون إلى ضعف ورقة وأفكار بطل الرواية.

بطل الرواية الأمير ليون نيكولايفتش ميشكين وريث أسرة كبيرة ثرية، لم يتبق منها سواه وإحدى قريباته من بعيد. بعد رحلة علاج من الصرع لسنوات في سويسرا يعود ميشكين إلى روسيا مفلسًا، شديد الثقافة والحساسية، نبيل بشكل لا يصدق، لدرجة أن كل من يلتقي به يعتقد أنه أبله بسبب طيبته المفرطة. يذهب ميشكين إلى قريبته ويلتقي بشخصيات عديدة، ثم يكتشف أنه ورث ثروة كبيرة، وتتغير سلوكيات من يعرفهم نحوه.

تحولت الرواية إلى فيلم من إخراج مدحت السباعي بعنوان الجريح عام 1985، ولكن رغم الاقتباس الواضح للقصة والشخصيات لا تذكر العناوين شيئًا عن رواية الأبله.

يدور الجريح حول عصام الهلالي (محمد صبحي) الشاب الذي يعود من الخارج بعد فترة علاج ويذهب إلى الفيوم لزيارة قريبته الوحيدة المتبقية "زينات هانم" (سلوى محمود)، حيث يلتقي بزوجها لطفي الزناتي (فريد شوقي) وابنتهما الوحيدة نجوى ( ليلى علوي) ومساعد الأب كمال (مجدي وهبة)، ثم المرأة الجميلة بدرية (صفية العمري)، وبينما يعامله الجميع على أنه أبله لا قيمة له، يتبين أنه ورث ثروة طائلة.

فيلم الجريح


يبدأ الفيلم في مطار القاهرة بوصول الطائرة التي تقل عصام، الذي يذهب من المطار إلى المقابر مباشرة لزيارة قبر والديه، وهذه المقدمة التي تستمر لدقائق تصحبها أغنية حزينة من تلحين عمار الشريعي وغناء هدى سلطان بعنوان عيني عليك يا ولد، تضع المشاهد مباشرة أمام شخصية ومصير البطل. ومع نهاية الأغنية ينزل على لقطة ثابتة اسم الفيلم وجملة "كتبه وأخرجه مدحت السباعي".

بعد نهاية المقدمة يبدأ الاقتباس من الرواية برحلة القطار إلى الفيوم التي يلتقي خلالها بشخصية شريف (محي إسماعيل) الشاب الذي مات أبوه وعاد ليحصل على ميراثه من زوجة أبيه وأخيه غير الشقيق. يختصر الفيلم شخصيات الرواية الأصلية كثيرًا، ولا يبقي منها سوى على ابنة واحدة لعائلة الزناتي هي نجوى (التي تعادل أجلايا في الرواية) وكمال (الذي يعادل شخصية جابريل أو جانيا) وشريف (الذي يعادل روجويين) وبدرية (التي تعادل أناستاسيا).

يسير فيلم الجريح على منوال الأبله، في ربعه الأول، من ناحية الشخصيات والأحداث، لكن بشكل "كارتوني" يختزل هذه الشخصيات إلى صفة واحدة فقط من صفاتها، ولونين فقط إما الأبيض أو الأسود، فزينات امرأة مدعية، وزوجها رجل أعمال بلا قلب، يتبين لاحقًا أنه استولى على ممتلكات أسرة الهلالي بخداعهم، وكمال هو الشر المطلق، بينما شريف شاب طيب يحب بدرية ولا يستطيع الوصول إليها، وبدرية طيبة مطلقة. ربما تكون شخصية نجوى الوحيدة التي لا نستطيع أن نحدد من أفعالها هل هي أبيض أم أسود، ولكن الشخصية لم تتطور بالقدر الكافي لتصبح واقعية، ثم أن الفيلم يستبعدها في الجزء الأخير رغم أنها أصبحت حبيبة وزوجة عصام، ويجعله يموت بين ذراعي بدرية، التي لم تنشأ بينه وإياها علاقة كافية تبرر تلك النهاية.

تختفي أيضًا من شخصية عصام نقاء وسذاجة الأمير وقدرته الغريبة على الحكي التي تسحر حتى أكثر الذين يسخرون منه. والطيبة التي رآها محمد صبحي ومدحت السباعي في الشخصية هي "أخلاقية" أكثر منها طبيعة بريئة لإنسان لا يستطيع أن يفهم شرور وتعقيدات البشر. هو إنسان جيد بينما في الرواية هو أقرب أن يكون ملاكًا سقط بالخطأ إلى الأرض، أو قديس إنساني، لا بالمعنى الديني.

في الربع الأخير من الفيلم يفقد الجريح صلته بالرواية تمامًا، يستحوذ عصام على منزل وأملاك لطفي الزناتي، ويسمح لأسرته أن يقيموا في المنزل معه، تحاول نجوى قتله، ثم تكتشف أنه طيب عندما يتصدى لمحاولة أخرى لقتل أبيها على يد منافسه "عوضين" (الذي لا نراه طوال الفيلم). يتزوج عصام من نجوى، ويكتشف أنه مصاب بورم في المخ وعلى وشك الموت. كمال ينصب على بدرية وشريف يقتل كمال، ثم يهاجم فلاحو القرية الأجلاف بيت بدرية ويحاولون قتلها رجمًا، غير أن عصام يتصدى لهم، في مشهد مقتبس مباشرة من قصة المسيح ومريم المجدلية. يموت عصام بين يدي بدرية على شاطئ البحيرة.

في الرواية لا يموت الأمير ميشكين، ولكن حالته العقلية تتدهور بعد قيام روجويين بقتل أناستاسيا بدافع الغيرة وحبه لها. وهو لا يتزوج من أجلايا بسبب تعاليها عليه من ناحية وغيرتها من أناستاسيا من ناحية ثانية، وتنتهي الرواية بوقوعها في يد محتال بولندي، فترحل معه وتخسر سعادتها وأسرتها.

يمكن أن تلاحظ أن الأمير ميشكين ليس محركًا أساسيا في الأحداث التي تقع للشخصيات. إنه أشبه بشاهد أو طيف غير مرئي، أو بالأحرى هو النور الذي يضيء ألوان وأشكال تلك الشخصيات التي تعيش في ظلام صراعاتها وطباعها..وحتى عندما يحاول أن يتدخل لإنقاذهم مما هم فيه، فإن جهوده تضيع هباءً غالبًا.

إن الموضوع الحقيقي لرواية الأبله، ليس قصة الأمير ميشكين، الذي يبدو غير واقعي كما لو أنه قادم من كوكب آخر، ولكن دناءة وتعاسة الحياة البشرية التي تقوم على الكذب والادعاء والغيرة والتصارع على المال والسلطة. لا يوجد هنا شيء من أفكار الأمير السوداوية بسبب الموت، وبالتحديد عقوبة الإعدام، ولا فلسفته حول الدين والطبقة الأرستقراطية، ولا حتى عن شفافية الرؤية ورقة الإحساس اللتين يشعر بهما إبان نوبات الصرع، ولا عن نظرته الثاقبة لحقيقة الناس.

الإخوة الأعداء

الإخوة كارمازوف هي أكبر أعمال دوستويفسكي وأكثرها تأثيرًا على الأدب العالمي. وهي أيضًا آخر أعماله المنشورة قبل وفاته في 1881. وصفها عالم النفس سيجموند فرويد بأنها أعظم رواية كتبت على الإطلاق، وكتب عنها دراسة طبق فيها نظريته عن عقدة أوديب وطقوس قتل الأب في الحضارات القديمة، التي طورها فيما بعد في كتابه الطوطم والمحرم.

كما هو معروف تتناول الرواية قصة أب لأربعة أبناء تجمعت فيه معظم النقائص، وتسبب في نشأة أبناءه بشكل غير سوي: ثلاثة منهم يكرهونه ويتمنون موته، ديمتري العابث مثل أبيه، وإيفان المثقف الملحد (الذي يشبه راسكولينكوف بطل الجريمة والعقاب) وبافل، الابن غير الشرعي وغير المعترف به، الذي يعاني من الصرع والضعف العقلي، وهو تلميذ مخلص لتعاليم أخيه إيفان، يحاول أن يطبقها عمليا بقتل الأب (بشكل ما يشبه النصف المجنون في راسكولينكوف). أما الابن الرابع ألكسي فهو راهب يتغلب على الاضطراب النفسي بالتدين الشديد وحب الجميع وعمل الخير في كل الظروف.

جمع دوستويفسكي في روايته كثيرًا من الشخصيات والأفكار التي عمل عليها من قبل، ليصنع سيمفونية روائية، تتميز بتعدد الأصوات، وتعدد وجهات النظر، سرعان ما صبغت أدب القرن العشرين بصبغتها، ووضعت دوستويفسكي كرائد وملهم للأدب الحديث.

تحولت الرواية إلى فيلم مصري بعنوان الإخوة الأعداء (1974) من إخراج حسام الدين مصطفى، عن سيناريو شارك فيه كل من الناقد رفيق الصبان والمخرجة نبيهة لطفي وحسام الدين مصطفى نفسه.

فيلم الإخوة الأعداء


من الناحية الفنية، يمكن القول أن الإخوة الأعداء، هو أفضل فيلم مقتبس عن دوستويفسكي قدمته السينما المصرية، تميز بسيناريو محكم وعدد كبير من نجوم التمثيل: يحي شاهين، نور الشريف، حسين فهمي، سمير صبري، نادية لطفي، مرفت أمين، بجانب عدد من ضيوف الشرف منهم عماد حمدي، أحمد مظهر، صلاح ذو الفقار وعبد الوارث عسر. هو فيلم طموح لمخرج شديد الطموح، حتى لو كان لدينا ملحوظات كبيرة حول إمكانياته ومفهومه عن فن السينما.

حافظ السيناريو على بناء الرواية وشخصياتها الأساسية، وبقدر الإمكان حاول أن ينقل فكرة "تعدد الأصوات" التي كتبت بها الرواية، حيث تعبر كل شخصية عن أفكارها بحرية، وتقنعنا بمنطقها، وتثير تعاطفنا، بالرغم من التناقضات الهائلة بينها.

هذه "الموضوعية" في عرض الموضوع والشخصيات تعارضت بشكل مبدئي مع أسلوب حسام الدين مصطفى "الذاتي"، الذي تبدو معه الكاميرا كما لو كانت حكمًا ومعلقًا على الأحداث والحوارات.

منذ المشهد الأول في الفيلم، الذي ينطلق فيه الابن توفيق (حسين فهمي) بالعربة التي يجرها حصان، وينهال صراخًا في السائق وضربًا في الحصان ليسرع كالمجنون، فيما تتوالى اللقطات من شتى الزوايا للعربة المسرعة، وللحصان والسائق وتوفيق، يبدو الأمر وكأن المخرج يستعرض عضلاته بغض النظر عن المبالغة في التعبير التمثيلي والسينمائي المعروض أمامنا.

يستمر هذا الأسلوب المفرط، المتحذلق، طوال الفيلم، من خلال اللقطات ذات الزوايا الغريبة واللقطات المقربة جدًا على وجوه وعيون الممثلين، كما يستمر في أدائهم التمثيلي الميلودرامي الهيستيري، كما لو كانوا جميعًا، وليس حمزة الأرماني (محي إسماعيل) فقط، يعانون من الصرع.

هذا الإفراط في التمثيل وحركة الكاميرا يجذب المشاهد المعتاد على الميلودراما، وقد يكون تعبيرًا عن الحيوية الشديدة التي تتسم بها لغة دوستويفسكي وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث، ولكنه أيضًا يأتي على حساب التأمل والعقلانية التي تتسم بها أعماله.

لا وجود في كل من سونيا والمجنون والإخوة كارامازوف للمناقشات الفلسفية الصارمة أو للأحلام التي تراود الشخصيات في نومها وتعبر عن وعيهم الباطن ودوافعهم غير المفهومة، وإذا كان دوستويفسكي أول أديب عالمي يطرح فكرة أن النفس البشرية من التعقيد والتعدد بحيث لا يمكن فهمها، فإن الشخصيات في سونيا والمجنون والإخوة كارامازوف ذات بعد واحد بشكل يحولها إلى كاريكاتير.

وإذا كان دوستويفسكي في الإخوة كارامازوف، قد حاول أن يعبر عن هذا التعقيد والتعدد دراميا بخلق شخصيات متناقضة متصارعة، فإن تجريد هذه الشخصيات إلى بعد واحد فقط يصرخ كل منهم في وجه الآخر ينقل الصراع من الداخل للخارج ويحوله إلى صراع بين شخصيات وليس صراعًا داخل الشخصية الواحدة.

في المشهد الأخير من الفيلم يتحول شوقي الأرماني (نور الشريف) فجأة من ملحد إلى متدين يظل يصيح في قاعة المحكمة "ربنا موجود" بلا توقف مع نزول عناوين النهاية. وهكذا تختزل رواية دوستويفسكي بصراعاتها الدرامية والعقلية المهلكة وغير المحسومة إلى حكمة دينية شعبية تتلخص في أن "ربنا موجود".

الشياطين

ثلاثة من خمسة أفلام مقتبسة مباشرة عن دوستويفسكي قام بإخراجها حسام الدين مصطفى، الذي يبدو أنه عثر على رابط مشترك أو إلهام ما في أعمال الأديب الروسي، لا أستطيع تحديد ماهيته، ولكن ربما يكون العالم الغريب والعلاقات العنيفة والتعبير العاطفي الجياش الذي تحتويه تلك الأعمال، أو ربما يكون ببساطة تفاءل باسم دوستويفسكي بعد النجاح الكبير الذي حققه فيلم الإخوة الأعداء، وهكذا في عام واحد هو 1977 يقدم حسام الدين مصطفى فيلمين عن أعمال دوستويفسكي هما سونيا والمجنون والشياطين، المأخوذ عن الرواية التي تحمل الاسم نفسه، وكلاهما عن سيناريو للكاتب محمود دياب.

الشياطين هي أكثر أعمال دوستويفسكي "سياسية". في أعماله الأخرى تأتي الأوضاع السياسية بشكل عابر في إطار تشريحه للصراع الطبقي وحياة وسلوكيات الأثرياء الإقطاعيين والفقراء عبيد الأرض وصغار الموظفين. ولكن الشياطين تدور حول جماعة سرية هدفها القيام بعدد من الاغتيالات السياسية للعائلة المالكة ورجال الحكم. ويتناول دوستويفسكي، لأول مرة في الأدب ربما، ظاهرة الإرهاب السياسي، ومدى مشروعيته وأخلاقيته.

نحن إذن أمام مشروع أدبي يناقش أخلاقيات السياسة، والفكرة التي طالما راودت دوستويفسكي حول مشروعية ارتكاب الشر لتحقيق أهداف نبيلة.

فيلم الشياطين


ومرة أخرى لا نجد شيئًا من هذا في فيلم الشياطين، فالجماعة الإرهابية التي يترأسها حسين فهمي عبارة عن قائد هيستيري متوحش وأتباع ينفذون تعليماته كالخراف أو يقررون أن ينسحبوا من التنظيم خوفًا.

يبدأ الشياطين بلقاء أعضاء التنظيم في منطقة مهجورة مرتفعة عن سطح البحر، حيث يقوم أدهم (حسين فهمي) بالتخلص من عضو قرر الانسحاب ويقوم بالتنفيذ عضو مطيع يلعب دوره محي إسماعيل.

يعتمد حسام الدين مصطفى في الشياطين، مثل الفيلمين السابقين، على كتيبة من نجوم السينما المصرية آنذاك: نور الشريف، حسين فهمي، محمود عبد العزيز، نورا، مجدي وهبة، محي إسماعيل وعماد حمدي وأمينة رزق، كما يعتمد على "التغريب" البصري الذي يصبغ أعماله المتأخرة، من زوايا كاميرا وحجم لقطات واستخدام للزوم إن، واللقطات المقربة جدًا، وكالعادة على الأداء التمثيلي الانفعالي المفرط.

تحت عنوان شياطين بلا سبب يكتب الناقد سامي السلاموني دراسة مقارنة مهمة بين رواية دوستويفسكي وفيلم حسام الدين مصطفى، يشرح فيها ظروف كتابة الرواية وعلاقة شخصياتها بأفكار ومشاعر كاتبها، وكيف تحولت الخلفية السياسية وتحليل الشخصيات في الرواية إلى تسطيح وعبث لا معنى له في الفيلم، يقول"من الواضح جدًا أن حسام مصطفى فسر العمل كله لحسابه الخاص.. ولم يأخذ منه سوى هذه التصرفات العصبية والمجنونة لشخصياته ليصنع المشاهد التي تعجبه شخصيًا" (سامي السلاموني- الأعمال الكاملة- هيئة قصور الثقافة- الجزء الثاني- ص 118).

في الشياطين يدمج دوستويفسكي الصراعات السياسية والفكرية التي كانت تموج بها روسيا القيصرية آنذاك، بالصراعات التي كانت تعتمل داخله بين المثالية والواقعية وبين التدين والإلحاد وبين حب البشر وإدراك انحطاطهم. ولكن فيلم حسام الدين مصطفى لم ير في الرواية سوى الغرابة والهيستيريا.

مؤلف السيناريو محمود دياب نقل الأحداث إلى مصر 1948، وهو نفس ما فعله في سونيا والمجنون، ولكن في كلا الفيلمين لا نجد من نهاية الأربعينيات في مصر سوى الطرابيش الحمراء، وبعض العبارات التي تشير للقصر أو الوضع السياسي العام. ورغم أن التنظيم السري في الفيلم هدفه ضرب الاستعمار البريطاني والعائلة المالكة، لكن ما يفعله أعضاء التنظيم يبدو انحرافًا إجراميًا لا علاقة له بالخلفية السياسية، ولا بمعاناة هؤلاء الشباب من روح العصر الذي يعيشون فيه. والحقيقة أن فيلم الشياطين درس في درجة الرداءة التي يمكن أن يصل إليها الاقتباس غير الواعي.


للعودة إلى الصفحة الرئيسية للملف.