السيناريست أحمد عامر

السيناريست أحمد عامر: حوار مع "الطفل المعجزة" عن "ريش" وإملاءات الرجل الأبيض

ما يميز السينما المستقلة في مصر هو أنها سينما غير تجارية تستوعب بداخلها الغرباء أو القادمين من خارج الوسط السينمائي. ومن ضمن هؤلاء الغرباء السيناريست والمخرج والمنتج أحمد عامر الذي أخرج فيلم بلاش تبوسني وكتب عدة أفلام مهمة في العقد الأخير ومنها الشتا اللي فات (2013) وعلي معزة وإبراهيم (2016) وريش (2021) الذي فاز بجائزة في مهرجان كان السينمائي وأثار ضجة في مهرجان الجونة.

لم تكن لعائلة أحمد عامر، الذي ولد عام 1977، علاقة من قريب أو بعيد بالسينما خاصة أو الفن عامة. كان عامر يتمتع منذ الصغر بذكاء لامع، بدأ يقلد والدته التي كانت تحب القراءة حتى تحول من القراءة إلى كتابة القصص وهو بعد طفل صغير لتنافس قصصه القصيرة في عدة مسابقات ويحصل على بعض جوائزها.

الطفل المعجزة

كان عامر بحق هو الطفل المعجزة حيث ألتحق بكلية الهندسة بالجامعة الأمريكية وهو في عمر الرابعة عشر عاما فقط. كان أصغر طالب في الجامعة حتى أن البعض كان يلقبه بـ"طفل الجامعة".

ولأنه بدأ حياته العملية وهو في سن المراهقة، كانت التقلبات التي واجهها، والتي تواجه أغلب الناس في حياتهم، أكثر دراماتيكية وتناقضًا، والأهم أنها حدثت على امتداد زمني أكبر. فبعد أن تخرج من كلية الهندسة بدأ في دراسة مجال آخر مختلف تمامًا حتى حصل على درجة الماجستير في المال والاقتصاد.

كان في هذه المرحلة بدأ يعمل في أحد البنوك في مصر واستمر بهذا العمل لست سنوات كاملة. يحكي لنا أحمد عامر عن هذه الفترة فيقول "كنا نقوم بتمثيل وإخراج مسرحيات خفيفة كأحد أنشطة البنك". ليضيف "حلم السينما كان في عقلي على مدار كل هذه السنوات ولكن بحكم تربيتي لم أكن أعتبر الفن مهنة".

يتوقف قليلا حتى يمهد للحديث عن اللحظة التي غيرت حياته تماما فيقول "وفي 2003، وأنا بعمر 26 عاما، ذهب لمديري بالبنك وقلت له أريد أن أعمل بالسينما. كان متفهمًا جدًا. فقال لي فلتأخذ إجازة لمدة عام وإذا لم تنجح في مسعاك فمكانك محفوظ بالبنك. سافرت إلى الولايات المتحدة وحصلت على ورش تدريب سينما وكتابة سيناريو".

عاش عامر في الولايات المتحدة لفترة ليست بالقصيرة وما زال يسافر إليها من آن لآخر بعدما كتب وأخرج وأنتج عدة أفلام مصرية حققت نجاحًا جيدًا وحصدت عدة جوائز محلية ودولية. يقول عامر "في الولايات المتحدة، كنت أعمل بأي عمل فني يمكنني الوصول إليه. عملت كمتطوع في مهرجان نيويورك العربي الأمريكي للكوميديا ​​ثم أخرجت مسرحية ثم كتبت وأخرجت مسرحية أخرى. وعلمت أيضا في عدة أفلام في كل المهام ولكن وجدت أن كل ما أريد صنعه في السينما ينتمي إلى مصر. ولذا صنعت فيلم قصير اسمه عائلة محترمة".

اللقاء الذي غير حياته

لم يلق عائلة محترمة الفرصة المناسبة وضاع في زحام مئات الأفلام التي كانت تعرض في هذه الفترة في عدة مهرجانات صغيرة للهواة مثل مهرجان الساقية للأفلام. ولكن عرض الفيلم في مصر جعل السيناريست الشاب يشعر أن عليه العودة إلى بلاده وأن المكان الوحيد والأفضل له لصنع الأفلام التي يريد صنعها هو مصر. ولكن الأمنيات وحدها لا تكفي.

عاد أحمد عامر إلى مصر ولكن لم يستطع أن يدخل المجال السينمائي، حاول بكل الطرق حتى أنه جمع عناوين كل شركات الإنتاج وحاول أن يقدم سيناريوهاته إلى أصحابها ولكنه لم يستطع مقابلتهم فتركها للسكرتارية حتى قابل أخيرًا مؤسس وقديس السينما المستقلة في مصر المخرج إبراهيم البطوط، أثناء عرض فيلمه عين شمس من خلال صديق مشترك، فعرض عليه فكرة فيلم.

يقول عامر "لم يتحمس إبراهيم البطوط لفكرة الفيلم التي عرضتها عليه. ولكنه قال لي إنه يريدني أن أكتب معه فيلمًا آخر. كان هذا الفيلم هو علي معزة وإبراهيم".


في هذه اللحظة بدأ عامر طريقه الحقيقي للسينما في مصر. كان البطوط مرحبًا ومقدرًا، والأهم متعاونًا جدًا مع عامر، حيث رشحه أيضًا للمشاركة في كتابة مسلسل الجامعة مع مجموعة من الكتاب الشباب وقتها والذين الآن يعتبرون من أكثر كتاب السيناريو موهبة وأصالة.

ومن هذه اللحظة كتب عامر أفلام الشتا اللي فات (2013) وعلي معزة وإبراهيم (2016) والفيلم الإيراني البحث عن أم كلثوم (2017) وبلاش تبوسني (2018) وعفريت ترانزيت (2020) وريش (2021) وغدوة (2021).

رجل المهام الصعبة

والملاحظ سيجد أن أغلب هذه الأفلام يشارك عامر في كتابتها ولا يكون الكاتب الوحيد للفيلم. سألته "لماذا يحدث ذلك؟" ليجيب "بالفعل لم أبدأ فيلمًا من بدايته، دائمًا ما يطلبون مني أن أدخل في مرحلة ما من أجل كتابة السيناريو. توجد بعض الأفلام حيث أنا الكاتب الرئيسي للسيناريو في الفيلم مثل علي معزة وإبراهيم وبلاش تبوسني وغدوة للمخرج والممثل ظافر العابدين. ولكن في الأغلب الأعم المنتجون والمخرجون يلجأون إليَّ لأنهم يعرفون أنني قادر على كتابة سيناريو متماسك. الكثير من المخرجين لا يعرفون كيف يكتبون أفكارهم على الورق. تكون لدى المخرج رؤية مثل شريف البنداري أو عمر الزهيري أو إبراهيم البطوط ولكنه يجد صعوبة في ترجمة أفكاره على الورق. ودوري أن أحول أفكاره، المتوافقة أيضا مع أفكاري، في شكل فيلم متماسك حتى يتحرك الفيلم ويتم صنعه".

يمكننا أن نجد في الأفلام التي كتبها أحمد عامر الكثير من التيمات والموتيفات المتشابهة مثلا الاهتمام الشديد بالمهمشين وأيضا نجد للحيوان دورًا هامًا في تحريك الحدث. سألته عن إضافته وبصمته في السيناريوهات التي لم يخرجها فقال إن "فكرة المعزة كمثال في علي معزة وإبراهيم هي فكرة إبراهيم البطوط. لكن دورها ووضعها في الفيلم هو عملي في السيناريو. نحن نكمل عمل بعض وهو ما يسفر عن تعاون وسيناريو قوي ومتماسك".

الجيل الجديد

على الرغم من أنه كان "طفلًا معجزة" حيث بدأ حياته العملية وهو بعد في الثامنة عشر من عمره إلا أنه تأخر كثيرا في الدخول إلى عالم السينما حيث سبقه الكثير من أبناء جيله، إلا أنه وفي سنوات قليلة استطاع أن يكون السيناريست الأهم الذي يعتمد عليه هذا الجيل بداية من أحد مؤسسي السينما المستقلة في مصر إبراهيم البطوط مرورا بواحد من أكثر مخرجيها إبداعا وهو شريف البنداري حتى المخرج الحاصل على الجائزة الكبري في أسبوع النقاد بمهرجان كان السينمائي وهو عمر الزهيري.

عندما سألته عمّا يميز هذا الجيل من السينمائيين، حاول صاحب بلاش تبوسني في البداية أن يتملص من السؤال، ولكن وبعد تردد وتفكير طويل قال "يحاول جيلي الخروج عن الشكل النمطي المعتاد. لا يريدون تقليد صناع سينما محددين أو حتى أجانب ولكن لديهم أفكارهم وأسلوبهم الخاص مثل آيتن أمين والتي لديها عالم خاص يشبهها فقط وعمر الزهيري الذي لديه تجربة متفردة ومجدد على المستوى العالمي لا المصري فقط، وهالة لطفي والتي لديها أسلوب وعالم خاص بها وأحمد عبد الله السيد الذي لديه تجريب وروح مغامرة حيث كل فيلم جديد له يختلف تماما عما سبقه، ونادين خان التي لديها عالم وطريقة محددة للعمل وقدرة على السيطرة على مجاميع كبيرة وشريف البنداري الذي لديه أسلوب وطريقة خاصة في التعامل مع الممثلين. كل واحد منهم لديه سمات تميزه ويهتم بمواضيع وأساليب مختلفة عن الآخرين". ثم استطرد مجملًا "الاختلاف هو ما يميز هذا الجيل الذي أنتمي إليه".


استدعاء أسماء هؤلاء المخرجين دفعني لمناوشته بسؤال عما إذا كان السيناريست لا يحصل على الشهرة التي ينالها المخرج؟

أدهشني تواضعه وتفهمه للعبة حينما قال "في البداية والنهاية، الفيلم هو فيلم المخرج. ودوري كسيناريست أن أساعد المخرج للحصول على أفضل نتيجة لأني جزء من مشروعه. وبشكل خاص لا أحب الشهرة ولا أريدها حتى حينما أحضر المهرجانات مع الأفلام التي أشارك فيها، لا أكون مرتاحًا حينما تكون الأضواء مسلطة علي. لا أحب حتى التصوير وأحاول دائما أن أبدو سعيدًا على الرغم من ضيقي الشديد من هذه الأجواء التي لا تناسبني. فأنا لا أحب التجمعات الكبيرة وأفضل المكوث في البيت".

عمل أحمد عامر مع مجموعة من المخرجين الذين يختلفون في أفكارهم وأساليبهم إلا أنهم يجتمعون جميعًا على اهتمامهم الشديد بالكتابة. سألته "كيف توفق بين طريقتك في الكتابة ومتطلباتهم؟" ليجيب "استغرقت وقتا طويلا كي أستطيع فعل ذلك. الأمر صعب للغاية. دائما ما أوجد لنفسي مدخلا شخصيا يجعلني أحب الفيلم وأريد العمل فيه". اشتبكت بالسؤال عن فيلم علي معزة وإبراهيم بالذات ليجيب "هذا الفيلم يتناول المهمشين. وأنا شخص مختلف عن عائلتي تمامًا. فكل أفراد عائلتي مهندسون وأطباء وليس لهم علاقة بالفن. ولذا دائما أكون متعاطفًا مع الشخص المختلف الذي يحاربه الجميع بسبب اختلافه. هذا كان مدخلي للفيلم. فكرة إبراهيم البطوط في البداية لم يكن فيها أي شيء يتعلق بالكوميديا السوداء ولكني أقنعته بالموضوع حتى وافق. وحينما جاء شريف البنداري ليخرج الفيلم كان الفيلم مكتملا إلى حد كبير".

هل نستطيع أن نقول إن بصمة عامر في كل الأفلام التي كتبتها تتعلق بالمهمشين حيث إننا نجد ذلك في أفلام ريش وبلاش تبوسني؟ طرحت عليه هذا السؤال ليؤكده؛ "بالتأكيد. وهو ما تجده فعلا في بلاش تبوسني حيث كيف ينظر الناس إلى الفنان كشخص مختلف من وجهة نظرهم. الموضوعات التي تشغلني جدا هي التي أضيفها إلى الأفلام التي أكتبها".

أفلامنا القديمة أكثر حميمية

منذ أسابيع قليلة ضجت الساحة السينمائية بتعليقات الممثلة حلا شيحة التي كانت تريد حذف مشاهد ظهرت فيها مع المغني تامر حسني في فيلم مش أنا وهو ما أعاد نقاش الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي حول فيلم بلاش تبوسني وبطلته. سألته عما إذا كانت تجربته في هذا الفيلم شخصية ليوضح أنه كان يعمل "على فيلم قصير وكان فيه مشهد حيث البطل يحضن البطلة. قابلت الكثير من الممثلات حتى استقريت على إحداهن للقيام بالدور. الكثير من الجمل التي تقولها بطلة فيلمي بلاش تبوسني ياسمين رئيس مأخوذة بالنص من المقابلة التي حدثت بيني وبين هذه الممثلة التي لم تكمل في مهنة التمثيل. كان هذا الموقف هو نواة الفيلم الرئيسية".

أخذ نفسًا طويلًا وكأنه يسترجع ذكريات قديمة ثم أضاف "تربيت على الأفلام المصرية القديمة التي بها الكثير من المشاهد الحميمية والقبلات والتي كانت تعرض في القنوات المصرية وفجأة وجدت تغيرًا كبيرًا في الأفلام بغياب هذه الحميمية".

يظهر المخرجان محمد خان وخيري بشارة في فيلم عامر بلاش تبوسني بشخصيتيهما الحقيقية، وهو ما يعكس تأثرًا بهما لم ينكره بل تحدث عنه أكثر ضمن من قال، بعد تردد حتى لا يسقط أحدًا، إنه تأثر بهم من مخرجين "محمد خان خاصة أحلام هند وكاميليا وخيري بشارة وخاصة الطوق والأسورة. هذه هي الأفلام التي جعلتني أريد أن أعمل بالسينما. أيضا أفلام يسري نصر الله جعلتني أفهم أنه توجد سينما مصرية مختلفة. أحب أيضا أفلام كمال الشيخ ومن الأجانب شارلي شابلن وجاك تاتي".

كتب مؤخرا العديد من النقاد الأجانب عن تأثر فيلم ريش بالمخرج والمؤلف والممثل الفرنسي جاك تاتي وهو ما يقول عنه "التأثر واضح جدا بالفعل ولكنه ليس مني ولكن من مخرج الفيلم عمر الزهيري وهو تأثر موجود حتى في فيلمه القصير. ولكنا توافقنا على اهتمامنا بتقديم أحداث غير منطقية وعالم غريب".


أين دور وزارة الثقافة؟

في عالم السينما الفنية اليوم، تسود المنح والجهات المانحة حيث يعيش الفيلم وصناعه في رحلة طويلة من البحث عن منح لتطوير سيناريوهات أفلام ثم لإنتاجها وأخيرا لمرحلة ما بعد الإنتاج وهو بالتأكيد ما يسبب عوائق وتأخيرًا كبيرًا في عملية صنع الأفلام الآن. سألته عن كيفية تعامله من منظومة المنح "نصنع الفيلم الذي نريده بالطريقة التي نريدها وإذا لم نتوافق معهم في ذلك لا نعمل معهم". ثم أضاف مؤكدًا "لا يغصبنا أحد على شيء. إما يرفض تقديم منحة للفيلم الذي نعمل عليه أو لا".

وفي الوقت نفسه، يتمنى السيناريست الشاب دورًا أكبر لوزارة الثقافة في تمويل الأفلام المستقلة و"أن توجد فرص أكثر للتمويل، فمنح الإنتاج قليلة جدًا في الوطن العربي فمثلًا في الدنمارك ستجد مؤسسة السينما تمول أفلامًا كثيرة جدًا وأتمنى بالتأكيد أن تعود منح وزارة الثقافة المصرية لتمويل الأفلام مرة أخرى"، ثم مضى قائلًا "أحيانًا أشعر أنه يقع علينا وعلى أفلامنا ظلم من المنح الأجنبية والقائمين عليها". سألته "لماذا؟" ليوضح "إذا كنت مخرجًا سويديًا وكتبت فيلما عن قصة حب برؤية وبنية مختلفة فسيجد الفيلم من يموله، أما نحن فدائمًا ما يريدون أن يروننا نناقش موضوعات محددة. وأنا لا أقبل إملاءات الرجل الأبيض ورؤيته الاستشراقية بل أفضل دائمًا أن أكتب ما أريد بالأسلوب الذي أريده".

سألته بإصرار وهل رفضت سيناريوهات لك لهذه الأسباب؟ أجاب "صدقني لا أعرف. أقدم الفيلم ثم يرفض ولكن الجهات المانحة لا تقول لك أبدًا سبب الرفض ولكني دائما أخمن. والقائمون على هذه المنح بالتأكيد لن يقولوا لك رفضنا الفيلم لأنه ليس استشراقيًا".

يري عامر نفسه في الأساس كسيناريست ثم مخرج ثم منتج. يقول "أكثر ما يمتعني الكتابة والإخراج على الرغم من أهمية الإنتاج إلا أنه به الكثير من أمور التمويل والعقود والاتفاقيات فالجزء الأكبر منه لا يتعلق بالإبداع. الإخراج مجهد جدا بالنسبة لي وهو ما حدث لي في فيلم بلاش تبوسني ولذا قلت لنفسي أن فيلمي القادم كمخرج يجب أن يكون في ظروف أفضل لأن شعري أصبح أبيضا بسبب مهنة الإخراج".