مركز شباب الحي السادس بمدينة السادس من أكتوبر. الصورة: مديرية الشباب والرياضة بالجيزة- فيسبوك

بيزنس الملاعب الخضراء: المجانية تنتهي عند بوابة مركز الشباب

قبل تطويرها كانت ملاعب كرة القدم في مركز شباب الأمل بمدينة الخانكة في القليوبية أرضًا رمليةً أو بلاطًا، مفتوحة بالمجان لأعضاء المركز ممن دفعوا رسومًا رمزية سنوية للاشتراك، ولكن بعد تجديد الملعب الخماسي بالنجيلة الخضراء وإضافة كشافات للإنارة تسمح باستغلال الملعب في ساعات الليل أصبح علي محمود أحد سكان المدينة مضطرًا مع أصدقائه لدفع إيجار بالساعة مقابل اللعب.

يشير علي خلال حديثه مع المنصة إلى أن "الكثير من الشباب كانوا يقفزون من السور إلى الملعب لكي لا يدخلوا بدون عضوية" وهو ما لم يعد ممكنًا، بات على الجميع دفع "مقابل رسوم إيجار الساعة بـ 75 جنيه نهارا و 100 جنيه ليلًا".

على غرار السياسة المتبعة في العديد من المساحات العامة، من الكباري إلى كورنيش النيل، أصبحت الدولة تمنح مراكز الشباب قدرًا من المرونة، لكي تؤجر مساحات لديها للقطاع الخاص في مقابل رسوم تساعدها على الاكتفاء ماليًا دون اللجوء للخزانة العامة.

وبينما يرى البعض أن هذه المراكز ظلت مُهملة لسنوات ودخول القطاع الخاص فيها يساهم في تطويرها، خاصة وأن الرسوم الجديدة التي يفرضها القطاع الخاص تظل في مقدرة الطبقة الوسطى، فهناك آخرون ممن اعتادوا القفز من فوق السور بسبب الفقر الشديد، لا يقدرون على المشاركة في مباراة الكرة إلا إذا ضمنت لهم الدولة سياسة المجانية القديمة.

كما أن وزارة الشباب تحولت مؤخرًا لتشبه رجل أعمال، واتجهت لتطوير العديد من المراكز وتحويلها إلى نوادٍ باشتراكات تنافس القطاع الخاص، ولا يقدر الكثيرون من أبناء الطبقة الوسطى على تحمل تكلفتها.

نسعى في هذا التقرير لتتبع السياسة الجديدة لإدارة مراكز الشباب في مصر، وأثر هذه السياسة على أسعار الخدمات المقدمة من خلالها.

كيف دخل القطاع الخاص مراكز الشباب؟

"تأتي دون تحميل ميزانية الوزارة أي أعباء مالية"، هكذا لخصت وزارة الشباب في بيان الشهر الماضي أحد أهم الأسباب التي دفعتها للسماح باستثمارات للقطاع الخاص داخل المراكز الرياضية، وهو المشروع الذي بدأت تنفيذه في 2018.

وتكشف البيانات الرسمية مدى التوسع السريع في تنفيذ هذا التوجه خلال الأعوام القليلة الماضية، حيث بلغ إجمالي قيمة الإنشاءات التي نُفذت بالمشاركة مع القطاع الخاص 965 مليون جنيه، شملت العشرات من حمامات السباحة وملاعب كرة مغطاة بالنجيلة الصناعية، بجانب الاستثمارات التجارية التي سمحت بها الوزارة داخل المراكز والتي تجاوزت المائة محل تجاري وأكثر من 40 قاعة مناسبات وغيرها.

ويشرح أحمد عبد المنعم كشري، لاعب الأهلي المعتزل ومدير سابق للمركز، في حديث للمنصة، كيف يدخل القطاع الخاص في أنشطة مشتركة مع هذا النوع من المراكز الرياضية "يضم المركز الواحد عدة فرص استثمارية متباينة بين النشاط التجاري والرياضي، تُطرح هذه الأنشطة بنظام حق الانتفاع لمدد متفاوتة تتراوح بحسب الضوابط التي أعلنتها وزارة الشباب والرياضة بين 9 إلى 12 عاما بالنسبة لحمامات السباحة، وبين 5 و8 سنوات لقاعات المناسبات، وبين 3 و5 سنوات بالنسبة للملاعب، وما لا يزيد على 7 سنوات للمحلات التجارية".

توجه الدولة لمشاركة القطاع الخاص يعد أمرًا مستحدثًا على مراكز الشباب، التي ظلت لعقود محكومة بتشريعات ولوائح تُبعدها عن عالم البيزنس.

في 1975 أصدر البرلمان قانونا لإدارة مراكز الشباب ظل هو التشريع الحاكم لهذه المراكز قرابة خمسة عقود، ووضع القانون قيودًا عدة لكبح ميل إدارات هذه المراكز لاستغلال هذه الأصول العامة في أية أعمال بيزنس، بينما ترك هامشًا بسيطا لفرص التربح من تنظيم المباريات أو الحفلات.

أمام هذه القيود منح القانون مراكز الشباب إعفاءات عدة من أبرزها تخفيض فاتورة المياه والكهرباء بنسبة 75%، وذلك حتى يمكنها من إدارة خدماتها بأقل الموارد المالية الممكنة، خاصة وأن الدولة كانت تفرض على هذه المراكز تسعيرة شديدة الانخفاض لرسوم الاشتراك السنوية.

مركز شباب الكوم الأخضر بحي الهرم بالجيزة. الصورة: مديرية الشباب والرياضة بالجيزة- فيسبوك

لكن قانونًا جديدًا للهيئات الشبابية صدر في 2017 منح مراكز الشباب المزيد من المرونة لجني الأموال، حيث سمح لها بالتربح من "حصيلة إيجار الملاعب والمحلات والقاعات وأي من منشآتها الأخرى"، مع الحفاظ على حقها في القانون السابق في الحصول على إعفاءات متعددة ، ما يجعل لنشاط تأجير المساحات الرياضية في المراكز في وضع متميز عن الملاعب المنافسة في القطاع الخاص.

هكذا، ساهم القانون في فتح الباب لبيزنس جديد للشركات العاملة في مجال الرياضة لكي تصل إلى شبكة مراكز الدولة الشبابية المنتشرة داخل الجمهورية، بعدد 4300 مركز، وتحقق الأرباح من خلالها، ثم تتقاسمها مع الدولة، حيث يحصل مركز الشباب على 75% من حق الانتفاع وتحصل وزارة الشباب على النسبة الباقية.

وتزامن هذا التوجه في 2018 مع ما تحدثت عنه المواقع الإخبارية في نفس العام عن حملة لإزالة 2400 ملعبا في الريف لأنها تتعدى على الأراضي الزراعية، وبينما تصاعدت انتقادات من نواب في البرلمان لهذه الإزالات، لأنها تحد من فرص وجود مساحات للعب لشباب الريف، كانت مراكز الشباب تظهر في ثوب جديد كمكان يوفر ملاعب بالنجيلة الخضراء تعمل حتى ساعات متأخرة من الليل بفضل كشافات النور الجديدة.

المراكز تحتاج للأموال

ويرى عاملون في هذا القطاع أن نمط المشاركة مع القطاع الخاص يحقق فائدة مشتركة لجميع الأطراف "المستثمر يستفيد من هذه التجربة ، والمجتمع المحلي، والدولة والمجتمع فى النهاية عبر نشر الثقافة الرياضية بتطوير مراكز الشباب فى مختلف المحافظات" كما قال لنا هاني طه، رئيس مركز شباب سراي القبة.

وبلغة أكثر صراحة، يرى مسؤول في مركز شباب بالفيوم، طلب عدم ذكر اسمه، أن دخول القطاع الخاص كان أمرًا لا مفر منه في ظل نقص الموارد "طرح مراكز الشباب بنظام حق الانتفاع على القطاع الخاص يعد حلًا جذريًا لتطوير مراكز متهالكة فى ظل رسوم اشتراكات هزيلة تتراوح بين 25 إلى 30 جنيها سنويًا".

وتعكس مناقشات البرلمان لموازنة العام المالي الجاري، 2021 -2022، انتقادات لنقص الموارد المالية التي تتيحها الدولة لهذه المنشآت، حيث توصي لجنة الشباب والرياضة البرلمانية في تقريرها عن الموازنة بزيادة المخصصات المالية للشباب في هذا العام لأنها لا تتوافق "مع حجم تعاقدات المجلس القومي للشباب مع الشركات المختلفة التي تقوم بتنفيذ أعمال التطوير والإنشاءات".

كما تشير اللجنة إلى أنه "تم تقليل الخطة الاستثمارية للوزارة (المجلس القومي للشباب) خلال العامين الماليين 2018/ 2019 - 2019/ 2020 مما ترتب عليه تأخر مستحقات العديد من المشروعات".

وتعكس هذه التعليقات طبيعة الضغوط المالية التي كانت تواجهها هذه المراكز، خاصة وأنها تتبنى خطة طموحة في تلك الفترة لتجديد بنيتها الأساسية، ما يعزز من فكرة الاعتماد على الشراكة مع القطاع الخاص كحل لمشكلة توفير التمويل.

وتُظهر بيانات مخصصات "الشباب" أن هذا النمط من الإنفاق لا يأتي على رأس أولويات الدولة، فهو جزء من الإنفاق على "قطاع الشباب والثقافة والشؤون الدينية" والقطاع بأكمله تراوح نصيبه خلال الخمس سنوات الأخيرة بين 2% إلى 3% من إجمالي مصروفات الموازنة، وبلغ في موازنة العام الجاري 2.8%.

البيانات المالية تقدم لنا الصورة من زاوية واحدة فقط؛ استطاعت مراكز الشباب أن تجد مصدر للإيرادات يعينها على تجديد المقار الخاصة بها دون الحاجة للدولة التي لا تخصص ما يكفي لهذا النوع من الأنشطة، ولكن إلى أي مدى يساهم دخول القطاع الخاص في رفع كلفة الخدمة على الشباب؟

ماذا عن العدالة الاجتماعية؟

ما استنتجناه من الحديث مع مسؤولين وشباب يترددون على مراكز شبابية في مناطق متفرقة، أن الدولة لاتزال تحافظ على سياسة اشتراكات العضوية الرمزية، لكن مفهوم العضوية اختلف مع سياسة التطوير.

قبل التطوير كانت العضوية، التي تكلفك بضعة جنيهات، تتيح لك الدخول والتمتع بالعديد من الخدمات المجانية أو الرمزية، الآن لا زال من حقك الانضمام إلى المركز باشتراك رمزي، لكن في الداخل ستجد العديد من الخدمات بأسعار مشابهة لأسعار القطاع الخاص، بمعنى آخر فإن مجانية الدولة تنتهي عند عبور بوابة الدخول.

ملعب مركز شباب الخانكة بعد تجديده. الصورة: صفحة مركز الشباب على فيسبوك 

ولا تقتصر سياسة التطوير على مشاركة القطاع الخاص، فبعض المراكز الشبابية قامت بالاعتماد على مواردها الذاتية لتطوير الملاعب، وبعد تثبيت النجيلة الخضراء فوق الأرض الرملية، تغيرت تسعيرة اللعب.

أحمد مصطفى، أحد المترددين على مركز شباب قرية رملة الأنجب بالمنوفية، لايزال يدفع اشتراكًا سنويًا خمسة جنيهات لتجديد عضويته بالمركز، وبينما كان يستفيد من ملعب الكرة في السابق مجانًا، يقول إن الملعب بعد التطوير أصبح متاحًا بإيجار قيمته 50 جنيهًا للساعة نهارًا و80 جنيهًا للساعة مساءً.

وبحسب مصادر في مركز شباب رملة الأنجب فإن تجديد الملاعب تم بموارد المركز ومساهمات الأهالي، على عكس ملاعب الخانكة التي شارك القطاع الخاص في تجديدها.

لكن مصطفى لا يشعر أن التطوير يمثل عبئًا كبيرًا بالنسبة له، لأن مركز الشباب يتيح خدماته بأسعار أقل من سعر السوق "الملاعب الأخرى تؤجر بقيمة 120 جنيهًا في الساعة، ونضطر لاستقلال مواصلات من أجل الوصول إليها، ملعب المركز في الوقت الحالي أفضل حالا فهو من مغطى بالترتان بعد أن كنا نجري على الرمل والزلط".

ويشير علي محمود، الذي يتردد على مركز الخانكة، إلى نقطة أخرى في نفس السياق وهي أن تكلفة الألعاب الجماعية لا يتحملها فرد واحد "نؤجر الملعب الخماسي بـ 100 جنيه في الساعة ولكننا 10 أفراد وعندما نقتسم الكلفة يدفع كل منا 10 جنيهات فقط".

لا يعني ذلك أن السياسة الجديدة كلها سواء بالنسبة للمترددين على مراكز الشباب، فمحمود لا يخفي ضيقه من ارتفاع تكلفة الألعاب الفردية، ويترقب كيف ستكون مصاريف النزول في حمام السباحة الذي يجري إنشاؤه في الوقت الجاري.

المفارقة أن الدولة نفسها اتجهت مؤخرًا لمنافسة القطاع الخاص من خلال استغلال المراكز الرياضية الموجودة في أحياء مثل الزمالك ومصر الجديدة، وتحويلها إلى نوادٍ باشتراكات عضوية تنافس القطاع الخاص، هذه المراكز أصبحت مغلقة تمامًا في وجه الطبقة الدنيا وقطاعات واسعة من الطبقة الوسطى.

الدولة مستثمر رياضي

في 2015، تحدثت المواقع الإخبارية عن خطة لتمويل أعمال تطوير في مركز شباب الجزيرة بقيمة ضخمة، 250 مليون جنيه.

واعتبرت تغطيات صحفية أن هذا التطوير يعد امتدادًا لدور الدولة الاجتماعي، حيث تم بناء المركز على أرض تم اقتطاعها في الخمسينيات من نادي أبناء الطبقة المترفة في حي الزمالك، لكي يكون متنفسًا للطبقات غير الميسورة، والآن تقوم الدولة بإعادة تجديد منشآته الرياضية.

مركز شباب الجزيرة. الصورة: صفحة المركز على فيسبوك

لكن المركز بعد التطوير أصبحت قيمة الاشتراك المطلوب للانضمام لعضويته 74 ألف جنيه للأسرة، وتم تبرير ذلك بأن المركز يحتاج لتغطية الاستثمارات الضخمة التي قام بها من أجل تطوير المنشآت الرياضية. هذه الرسوم الكبيرة للعضوية جاءت بعد تحول مركز الجزيرة، إلى مركز تنمية شبابية، وخروجه من اللوائح التقليدية التي تحكم مراكز الشباب المعتادة.

ومراكز التنمية الشبابية هي كيانات مستحدثة، تم إنشاؤها بقرار من رئيس الوزراء، واللائحة التي تحكمها تتيح لها فرص أكبر لعمل البيزنس، فهي بجانب تأجير الملاعب والمنشآت من حقها أيضا "استثمار أموال المركز أو الشركات التي ينشئها أو يشارك فيها"، ما يوحي بأن تلك المراكز ستعمل بطريقة أشبه بالشركات من المراكز الحكومية.

حازم الشوربجي، واحد من المحظوظين الذين يتمتعون بعضوية قديمة في مركز شباب الجزيرة، منذ 2009، حكى لنا التفاوت الكبير في تكلفة العضوية والخدمات قبل وبعد التطوير.

يقول الشوربحي إنه اشترك في المركز بـ 21 جنيهًا، وكان يجدد اشتراكه سنويًا بما يتراوح بين 10 إلى 15 جنيهًا، الآن تجديد الاشتراك السنوي يتكلف من 150 إلى 200 جنيه.

وأصبح دخول المركز غير متاح لغير الأعضاء إلا إذا كانوا بمرافقة أعضاء في المركز "يتم منح العضو دفتر بتذاكر دخول لغير الأعضاء به 20 تذكرة بقيمة 500 جنيه"، بجانب الرسوم التي يتحملها العضو وغير العضو للخدمات الرياضية داخل المركز.

هناك أيضًا تسمية أخرى استحدثتها وزارة الشباب وهي "نادي النادي" وهو نوع من المراكز الرياضية التي كانت تابعة للدولة وأدخلت عليها تطويرات أخيرة لكي تديرها بأسعار مشابهة لخدمات القطاع الخاص.


اقرأ أيضًا: النساء والرياضة: إلى أين تذهب فتاة مصرية لتتعلم ركل الكرة؟

المصارعة فاطمة عطا أثناء تدريبها في إحدى الصالات الرياضيّة، تصوير: هاجر هشام

المثال الأبرز على ذلك مركز التنمية الرياضية بشيراتون هليوبوليس، الذي أنشئ في 2010 تحت شعار "الرياضة للجميع"، وكانت التغطيات الصحفية تتحدث وقت إنشائه عن أنه يقدم خدمات رياضية بمستوى مرتفع الجودة مقابل رسوم شديدة الانخفاض، فكان مفتوحًا للجميع مقابل رسم دخول 5 جنيهات.

وفي مارس/ آذار الماضي، أعلن وزير الشباب عن فتح باب العضوية في مركز هليوبولس بعد أن تم تحويله إلى واحد من منشآت "نادي النادي"، وهو ليس الوحيد من نوعه فهناك فروع أخرى تنشئها الوزارة في أكتوبر والعاصمة الجديدة وغيرها، وتصل قيم الاشتراكات في نادي أكتوبر على سبيل المثال إلى 74 ألف جنيه.

هذا التحول الكبير في سياسة الوزارة، من رسوم اشتراكات بعشرات الجنيهات إلى عشرات الآلاف ودخول بيزنس القطاع الخاص في مراكز الحكومة، فسره لنا مسؤول بوزارة الشباب قائلًا إن الوزارة أصبحت تضع تسعيرًا للخدمات الرياضية بناء على مستوى دخل كل منطقة.

"كلما ارتفع مستوى الدخل والإنفاق للمنطقة السكنية ارتفعت أسعار الألعاب والخدمات التي يوفرها المستثمر" كما قال لنا المسؤول، مضيفًا "الوزارة تدرس هذه الملفات، فى ظل الحاجة لمخصصات مالية كبيرة لتطوير مراكز الشباب والأندية المختلفة".