شارع في مدينة فادا بدولة تشاد- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

الخوف في تشاد: يوميات عاملة إغاثة مصرية

منذ عدة أشهر، سافرت إلى دولة تشاد كموظفة إغاثة في إحدى المنظمات الدولية في مجال التنمية والإغاثة، وأقمت في العاصمة أنچمينا، التي يعني اسمها، للمفارقة، المدينة الهادئة. كانت رحلة عمل قصيرة للغاية، لكنها انتهت بشكل غير متوقع.

في مسكن قريب من القصر الرئاسي الذي اغتيل فيه رئيس البلد السابق؛ قضيت ليالٍ على حافة الخطر، تعرضت فيها لاحتمالات الخطف أو الاعتداء الجنسي والجسدي، كان من الممكن ألا أكون قادرة على كتابة هذا المقال، لكنني الآن أحاول مواجهة نفسي أولًا بما تعرضت له وما احتفظت به من مشاعر.

أعتقد أننا عادة نتعامل مع الأمان والهدوء على أنهما المرادفان لغياب الكثير من المشاعر الصاخبة والمتزاحمة داخلنا في لحظة ما، لذا عندما اختبرت الخوف في ظل هدوء محيط، أو صخب مكتوم، يكاد يكون دون صوت، احتجت بعض الوقت لاستيعابه ومن ثم البوح به. يرجع ذلك بصفة خاصة لمفهومي الأمان والخوف، كيف نشعر بهما وماذا يحددهما؟

أظن أننا نستمد الإحساس العام مما تمليه علينا "السلطة"، هل نحن في حالة أمن وأمان أم غير ذلك؟ في مصر أو في تشاد، الرواية واحدة مع اختلاف السياقات، وأنا أيضًا واحدة، لا أشعر بالأمان كما يُملى عليّ. وهنا نجد أن كلمات مثل هجوم، خطف، قتل، تهديد بالسلاح، توعد، وغيرها من أشكال متوقعة ومعروفة لتهديد الأمن الشخصي لا تستلزم إثبات حتى يعترف البشر بها، أما أنا فقد لزمني نوع أقوى من التصديق حين تعرضت لتهديد أمني غير مألوف. فنحن لا نشتبك كثيرًا مع النظرة الشخصية للأمان والخوف. نكتفي بتسمية الشعور ونتماهى مع معطيات الدولة وسرديات محددة. هذا ما وُجدنا عليه وهذا ما نحاول أن نتحرر منه. حتى في الشعور بالأمن أو انعدامه، صرنا نتحقق مما تشعر به حواسنا عن طريق ما يمليه علينا الآخرون.

هذا ما وقعت فيه بين مصر وتشاد. كفتاة غارقة في نقطة عميقة من الإحساس المتلازم بالخوف في مصر، أضف لذلك قناعات شخصية، اجتماعية، ثقافية، دينية، وسياسية ترسم عني صورة متداولة وغير ملتبسة من استباحة ممكنة في أي وقت وبمباركة أيضًا. يجعلني ذلك أتعامل مع الخوف وانعدام الأمان بصفة شخصية بحتة في المقام الأول. لا يصدق هذا غير قلة قليلة ممن يمرون بنفس النوع من خصوصية الخوف وانعدام الأمان. ربما يجعلني ذلك قادرة على التعامل مع هذا المستوى والسياق من الخوف. ربما هنا في مصر أعي حدود خوفي، أتعرف على ما داخل قدرتي على الإحساس بدرجة من الأمان.

هنا في مصر، أقدر على الاستمرار في معايشة عدم الأمان بخصوصيته وتعدد طبقاته.

الملاريا "زي البرد زي الصداع"

أما في تشاد، كعاملة في جهة إغاثة أجنبية، تم التعامل معي كمادة مثل باقي المواد التي سبقتني. البلد التي بها انفلات أمني محقق يمنع من الخروج منفردة حتى للتمشية. هذه ليست كل ظروف الحياة التي عايشتها في تشاد، البلد الذي يعيش حوالي 60% من سكانه فقراء، ومدينة صغيرة للغاية، العاصمة، هي المظهر الوحيد للمدنية في دولة صحراوية من الطراز الأول، لا يمكن أن تجد فيها إلا سلعًا مستوردة صارخة الغلاء.

هناك، ووفق تلك الظروف، وصلتُ في نهاية يونيو/حزيران 2021، لم يستقبلني أحد كما كان مخططًا، وبقيت في المطار لما يزيد عن الساعة أتلقى أول صدمة في رحلتي القصيرة، ثم معزولة في فندق، غير واثقة من مدى كفاية ما أملكه من مال لدفع فواتير الفندق وحجز سكن كما كان مقترحًا، اضطررت إلى التعامل مع أقل احتياجات الغذاء حتى لا أصبح مفلسة في بلد لا يصح أن نكون فيه عرضة لذلك.

تشاديات يرفعن الماء من بئر- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

اكتشفت في سابع أيام إقامتي أنني لن أحصل على بدل المعيشة قبل أسبوعين على الأقل، وعندما اقترحت بديلًا بنكيًا تم الترحيب به على أنه أقل من حيث الإجراءات لكنني سأنتظر نحو شهر.

يخبرونني بأنه لابد من التغذية السليمة حتى أتفادى الإصابة بالملاريا، وحينما تعجبت لأنني حصلت على لقاح الملاريا قبل السفر، كان الرد هو أنها تأتي رغم اللقاح "دي هتكون بالنسبة لك زي دور البرد، كل شهرين دور كده".

في ضرب مختلف من عدم الأمان، وهو قليل ما نتناوله في دراساتنا إلا فيما يتصل بالفقر؛ كان هناك عدم أمان مالي وغذائي.

ما ادخرته من مال ووصلت به تشاد كان يكفيني نحو 10 أيام على الأكثر من إيجار وغذاء، حتى تقوم المنظمة بصرف بدلات المعيشة، لكنني اكتشفت أن ذلك لن يحدث قريبًا على أي حال، كنت أعاني من فقر غذائي، وكان متوقعًا مني أن أعمل ضمن نظام المتابعة والتقييم لقياس مدى كفاءة برنامج الأغذية في القضاء على الجوع، أدركت هذا وانهرت من الضحك، وقلت لنفسي "باب النجار مخلع".

مسارات الخوف متعددة ولكن هناك ملمح أكيد لعدم الأمان. اللحظة التي تميز فيها أن الأمان قد غاب، تبدأ اختيارات الخوف بالتواجد والتزاحم داخل نفسك، حينما قيل لي أنني سأقوم بزيارة ميدانية لإحدى المناطق في أول أيام عملي، لم أمانع. كنت أعلم ما أنا مقدمة عليه، وهو غياب الأمان بدرجة معينة وليس الغياب التام.

بعد تعجب أمني شديد من أنني لا أتحدث اللغات المحلية، ولم أجتز بعد المقررات الأمنية الخاصة بالعمل في المنظمة ومازلت في يومي الأول، قررت الإدارة عدم ذهابي لأنني بحاجة لبعض من الوقت. لم أمانع، لكنني تساءلت عن نظام التأمين هناك، كانت الإجابات شديدة البساطة؛ لا يوجد، ستكونين مع فريق، ولكنكم غير مؤمّنين. بعدها بيوم حدث انفجار في المنطقة التي كنت سأذهب إليها وعلمت أنها معلنة كمنطقة حرب من الأمم المتحدة.

التعامل مع فكرة دولة غير مستقرة أو منطقة حرب يستدعي تدابير أكثر للحفاظ على أمن العاملين في تلك المنظمات، خاصة حين نرى ما يتعرض له العاملون في مجال المساعدات الدولية، الذين تعرضوا لـ276 هجوم في نحو 10 دول منهم بالطبع منطقة وسط أفريقيا، وسقط بينهم 475 ضحية. في وسط أفريقيا فقط، يؤول معظم الهجوم لاعتداءات وإطلاق نار وبدوافع أغلبها إجرامي وغيرها من الدوافع السياسية ثم العرضية. تمثل المنظمة هنا الدولة، هي من يوفر الأمن ويعمل على انضباطه.

علاقة مشوهة بالأمان في مصر

تشوهت علاقتي بالأمان منذ طفولتي وقد زاد الأمر في شبابي مع كل ما عايشته وأعايشه في مصر. استغرقني الأمر عدة أيام لاستيعاب أن المنظمة لا تعبأ كثيرًا بما يسمى سلامة الموظفين. كل ما سردته كان محل شك مني دومًا، ربما لم أفهم الكلام جيدًا، من المؤكد أن هناك أمن، لا لا، هذه ليست سوى هواجس، حتى انقسم ظهر البعير ولكنها ليست قشة هذه المرة.

بعد انتهاء العزل الصحي نقلت لسكن ملاصق للمكتب، بضعة خطوات تفصل بينهما. في الليلة الثانية من إقامتي في المكان الجديد، طرق أحدهم الباب، وعندما لم أستجب حاول كسر مقبضه بشدة، سألت مَن بثلاث لغات أعرفها ولم يجب أي صوت. كنت تعرفت على مجموعة من التجار المصريين هناك في المطار، وحينما هاتفتهم وبعد محاولات مع حارس العقار، كان التفسير الوحيد لديه هو أنه ربما أن أحدهم كان سكرانًا وغلط في الشقة. حاولت قبول تلك الرواية، حاولت إقناع نفسي بأنني أسكن بجوار المكتب وأنه كما قيل لي هذه أكثر الأماكن أمانًا.

تشاديات يرفعن الماء من بئر- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

في الليلة التالية، تكرر الموقف نفسه، ولكن في وقت أكثر تأخرًا من الليل، غير أنه في هذه المرة كان هناك محاولة أخرى لإدخال مفاتيح في الباب وفتحه ثم طرق عنيف. حينها تسمرت في مكاني وتأكدت أن الأمان منعدم، ساورتني سرديات الخوف المختلفة، ربما لو نجح المرة القادمة سأجد نفسي مختطفة، مغتصبة، مسروقة. كل الاحتمالات واردة وكل الروايات واقعية.

تحدثت مع الحارس هذه المرة وسألته عن كاميرات المراقبة أو أي شيء. كان الرد ملائمًا لما أعيشه "عندنا آه بس مش مركبينها. يعني موجودة؟ آه وشغالة. طب فين؟ مش مركبينها".

في تشاد تتعرض امرأة من كل ثلاث للعنف الجسدي طبقًا لبيانات صادرة في 2021 من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، وربما يفسر ذلك الطريقة التي نظر بها الحارس إلى ما واجهته.

بعد ما قمت بإبلاغ مديري ومدير الأمن بالمنظمة، كان الأسلوب الذي وجدوه مناسبًا هو تحري الأمر مع كل الموظفين الآخرين الذين يسكنون المبنى؛ عددهم 5، وأفاد اثنين منهم بأنهم تعرضوا لما حدث لي نفسه قبل ذلك، لكنهم تعايشوا مع الموضوع. هنا، في هذه اللحظة تحديدًا، كان كل ما أشعر به من خوف وانعدام ساحق للأمان مقرون بالتصديق من الآخرين، لأن روايتي لا تكفي. لأنه حتى الخوف والأمن يلزمهما الشعور الجمعي والتصديق من الجميع ثم من الدولة، حتى نمارسهما بمنتهى الخصوصية.

قيل لي، وأريد أن أكتب الجملة باللغة التي سمعتها بها، لأني أؤمن أن اللغة نفسها من محددات الأمان "Unless someone broke into, this was not a security issue."

كعادتي الشخصية، لا أصدق مشاعري، أبحث عن تصديق الآخرين. كان أمامي خيار واحد ولم أستطع أن أطرح غيره. كنت واعية تمامًا بأن الشعور بالأمان قد تم تشويهه للأبد. لا يوجد هنا ملامة على أحد أو مكان. أصبحت حقيقة. لكن ما لم يصبح حقيقة بعد هو تشويه الشعور بالخوف، أردت أن أحتفظ بذلك، أردت أن أحافظ على عفوية الشعور به وعدم تشكيكه، أردت لنفسي أن أعود غير ممزقة للحد الذي لن أقوى على التعرف بعده على أجزائي، وأردت أن أحافظ على خصوصية الشعور بالخوف حتى لو كان الجمع ينكره.

هناك الكثير من التفاصيل التي حدثت مع إبلاغهم باعتذاري عن العمل ورغبتي في العودة لمصر. لا أعتقد أن شيئًا يغير حقيقة ما مررت به بعد ذلك. تعاملت مع إنكار لكل ما أشعر به من الجميع باستثناء الطبيب النفسي للمنظمة الذي قررت إدخاله في الموضوع حتى أرد على اتهامي بأنني غير قادرة على العمل لمشكلة شخصية. جاء الطبيب داعمًا للغاية، مؤكدًا صحة ما أشعر به وسلامة قراري.

إذن، حينما نتعود الخوف بوتيرة وتكشّف معين، نصبح قادرين على تكوين نمط من المعايشة والتعود. لكننا لا نصبح عارفين بكل الأشكال. ما زال هناك متسع للاندهاش من تصاعد الوتيرة وتكشف أكثر حدة. مازلنا كبشر نمتلك قدرة ما على التماهي مع خوفنا فقط حين نريد ذلك. لا يمكننا إسكات صوتًا حقيقيًا داخلنا يخبرنا أنه ثمة ما هو أكبر من قدرتنا على التماهي، مازال ذلك الصوت يخبرنا أننا لسنا نفس البشر تحت الخوف إذا ما اختلف الزمان والمكان. مازال المطلق غير معلوم والأمان مرهون بتعرّفنا على الخوف بقدرة ما على تقبله ومصاحبته.

فبين مصر وتشاد، اختبرت الخوف واختبرت كيف يتم التشكيك في روايتي وكيف أن السردية الجمعية تبقى أهم. ربما قررت العودة لمصر لأنني كما قلت أعرف عن خوفي فيها أكثر، ادخرت العدة منذ سنوات كي أحاربه وأخلق مساحة أمان ربما لا تستهلك طاقتي في إجبار الأمان لكنها تمنحني وقتًا وسعة عقل كي أستوعب خوفي. أما تشاد فلأنني لم آنس لخوفي فيها بلحظة تصديق، كانت أقسى ولم أجد في نفسي المساحة التي تخيلت أنها سافرت معي من مصر. بين خوفين، اخترت ما عاشرته أكثر وما أعرف أنني سأعايشه أطول.