جورج إسحق. الصورة من ويكيبديا - برخصة المشاع الإبداعي

في مواجهة مزارع النعام: حوار مع جورج إسحق عن استراتيجية حقوق الإنسان ومجلسها

بعد دورة استمرت ثمان سنوات متتالية، لم يكن أداؤها مرضيًا في المجمل، لا يزال جورج إسحق متمسكًا بعضويته في المجلس القومي لحقوق الإنسان، بعد أن قبل تكليفه ضمن التشكيل الجديد الذي أقره مجلس النواب في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لكن أحد مؤسسي حركة كفاية الذي سيدخل عامه التاسع في المجلس مع الدورة المقبلة، يعول على الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، التي أعلن عنها الرئيس عبد الفتاح السيسي في سبتمبر/أيلول الماضي، وما يمكنه شخصيًا تقديمه لتحسين ظروف السجناء كأسباب أساسية لبقائه.

يرى جورج إسحق، في حواره للمنصة، أن وجوده في المجلس سواء السابق أو الحالي "ضرورة". مفسرًا ذلك بأنه "لتحسين أوضاع المسجونين عبر الضغط لتنفيذ قرارات الدولة فيما يخص ذلك والإفراج عن سجناء الرأي"، وهو ما دعاه خلال الدورة الماضية لاقتراح مشاركة لجنة الحوار الوطني الدولي، التي تتوسط للإفراج عن المحبوسين، في أعمالها، لكنه اقتراح قوبل بالرفض، وهو ما قد يتغير الآن بعد انضمام رئيس تلك اللجنة محمد أنور السادات للمجلس الجديد.

يضم التشكيل الجديد للمجلس الذي تترأسه السفيرة مشيرة خطاب، 27 عضوًا، بينهم أسماء جديدة مثل السفير محمود كارم محمود، نائب رئيس المجلس، والمحامية نهاد أبو القمصان، الناشطة في مجال حقوق المرأة، ومحمد أنور السادات، رئيس حزب الإصلاح والتنمية، ومنسق لجنة الحوار الدولي، لكن التشكيل الجديد أسقط مجموعة من رفاق إسحق كانت لهم مواقف بارزة فيما يخص حقوق الإنسان والعمال وهم راجية عمران وكمال عباس وناصر أمين.

في مواجهة مزارع النعام

ساعدت لجنة الحوار الدولي في خروج عشرات من النشطاء السياسين، بينهم كثيرون من غير المعروفين إعلاميًا، عبر قوائم تقدمت بها اللجنة للأجهزة الأمنية، لكن إسحق لا يضع الإفراج عن المسجونين هدفًا وحيدًا لاستمراره في المجلس الحالي، وإنما استكمال ما كان يقوم به وزملائه من محاولات فردية للتحقيق في شكواهم وتلبية مطالبهم، التي كان يطلع عليها في زياراته للسجون، ويصفها، أي الزيارات، بـ"عين المجلس"، وكان توقفه عنها بعد 2019 سببًا من أسباب رغبته في تقديم الاستقالة، لكن رفضها محمد فايق رئيس المجلس في ذلك الوقت، ليقرر إسحق بعدها أن سبب وجوده هو "خدمة المواطنين" وهو ما يجب أن يناضل للبقاء من أجله. "وجودنا أنا وراجية عمران وكمال عباس في المجلس اللي فات كان بيساعد ناس كتير عادية مش مشاهير، بنستقبل شكاوى عدة من أسر معتقلين منهم اللي عاوز ينقل من سجن للتاني، أو حد مش عارف يزور أهله، أو حد من أفراد عيلته مات وعاوز ياخد عزاه، ودي شكاوى كان فعلا بيتم الاستجابة لـ90% منها، ومكنش ينفع نسيب الناس حتى لو الدور مش كبير"، يقول إسحق.

جورج إسحق-خاص المنصة

كان المجلس القديم "مترهلًا" بحسب وصفه لأنه استمر أربع سنوات زيادة عن المدة الطبيعية لانعقاده دون فاعلية حقيقية، وإنما ظهر مثل أداة يستخدمها النظام للإيهام بتحسن وضع حقوق الإنسان في مصر، في مقابل ما كان يفعله خلال السنين الأولى من انعقاده. يقول "في بداية تشكيل المجلس كنا بنزور السجون ونقول ما نراه وما نرصده، ومرة في ولد اشتكى إنه اتضرب، فطلبت من الدكتور صلاح سلام عضو المجلس وقتها، الدخول مع الولد برفقة طبيب السجن، ولقينا علامات تعذيب على ظهره، وطلعنا على النيابة اللي خدت إجراءات وقتها"، مضيفًا "وقتها أنا اللي طلبت أقابل الولد لأنه كان في شكاوى متقدمة بتعذيبه، دلوقتي لما بنطلب نقابل حد بيتقال عاوزين إذن نيابة، ولما يطلع الإذن يتقال أصل الشخص ده في جلسة، وده كلام لا يستقيم مع حقوق الإنسان".

ويفسر حديث اليساري المخضرم، ما ظهرت عليه الزيارة الشهيرة التي أجراها بعض من أعضاء المجلس لمجمع سجون طرة، في 2019، وبدا خلالها المجمع أقرب إلى منتجع استشفائي منه إلى سجن معروف بانتهاكاته، يربي فيه النزلاء من المسجونين النعام ويتناولون الكباب والكفتة على الغداء، وهو ما علق عليه إسحق ساخرًا "لو السجون كده كانت كل الناس راحت".

جورج لم يُدعَ إلى هذه الزيارة الشهيرة، أو أي زيارة لأي سجن من بعدها، الأمر الذي دفعه واثنين من زملائه في المجلس لإصدار بيان، بعد زيارة تالية أجراها أعضاء في المجلس لسجن القناطر؛ عبروا فيها عن رفضهم لتلك الزيارات "المرتبة سلفًا"، واستنكارهما من عدم زيارة الوفد لمسجونات أرسلن شكاوى كثيرة للمجلس للتحقيق فيها، من بينهن: هدى عبد المنعم وإسراء عبد الفتاح وماهينور المصري، والأخيرتين خرجتا من السجن فيما بعد.

تغييب الأدوات والصلاحيات عن المجلس هي ما جعلته يتراجع ويظهر على تلك الصورة، حسبما يرى إسحق، الذي يظن أن المجلس السابق ضم كوادر مهمة لم تملك ما يمكنها من ممارسة أعمالها كما ينبغي، لكن ذلك يعني في الوقت نفسه أن المجلس الجديد يمتلك أدواته كاملة، وإنما بحسب إسحق "يسعى لإيجادها" عبر التمسك بما تصدره الدولة من تصريحات وقرارات تخص حقوق الإنسان ويسعى إلى تنفيذها "إحنا بنقول للدولة في كذا وكذا لكن منقدرش ننفذ حاجة".

خلال الدورة الماضية طالب إسحق من خلال لائحة المجلس، التي أقرت بالفعل، أن تكون الزيارات للسجون دون إذن من النيابة، لأن "الزيارة ميعادها بيكون معروف، وتبدأ السجون تتلمع، والمطعم يتجهز، ومنقدرش نطلب أي حد سياسي"، الأمر الذي يدفع للتساؤل إن كان ذلك سيستمر خلال الدورة الجديدة من عدمه، يقول إسحق "أنا معنديش يقين".

ورغم أن "الدور مش كبير" واجه إسحق تعنتًا أمنيًا كبيرًا لتمرير تلك المطالب أو النظر في بعض تلك الشكاوى "في آخر زيارة لسجن المنيا قبل 2019، مساعد الوزير لشؤون السجون فرجنا براحتنا وقتها في السجن وقابلنا الناس، ولما قلت له عاوز أقابل ناس عليها أحكام بالإعدام قالي إنه ميقدرش ولازم إذن نيابة، ده لأن الزيارات كلها مترتبة، بيدهنوا السجن ويودي السياسيين جلسة، فدي أمور لازم تنتهي في الفترة الجديدة".

يؤكد ذلك التضييق الأمني ما واجهه إسحق نفسه في مطار القاهرة سبتمبر الماضي، بعد توقيفه لمدة 45 دقيقة دون سبب مفهوم "اتقالي وقتها من الضابط إنه تشابه أسماء فقلت له وأنا بضحك مش عارف شكلي، ومفيش حد اعتذر بعدها أو اتكلم، محمد فايق عمل اتصالاته والمسؤولين قالوا له إنه مفيش حاجة وهايسافر عادي".

واقعة المطار أيضا تؤكد وفقًا لإسحق أن هناك تخبطًا بين الأجهزة، وأن القرار لا يصدر منفردًا، وهو أيضا ما يفسر وجود آلاف في السجون "في لخبطة ومحدش يقدر يفهم الرؤية أو الطريقة الماشية أو القرارات بتصدر إزاي، هاتوا لي نموذج واحد من اللي خرجوا وفكر يتكلم أو يفتح بوقه علشان يكون في تخوف من خروجهم، ده في ناس محبوسة 6 سنين احتياطي، وناس مشافتش أهلها من سنين، فليه الناس مبتخرجش حقيقي ده مش مفهوم أبدا".

لا أحد يستخدمني

بعد واقعة توقيفه لبعض الوقت في المطار بأيام قليلة؛ أعلن اختيار إسحق في تشكيل المجلس الجديد، وهو ما يثير تساؤل عن مدى ارتباط الواقعة بالاختيار، كأن يكون النظام أبقى عليه كوجه بارز للمعارضة في المجلس تجميلًا لصورته. يرفض إسحق هذا التفسير "أرفض تمامًا إن حد يستخدمني، أو يستغل اسمي، واللي خلاني أوافق على الاستمرار صدور الاستراتيجية الجديدة، فهي قضيتي الحالية، وملفي الذي سأعمل عليه هو كيفيه تفعيلها".

الاستراتيجية الوطنية الجديدة التي يعلق عليها إسحق أماله، أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي في احتفالية كبيرة بالعاصمة الإدارية الجديدة، وتتضمن بنودها التي تقع في 78 صفحة عددًا من المحاور الخاصة بحقوق الإنسان بمفهومها الشامل، وتتطرق للحبس الاحتياطي وبدائله الإلكترونية والنظر في أحكام الإعدام، وأيضًا تدريب العاملين بالسجون للارتقاء بها.

الأخيرة يراها إسحق ضرورة قصوى "لحد دلوقتي فيه حاجة اسمها الحفلة، بتتم مع السجناء الجنائيين أول ما يدخلوا ضرب وشلاليط وإهانة ودي حاجة من العصور الوسطى، ولازم يكون في تدريب علشان كل الممارسات دي تنتهي، واللي يثبت جديته واستجابته للتدريب يفضل، واللي مش عارف يتماشى مع التدريب يتغير".

تلك الأداءات التي تعود "للعصور الوسطى" يستند من يمارسها مطمئنًا إلى الحالة التي كان يفرضها قانون الطوارئ وما يتيحه من سهولة توقيف المواطنين والقبض عليهم، وربما يمهد قرار الرئيس بإنهاء حالة الطوارئ لتغيير تلك العقلية الحاكمة للقائمين على إدارة السجون، وهو قرار يرحب به إسحق ويراه جيدًا، لكنه يرى أنه لا يمكن في الوقت نفسه بناء توقعات على أساسه خاصة وأن هناك قوانين أخرى تشبه قانون الطوارئ ومنها قانون التظاهر "علينا الانتظار لمعرفة الخطوات المقبلة"، ومع حالة الانتظار يتمنى أن يكون هذا القرار بداية تحقيق فعلي لبنود الاستراتيجية، وبداية للتغيير الحقيقي بحسب قوله.

وغم أن تلك الاستراتيجية ربما تكون خرجت بسبب ضغوط دولية لتحسين وضع حقوق الإنسان في مصر، لكنها المخرَج الوحيد للجميع بحسب إسحق "أنا ضد إننا لما تيجي لنا تقارير من بره نقول ده كلام فارغ، لا ده مفيش كلام من ده أو روحوا شوفوا اللي بيحصل في جوانتانامو، كلام غير صحيح. لما يجي لنا حاجات من بره لازم نرد عليها، لأنه كمان مش حلو إن حد يقعد يزن علينا في مصر بالطريقة دي، الرد على الانتهاكات مهم جدًا".


اقرأ حوار المنصة مع محمد أنور السادات عن الانفراجة الأدنى من الطموح ومخاطر "استفزاز الأمن"

أنور السادات - خاص للمنصة

يعوّل إسحق على تلك الاستراتيجية لتكون بداية لتصالح الدولة مع المعارضين، فمن وجهة نظره من الضروري وجود صوت آخر، لأن "نهاية العمل الفردي مش كويسة"، وبالرغم من رؤيته المتفائلة لبنود الاستراتيجية، لكنه يعترض على مدة الخمس سنوات المقررة للعمل على تنفيذ بنودها "كانت ممكن تبقى سنة واحدة نشتغل فيها جامد، وتحصل انفراجة والعالم يبص علينا، لكن فترة الخمس سنوات طويلة جدًا، وناس كتير هتتظلم، علشان نطبق بند بند منها ونوديه البرلمان ويكون عليه تشريعات ده موضوع طويل، وعايز سرعة فلازم بقى نشوف الأولويات، وأولياتي هي إنهاء الحبس الاحتياطي والتدوير".

هذه خطتي

تبدو رغبات إسحق وكأنها أحلام غير عملية، لكنه يؤكد في حواره على وجود خطة لديه، وحده على الأقل، للتأكد من إقرار صلاحيات المجلس القومي لحقوق الإنسان، هذه الخطة تعتمد على الكلام "مش أول مرة نتكلم، المجلس اللي فات عمل لائحة مع مصلحة السجون لكن لم يتم العمل بها وكانت تشمل كيفية معاملة السجون للسجناء، وتحديد أوقات التريض وكل ما يخص السجناء، وتقدم بها المجلس السابق وتمت الموافقة عليها لكنها لم تطبق".

وفي مواجهة تجاهل التطبيق أشار إلى عزمه "تقديم مشروع متكامل لبدائل الحبس الاحتياطي ووقف التدوير، والمعاملات داخل السجون، قبل الذهاب إلى البرلمان لمناقشته وإقراره. والآليات العملية التي سيتخذها "في النهاية منقدرش نعمل حاجة دون تشريعات"، معلنا استمراره في "مخاطبة مجلس النواب والجهات الأمنية من خلال قوائم للإفراج عن المعتقلين"، يقول أنه بدأ بالفعل العمل على هذه القوائم، واطلعت المنصة على نسخة منها، تضم عشرات من المسجونين احتياطيًا وآخرين يقضون العقوبة بالفعل.

يرغب إسحق في تعديل القانون لكي تصبح زيارات المجلس إلى السجون بالإخطار فقط دون الحصول على إذن نيابة، كما يسعى لزايرة أحمد دومة وعلاء عبد الفتاح، وغيرهما من السجناء الذين يشتكون من ظروف حبس سيئة "دومة بنعمل له حملة علشان الإفراج عنه لأنه قضى أكتر من نصف المدة، وده برضه من الحاجات اللي لازم تتغير إنه بيتم منح حق الإفراج الشرطي للجنائيين فقط، وفي المجلس السابق تشكلت لجنة للعفو الرئاسي من الكاتب أسامة الغزالي، وضمت عشرات من الأسماء، ولكن تلك اللجنة توقفت عن العمل دون أسباب بعد بذل مجهود كبير"، لتصبح القائمة الجديدة التي أعدها هي أولى القوائم التي سيعمل عليها المجلس في دورته الجديدة.

لكن أكثر أمال إسحق المعلقة على المجلس الجديد أن يكون الإبقاء عليه بداية لانفراجة في وضع المسجونين مثل التي يتحدث عنها مسؤولين مقربين للسلطة دومًا، وربما تأتي بشائر التغيرات بتلقيه دعوة لحضور افتتاح مجمع سجن وادي النطرون الجديد، بعد توقف تلك الدعوات من 2019 "لسه مقررتش هروح ولا لأ، ولسه مش قادر أحدد إذا كان في انفراجة وناس هتطلع والسجون مش هتكون مكتظة، فليه إحنا محتاجين نبني سجون جديدة ولا لأ، يعني يمكن لما أشوف السجن أقرر".

لا يتوقع إسحق أن تظل الأمور بهذا السوء، فالتغيير لابد أن يتم "الحقيقة إنه لو محصلش تغيير مش هاستحمل وهاستقيل، لكن أتوقع أن يحدث تغيير"، متخوفًا من غضب البعض الذي قد يوصل للانفجار "الخوف إن الناس تجيب آخرها. الأسعار بقت غالية، والحياة صعبة، ووقتها هيكون الموقف أصعب من كفاية ومن 25 يناير، لازم يكون في فرصة للناس إنها تتكلم لأنها خايفة تتكلم يتقبض عليها، وإنه يكون في حل لزيادة الأسعار".