ناخبات مصريات يدلين بأصواتهن في الانتخابات الرئاسية 2012. الصورة من حساب هيئة الأمم المتحدة للمرأة- فليكر

حكايات امرأة: لكل منا غربتها الخاصة

أن تحكي يعني أنك نجوت، أو كدت تنجو، من التجربة، فالحكايات نتاج ما فعلته بنا التجارب وما فعلناه حيالها. لكل امرأة تجربتها الخاصة نشترك في نتائج إجمالية وخطوط عريضة تتعلق بالتمييز وعدم الإنصاف ونختلف في كل التفاصيل الصغيرة التي شكلت شخصياتنا ونفوسنا ومواقفنا. فكل حكاية نمر بها أو نسمعها ونحللها ونتعاطف مع أبطالها أو نغضب منهم، تترك في نفوسنا أثرًا. كل علاقة اجتماعية سواء على مستوى الأسرة أو الأصدقاء والصديقات أو زمالة الدراسة والعمل أو الجيران أو حتى الغرباء في الشارع تساهم في بناء جزء من شخصياتنا.

يتشكل وعينا مع الحكايات التي تحكيها الأمهات والآباء والجدات منذ طفولتنا المبكرة، عادة ما يحكون عن "الأميرة" التي تنتظر فارسها على حصان أبيض ليخطفها إلى حياة مليئة بالرومانسية والسعادة. يتشكل وعي الفتيات على تلك الشاكلة يترسخ بداخلها أن السعادة تأخذ شكلًا واحدًا وهو فارس أو أمير يأتي ليحققها. لا تروي الحكايات عن الفتيات اللاتي ينتزعن سعادتهن بأيديهن من بين براثن الحياة وصعوباتها، أو يرسمن مصيرهن بأنفسهن ويخترن من يمكن أن يسير إلى جوارهن في رحلة الحياة أو في جزء منها.

لكنني كنت سعيدة الحظ بأبي الذي أعاد صياغة الحكايات على مقاسي؛ فأتذكر أنني كنت بطلة كل حكاية حتى وإن انتهت بلقاء الفارس أو الأمير، غير أنني دائمًا ما كنت أختار وأخوض المعارك مع بطل كل قصة وأشارك في إحراز النصر على الشر بنفسي بدلًا من الانتظار قليلة الحيلة ليأتي رجل ما من مكان ما وينتصر ثم يأخذني معه لأشاركه فرحة انتصاره.

الضربة التي لا تقتلكِ تجعلكِ أكثر قوة

حقيقة يمكن رؤيتها متجسدة في قصص النساء حولنا، كثيرات انهزمن أمام واقع يعاديهن ويحط من قدرهن لكن أخريات نجحن وقدمن نماذج ملهمة لأجيال لاحقة، سبقن عصورهن وكن قويات بما يكفي لتحمل الضغوط ومقاومتها ورسم نموذج مختلف للحياة وكأنهن قادمات من المستقبل.

في مسلسل آوتلاندر Outlander، أرى حكايات كلير السيدة الغريبة/ الدخيلة على المجتمع، القادمة من المستقبل، وكيف ترى نفسها وكيف يراها الآخرون، فأتذكر حكايات النساء المختلفات في حياتي سواءً ممن عايشتهن شخصيًا أو سمعت وقرأت عنهن. كل امرأة مختلفة كانت "غريبة" أو دخيلة على المجتمع الذي عاشت فيه. بعضهن كن سعيدات الحظ ووجدن أفرادًا من ذلك المجتمع يقدرونهن فتمكنَّ من الحياة والتأثير، بينما أخريات لم يسعدن بمثل ذلك الحظ فانتهى بهن الأمر للهزيمة أمام ما يفرضه المجتمع، الذي قد يبلغ القتل أحيانًا.

كلير بطلة آوتلاندر التقت رجلًا خالفت أمه المجتمع ورغبة أبيها وتزوجته، بعد علاقة جنسية، رغم أنه دون المستوى الاجتماعي. فكبر الابن على خلاف مع جده لأمه الذي دومًا ما اعتبره "ابن حرام" وحمل كراهية دائمة لأبيه. تلك الخلفية الاجتماعية كانت جزءًا من حكاية الشاب التي ساهمت في تشكيله وجعله أكثر قدرة على تقبل الاختلاف. فحين التقى بالبطلة سليطة اللسان، عكس المتعارف عليه عن النساء المهذبات، كان على استعداد لتقبلها ببساطة والتسامح مع اختلافها وربط ذلك الاختلاف بأمه التي كانت مختلفة أيضًا.

الاغتراب الذي عانته كلير كان مبررًا، فهي امرأة غريبة هبطت فجأة على مجتمع بسيط في حالة حرب، ولديها مهارات متميزة في الطب كما أنها تمتلك شجاعة فائقة وثباتًا انفعاليًا نمّا كثيرًا من تجربتها خلال علاج الجنود في الحرب العالمية الأولى وبعد عدد كبير من الأهوال التي مرت بها فجعلتها تشكل آراءها الخاصة بناء على قناعات وتجارب حقيقية ومؤلمة. تلك التجارب جعلت منها شخصًا مختلفًا عن مجتمعها في زمنها وزادت الفجوة بينها وبين ذلك المجتمع البدائي الذي دفعت بها التجربة إليه قبل 200 عام من الزمان، وكلما أدرك المحيطون بها مدى ثقافتها ووعيها كلما خافوها أكثر وحاولوا كسرها أو رغبوا في امتلاكها . تلك هي الغربة التي تشعر بها كثير من النساء في المجتمعات المنغلقة غير أنهن لا يهبطن من السماء فجأة بل يولدن ويكبرن في تلك المجتمعات لكن يتشكل لديهن وعي مختلف أكثر تقدمية وتحررًا. ورغم تلك الروابط الظاهرة بالمجتمعات لكن الإحساس بالاغتراب وعدم التناغم وبالتالي فقدان الأمان يسكن النساء المختلفات وكأنه جزء أساسي من وظائفهن الحيوية تماما كالتنفس والحاجة للماء والطعام.


أتذكر الآن صديقتين عرفتهما في مرحلة عمرية سابقة إحداهما مسلمة متحررة والأخرى مسيحية متشددة؛ حين كنت أرى كل منهما وحدها أتعجب كيف يمكن لشخصيتين متناقضتين أن يتجاذبا بهذا الشكل بدلا من التنافر. وحين بدأت الحديث معهما فهمت أن الاغتراب كان العامل المشترك الذي جمع النقيضين وقربهما. كل منهما شعرت بالاغتراب في مجتمعها وفي بيئتها ومشاركة مشاعر الاغتراب تلك كانت الرباط الذي وثق صداقتهما التي استمرت حتى اليوم رغم التباعد الجغرافي.

(ج) كانت فتاة من أسرة مسيحية من قرية ذات أغلبية مسيحية بينما (ن) كانت فتاة مسلمة من قرية قريبة يدين كل سكانها بالإسلام. كلتاهما نشأت في بيئة ترفض الآخر وتتعامل مع النساء باعتبارهن في منزلة أدنى من الرجال ومصدرًا محتمل للعار. كلتاهما رفضت تلك النظرة الدونية لهن وعبرت عن آراء مغايرة للسائد ودفعت الثمن، وشعرت بالنبذ من أغلب المحيط الاجتماعي، ومن هنا بدأت الصداقة. إحداهن قررت بعد الجامعة ترك قريتها تمامًا والهرب للعمل في المدينة وقطع كل العلاقات الاجتماعية مع الجميع ما عدا الأم التي تواطأت معها في خطة الهرب خوفًا من تزويجها رغمًا عنها. والثانية تزوجت وهاجرت مع زوجها إلى الخارج لتمارس معتقداتها دون سخرية ودون كراهية. كلاهما اغتربن في مجتمعاتهن الأصلية واخترن غربة أخف وطأة في مجتمعات غريبة لتكون كل منهن أقرب إلى ذاتها الحقيقية.

الصديقتان تتبادلان المكالمات والأخبار والهدايا عبر المسافرين بين البلدين وتحافظان على صداقتهما التي تجاوزت المعتقدات وهزمت العقبات الاجتماعية فجعلتهما المحن والضغوط والتمييز أكثر صلابة وأكثر تمسكًا باختياراتهن. على النقيض عشرات ومئات من زميلاتهن اللاتي عرفنهن في رحلة الحياة هزمتهن الصعاب وتماهين مع الواقع بل ومنهن من مارسن التمييز والقهر ضد باقي النساء.

خارج القوالب المتعارف عليها

جوهر الاغتراب في مجتمعاتنا هو أن يكون الوعي بالذات أقوى من القوالب الجامدة التي صنعتها الثقافة الذكورية على مدار قرون طويلة فتجد المرأة نفسها خارج كل القوالب المتعارف عليها، وتقرر أن تكون نفسها فيراها الجميع ويحتارون في تصنيفها ويخشونها ويخافون تأثيرها الذي يقلقل السلام الوهمي الذي يعيشونه.

تقول إحدى الصديقات إن اختلافها كان دوما سببًا لشعورها بالاغتراب. جاءت ولادتها في السعودية وعاشت طفولتها هناك وبالتالي كانت مختلفة عن الجميع حولها فعاشت أول غربة لها بسبب التعبيرات والكلمات وطريقة التعامل مع الحياة. وحين عادت الأسرة إلى مصر لم تجد مجتمعها أيضًا وظلت تشعر بغربتها وإن كانت غربة من نمط مختلف. وحين بدأت العمل كمدرسة كانت طريقتها في التعامل مختلفة لدرجة أنها تنظر حولها للجميع وتقول "أنا لا أشبه هؤلاء"، وسلوكيات الجميع ونظراتهم تقول نفس الشيء عنها.

ارتدت الحجاب بحكم العادة الاجتماعية ورغم ذلك لم تشبه باقي المجموعة المحيطة بها اللاتي كن ينتمين لجماعة الإخوان والحجاب بالنسبة لهن هوية وله شروط خاصة، وبالتالي كانت يومًا تلو آخر تتأكد أكثر من أنها "مش شبه الناس دي". الأخريات اعتدن كبت مشاعرهن وتسطيح شخصياتهن للتماهي مع القالب الذي أعدته الجماعة سلفًا عن المرأة الصالحة بينما هي اعتادت طوال عمرها التعبير عن مشاعرها ورؤية مشاكلها بوضوح والتعامل معها بقوة.

لم تجد حلًا لغربتها وسط تلك المجموعة وتركت الريف إلى مدينة كبيرة، وغيرت عملها وخلعت الحجاب فاقتربت من ذاتها وهويتها الحقيقية، لكنها ظلت تشعر بالغربة وظل الآخرون ينظرون إليها بنفس الحيرة والغضب والخوف لعدم القدرة على تصنيفها ووضعها في قالب بعينه. تذكرها التساؤلات الصريحة دومًا بتلك الغربة وتغذيها الريبة والكراهية والغيرة في تعاملات كثيرات وكثيرين. ولأنها تجاوزت الأربعين دون زواج استمر تعامل المجتمع باعتبار أنها "معيوبة" فهي لم تتبع النمط المتعارف عليه في الكثير من الأشياء.

في بعض الأحيان يكون السبب في التعامل المختلف معها هو عدم قدرة البعض على الاعتراف بالضعف فهن يتمنين فعل أشياء نجحت هي فيها لكن لا يستطعن تحدي النسق الاجتماعي السائد وبالتالي يشعرن بالغيرة ويتعاملن بعدوانية. وفي أحيانٍ أخرى مجرد عدم القدرة على تصنيفها يكون المبرر الوحيد. فهي مزيج من خبراتها الطويلة والمتعددة تتعامل مع أصحاب العقائد الدينية المختلفة بتسامح وتصادق من يشبهنها منهم، تشعر بالراحة داخل الكنائس وحين تشعل الشموع، وتعشق التصوف وتعتبر الطريقة الشاذلية جزءًا من تكوينها النفسي. لا تحكم على الناس بناء على هوياتهم وميولهم الجنسية، فلها أصدقاء وصديقات مثليين ومثليات وغيريين وغيريات.. كل تلك التفاصيل المتعددة تزعج التقليديين منها فهي لا تتسق مع أي من القوالب التي أعدتها أدمغتهم سلفًا بناءً على الأنساق الاجتماعية والثقافية السائدة.

في البداية قاومت الاغتراب بمحاولة التجاهل والإنكار، ولاحقًا حاولت التشبه بالقالب السائد. لكن في النهاية انتصرت لنفسها ولذاتها الحقيقية بتكوين دائرة مجتمعية صغيرة حولها من بشر يشبهونها، وخارج تلك الدائرة تتعامل في المساحات المشتركة مع الدوائر والمجتمعات الأخرى وتترك الاختلافات جانبًا بحيث يمكن رؤيتها وهي خارج مساحة الجدل الذي يفتح بابًا للمشاعر السلبية والتدخل لمحاولة السيطرة على حياتها وإعادتها لأحد الأنساق المتعارف عليها بين القطيع.

أثر الفراشة.. لكل معركة دور في التغيير

بعض التجارب لا تكسبها صاحبتها لكن هذا لا يعني أبدًا أنها معارك خاسرة، في حالات التغيير الاجتماعي والتطور الثقافي لا توجد معارك خاسرة طالما أنها معارك نحو التقدم والتطور وتحقيق حياة أفضل للبشر، ربما لا نكسب المعركة اليوم لكن خوض المعارك في حد ذاته يكون هو الخطوة الأولى نحو لفت الانتباه نحو مشكلة ما وإثارة الجدل حولها. ويكفي أن نقرأ عن كيف تعاملت المجتمعات مع المطالبات بحق النساء في الانتخاب والترشح لنرى أن المعركة بدت في حينها "معركة خاسرة" ولولا أن نساء قررن خوضها، وتبعهم رجال كذلك، ما كنا لنعيش اليوم الذي يتعامل فيه العالم مع هذا الحق باعتباره أحد البديهيات الحياتية.


اقرأ أيضًا: ثنائية الامتلاك والاحتياج وضرورة "التطرف النسوي"

تصميم: يوسف أيمن - المنصة

في الحريات الشخصية تخسر النساء مئات الآلاف من الجولات كل يوم، ومع كل جولة تزداد غربة النساء ويزداد شعورهن بالظلم وعدم المساواة. لكن التاريخ يؤكد أن كل جولة خاسرة في مجال الحريات الشخصية عادة ما تكون خطوة نحو الفوز في المعركة النهائية.

في الأفلام القديمة نماذج لتلك الجولات التي خسرتها نساء ومهدن الطريق للأجيال التالية كي تكسب المعركة. في فيلم الآنسة ماما يتغزل العاملون في المنزل والعمارة بالفنانة صباح ويقومون بعملها بدلًا منها لكونها امرأة جميلة رغم أنها لا تتقن أي من الأعمال المفترض أن تكون من مهامها الوظيفية. التحرش كان يتم التعامل معه باعتباره "معاكسات لطيفة ومقبولة" في الكثير من الأوقات والسماح به كان يوفر بعض المزايا للنساء. لكن مع زيادة الوعي ومع معرفة النساء بتأثيره السلبي عليهن وبعد معارك متعددة وطويلة أصبح التحرش مجرمًا بنص القانون. لكن التجريم ليس سوى جولة تم كسبها ويظل تعديلات جديدة مطلوبة تتعلق بتعريف التحرش الجنسي والآلية الحقيقية لمواجهته فعليًا كجزء ومكون من مكونات الثقافة الذكورية التي تكرس للعنف ضد النساء.

الحكايات سواء في الحياة الواقعية أو في السينما والأدب والفن هي باب واسع مفتوح على مصراعيه لقراءة عمليات التحول وكيف تتحول الهزائم الصغيرة إلى انتصارات كبيرة وكيف تخلق النساء مستقبلًا أفضل للأجيال التالية بمعرفة أنفسهن وصنع حكايات جديدة.