بيب جوارديولا. الصورة: الصفحة الرسمية لمانشستر سيتي على فيسبوك

الرجل الأوحد: كيف ظل جوارديولا "مهيب ركن" رغم سقوط صدام حسين؟

"الرفيق القائد صدام حسين يتولى رسميًا قيادة الحزب والدولة".

في صباح يوم 16 يوليو/ تموز عام 1979 استيقظ العراق على هذا الخبر الذي هز الأرجاء؛ الرئيس أحمد حسن البكر يتقدم باستقالته من رئاسة الدولة ويمنح كافة صلاحياته لنائبه صدام حسين المجيد التكريتي، ليتولى رئاسة الدولة وأمانة سر حزب البعث العربي الاشتراكي مع منحه رتبة "مُهيب الركن" أعلى رتبة عسكرية في البلاد شرفيًا باعتباره القائد العام للقوات المسلحة.

مع وقع المفاجأة بدأ العراقيون في التساؤل حول الحالة الصحية الحقيقية للرئيس البكر وهل تقدم باستقالته طوعًا أم تحت تهديد السلاح؟

لم ينتظر العراقيون كثيرًا حتى جاءهم الرد "باسم الشعب.. الحكم بالإعدام على خونة الحزب والثورة، الرفيق الرئيس صدام حسين يعلنها: البعث والثورة أقوى من كل أشكال التآمر".

الصفحة الأولى من جريدة الجمهورية، العدد الصادر 8 أغسطس 1979

بعد أيام من تولي السيد النائب رئاسة الجمهورية بشكل رسمي وتحديدًا يوم 22 يوليو/ تموز أطل علينا ببدلته السوداء وشاربه الغليظ في اجتماع طارئ للحزب بقاعة الخُلد ضم كافة أعضاء القيادة القُطرية، خلال الاجتماع أعلن صدام أنه كشف عن طابور خامس متآمرٍ داخل الحزب، يهدف إلى تسليم البعث إلى الرئيس السوري حافظ الأسد.

بعدها تقدم القيادي البعثي محيي عبد الحسين بأسماء 68 متهمًا مشتركًا في التآمر، ليأمر صدام بإخراجهم من القاعة في مشهدٍ مهيب تقشعر له الأبدان وليعلن بعدها بأيام إعدام 22 اسمًا مع توقيع عقوبات قاسية على باقي المتآمرين، ولملء الأماكن الشاغرة في القيادة قرر صدام تصعيد أقاربه من الدرجة الأولى ومواليه في الحزب.

من وجهة نظر الكثيرين كانت هذه الحادثة هي الولادة الحقيقية لقائد العراق الأوحد والوحيد، في بلد يَمْلَؤُه الرعب والخوف.

بعد هذه الحادثة بسنوات، وتحديدًا في نهايات عام 2008 أي بعد سقوط صدام وحزبه، اتضح لرئيس نادي برشلونة وقتها خوان لابورتا أن النادي يحتاج لمدرب جديد ينتشله من هذا الفقر التكتيكي والمعنوي، في كتابه Pep Guardiola: Another Way of Winning: The Biography يحكي لنا الكاتب عن مواقف تؤكد عدم قدرة نجوم الفريق على العطاء مرةً أخرى، فمثلًا: رونالدينهو ينام على طاولات المساج وعلى جوانب ملعب التدريب، ديكو يغيب عن التدريبات لأنه يصطحب ابنه إلى المستشفى، ورغم وجاهة العذر لكنه لم يكن يتدرب كثيرًا حال وجوده، أما تياجو موتا فكان يقيم الحفلات يوميًا لدرجة أن النادي اضطر لإرسال أشخاص للبحث عنه عدة مرات.

مواقفٌ تؤكد على أن النادي بحاجة إلى تغيير حقيقي شرط أن يكون صارمًا، وهنا جاء ذكر اسم مدرب الفريق الرديف بيب جوارديولا ليتم التعاقد معه بسرعة شديدة.

بعد أيام من تولي مدرب الرديف قيادة الفريق الأول، أطل على اللاعبين بصلعته الخفيفة في اجتماع طارئ قرر عقده بعيدًا عن وسائل الإعلام، خلال الاجتماع أعلن بيب أنه كشف عن مشاكل ضخمة لدى بعض اللاعبين تتعلق بسطوتهم وتفككهم، وأعلنها صراحةً في رسالة تبث في نفوس الجميع الخوف والاحترام "لن أسمح أن يصبح الفريق مجموعات صغيرة متفرقة، نريد أن نكون فريقًا واحدًا".

بعدها تم التوقيع على قرار التخلص من هؤلاء اللاعبين أمثال رونالدينهو وديكو وزامبروتا، ولملء الأماكن الشاغرة قرر بيب تصعيد لاعبين من طينة سيرجيو بوسكيتس مع استقطاب آخرين مثل جيرارد بيكيه وداني ألفيس.

ربما كانت هذه الحادثة هي الولادة الحقيقية للفيلسوف، المسيطر دائمًا على كل شيء والذي لا يجرؤ أحد من اللاعبين على رفض أوامره.

خطوط درامية متشابهة بين القصتين قد تجعل القارئ يعيد النظر في بيب جوارديولا كمعادلٍ موضوعي لصدام حسين، ففي النهاية يُرسم الرجلين جماهيريًا في صورة القائد الأوحد والوحيد الذي لا يشق له غبار.

وهنا تكمن الأزمة والتساؤل: هل يوجد بين طيات التاريخ من يمكن مناداته كقائد أوحد؟ أم أن الأمر برمته خيالات شعبية مجردة من الحقيقة؟

الشمولية: بين التعريف العلمي والممارسة الواقعية

في كتابه Japan Inside Out الصادر عام 1941 يعرِّف إي سنج مان، رئيس كوريا الجنوبية السابق، الشمولية على أنها الإتجاه المعاكس تمامًا للعالم الديمقراطي، حيث للأفراد أهمية أكبر من المجتمع، أما مفهوم السلطوية فيأخذ منحنى أكثر راديكالية تجاه أهمية الأفراد ليصل في النهاية إلى تقديس فرد واحد فقط لا غير، وأكد على نفس المفهوم كارل بوبر، في كتابه The Open Society and Its Enemies ، حيث عرَّف الديمقراطية الليبرالية المتواجدة في أنظمة سياسية مثل النظام الإنجليزي على أنها النقيض الموضوعي للشمولية القائمة على فكرة حكم مجموعة واحدة متسلطة على الجميع، وهو النظام الذي ساد في ألمانيا النازية على سبيل المثال.

أما المؤرخ البريطاني إدوارد هاليت كار، ورغم تأكيده على نفس المفهوم فإنه أظهر في كتاباته ميلًا للنظام السوفيتي الشمولي المستند على الماركسية اللينينية، مستدلًا في ذلك على النمو الاقتصادي الهائل للاتحاد السوفييتي ودور السوفييت في هزيمة ألمانيا النازية.

وهنا يمكن تفكيك الأمر إلى أجزاء: الاتحاد السوفيتي دولة تقوم على فكرة شمولية فيما يخص السيطرة التامة للحزب الشيوعي السوفيتي على كافة مقاليد الحكم باعتباره قائد الدولة والمجتمع، في عهد جوزيف ستالين تقلص دور الحزب بشكل جوهري ليحل محله ستالين كقائد واحد يدير الأمور، ومن هذا المنطلق أصبح استخدام القوة تجاه الجماهير أمرًا أكثر جدية نظرًا لانهيار الأيديولوجيا الجامعة للشعب والمتمثلة في الحزب الشيوعي واستبدالها بفرد واحد يتمتع بكاريزما هائلة لكنه لا يستند على فكرة تُخاطب العقل أو المشاعر، بل يمسك بزمام الأمور من خلال مزيج من الخوف المخلوط بتقديم العطايا للأتباع المخلصين، الأمر الذى أدى إلى سلسلة معقدة من التصدعات انتهت بتفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991.

لكن؛ هل أصبحت الدولة فعلًا تحت تصرف ستالين وحده؟ أم أن الهيبة التي يتمتع بها والقصص التي انتشرت في الأنحاء عن مدى قوته وطغيانه حمَّلته صفاتً ليست فيه؟

يمكننا أن نُرجع هذا الأمر إلى الشخصيتين الرئيسيتين في هذا التقرير ونسأل: لماذا أصبح العراق متجسدًا في شخص صدام حسين؟ ولماذا يكون بيب جوارديولا دائمًا نجم فريقه الوحيد؟

ليس حفل شاي

بيب جوارديولا وفريق برشلونة، صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

"الحُكم ليس حفل شاي، فالحاكم حاكم رغم كل الظروف، بل ربما يكون الحاكم غير مثقف وغير مؤهل فكريًا لتولي السلطة، لكنه إذا امتلك الهيبة وامتلك الإعلام يمكنه إتقان عملية الحكم".

أستاذ العلوم السياسية عبد الله النفيسي.

يقول الكاتب والمدرب منير صبار عبر صفحته على فيسبوك، إن نبرة الصوت هي ما يصنع شخصية المدرب عند اللاعبين، وضرب المثل في تصريح تشافي عن المدرب الإسباني لويس إنريكي في إحدى حلقات برنامج The Coaches Voice، حين قال "رغم أننا لا نعرف لويس معرفة شخصية، لكننا نلمس شخصيته القوية من نبرة صوته المفعمة بالثقة في النفس، وقدرته العالية على الإقناع" وهذا بالضبط ما يمكن تسميته بالهيبة، عندما تتحدث يصغي لكَ الجميع ويقتنع بما تقوله مستخدمًا في ذلك نبرة صوتك الجذابة وحركاتك التي توحي بالثقة والقوة المفرطة.

يمكننا أن نشطب اسم لويس إنريكي ونضع اسم بيب جوارديولا بديلًا، وسيكون الأمر منطقيًا أيضًا، يتخذ بيب منهجًا استبداديًا في تنفيذ أسلوبه كما يتبع سياسة عدم التسامح مطلقًا تجاه اللاعبين المؤثرين على وحدة المجموعة الأمر الذي يجعل من اللاعبين المعارضين لقراراته عرضة دائمة للرحيل، وما يجعل الأمر واضحًا تلك التصريحات التي أدلى بها جيرارد بيكيه، مدافع نادي برشلونة الإسباني، لبرنامج La Sotana الإذاعي عندما تم سؤاله عن علاقة جوارديولا ولاعبيه قال "بيب يريد السيطرة المطلقة على كل ما يحدث، إنه يتحكم في فريقه بشكل حاسم، وهذا هو الوقت الذي يكون فيه في أسعد حالاته".

تصريحاتٌ اعتبرتها صحيفة مانشستر إيفيننج نيوز أمرًا في غاية الخطورة، حيث نشرت في تقرير لها بعنوان "تصريحات جيرارد بيكيه عن بيب جوراديولا تدق جرس إنذار لنجوم مانشستر سيتي" أن تلك التصريحات تدعو نجوم الفريق لبحث علاقتهم مع جوارديولا مرةَ أخرى خاصةً إذا ساءت النتائج أو الأمور في النادي، أو شعر بيب أنه فقد السيطرة؛ فعندها كل فرد داخل النادي مهدَّد بالرحيل.

كما أشار التقرير إلى نزعة نرجسية تكمن داخل عقل الإسباني وكانت سببًا مباشرًا في زيادة هيبته بين اللاعبين، حين صرح في أكثر من مناسبة، خاصةً في فترة المشادات الكلامية مع البرتغالي جوزيه مورينيو، أنه "القائد" و"الرئيس"، ولذلك نجد في استمراره مدة 6 سنوات قابلة للزيادة مع نادي مانشستر سيتي أنهم هيأوا له الظروف بالفعل ليكون القائد والرئيس.

توجد هنا نقطة التقاء بين الإسباني و"مهيب الركن". بعد ساعاتٍ قليلة من تولي صدام حسين السلطة أذاعت شاشات التلفزيون أغنية بعنوان غالي صدام غالي لتفتتح عهدًا جديدًا سيكون لصدام سلطة مطلقة فيه، معتمدًا على قوته الغاشمة الاستخباراتية وعلى هيبته التي لا تتكرر، وبالرجوع إلى حديث عبدالله النفيسي حول صفات الحاكم سنجد أنه ضرب مثلًا واحدًا كدليل على صحة كلامه وهو صدام حسين "صدام كان متواضع الثقافة، لكنه كان متقنًا لعملية الحكم، له هيبة وله عصبية، جمع الكاريزما وجمع الإعلام وهذا هو سبب حكمه للعراق لفترةِ طويلة ".


أغنية غالي صدام غالي


ويمكن الرجوع أيضًا إلى تصريحات جون نيكسون، المسؤول عن التحقيق مع صدام بعد اعتقال القوات الأمريكية له عقب غزو العراق، حيث قال "صدام كان من أكثر الشخصيات المؤثرة التي قابلتها في حياتي، كانت لديه القدرة على أن يكون مبهرًا، لكنه كان يتحول إلى النقيض ليصبح شخصًا مرعبًا عندما يفقد السيطرة على أعصابه"، وربما لا ننسى أيضًا حديث ملك المغرب، الحسن الثاني، حول تأثير صدام حسين حين تحدث مع حامد الجبوري، وزير خارجية العراق السابق، قائلًا له بالنص "يا أخ حامد، عندما يدخل صدام من باب القاعة، أشعر وكأن على رؤوسنا الطير". في دلالة على شدة الرعب والتوجس.

اعتمد صدام منهجًا قاسيًا في التعامل مع المعارضين لقراراته، فمن التعذيب والتخويف داخل السجون وصولًا إلى التصفية الجسدية التي أصبحت سمةَ هامةَ من سمات النظام، ما يجعل من كل فردِ داخل الدولة معرض للسجن والتنكيل خاصةَ إذا شعر القائد أنه فقد السيطرة، صدام كان يريد السيطرة المطلقة على كل ما يحدث داخل العراق، بزيه العسكري وبندقيته البرنو التي يطلق النار منها منتشيًا، كان يتحكم في البلاد بشكل حاسم وهذا هو الوقت الذي يكون فيه في أسعد حالاته، وطبعًا لن ننسى النرجسية الواضحة التي أظهرها عدة مرات حين يتحدث عن نفسه باعتباره حفيد الإمام علي بن أبي طالب، وأنه مُرسل للعراق ليكون رمز عزِّه ورخائه.

هذه الجاذبية المخلوطة بالشغف والقدرة على اتخاذ القرارات والقسوة في كثيرِ من الأحيان، جعلت العامة تنظر إليه بإعجاب، وبالطبع كانت هذه السمات هي السبب الرئيسي في كسب الإعلام لصالحه، لتبدأ حملات البروباجندا سواء كانت بتوجيه من الدولة وبمؤسسات رسمية شغلها الشاغل تلميع صورة القائد، أو تطوعًا من الإعلام نفسه الغارق في السطحية والمُحب لوضع كل البيض في سلةٍ واحدة ليضفي على من يريد صفاتً استثنائية من قبيل "هبة السماء إلى الأرض"، و"الفيلسوف" و" القائد الضرورة" وآلاف الألقاب والقصص الحقيقية والغير حقيقية التي تثبت هذه الصورة الذهنية عند الجماهير، لينتهي بنا الأمر نقول "عراق صدام" و"فريق جوارديولا".


لا تزعجوا القائد

"الرئيس صدام لم يكن يعرف الكثير عن ما يجري في العراق، لم يكن يعرف القوة الحقيقية لجيشه أثناء الاحتلال".

الفريق عبد الحميد محمود الخطاب، في إحدى جلسات محاكمته.

في حلقة بعنوان خلف كل مدرب عظيم يرى الصحفي ومقدم المحتوى الرياضي لؤي فوزي أن فترة التعلم لدى كل مدرب تتوقف عند وصوله للمستوى الأعلى في مسيرته، نظرًا لفقدانه أهم ما يميز المدرب الشاب وهو "الوقت" اللازم للاطلاع على ما يستجد من أحداث، وبالتالي يصبح هامش التطور لديه أقل، هذه الميزة التي ميزت بيب جوارديولا في بداياته مع رديف برشلونة وميزت صدام حسين في شبابه عندما كان عضوًا صغيرًا في صفوف حزب البعث، كانت هي الفيصل في التخطيط وتكوين الأفكار بل وابتكار الخطط لتنفيذ هذه الأفكار والاستفادة منها لأقصى حد، ومع تقلص تلك الميزة وانعدام وجودها في فترةٍ من الفترات أصبح هامش التطور والتفكير خارج الصندوق ضئيلًا جدًا، وهو ما جعلهم يسقطون في فخ الرتابة والروتين.

في تقرير منشور على موقع بي بي سي بعنوان الملل: ما الأسباب التي تجعل البعض أكثر عرضة للشعور به؟ واستنادًا إلى تجربة لعالم النفس جيمس دانكيرت عن تأثير الشعور بالملل والرتابة، توصلت إلى أن الشعور بالملل خاصة الناجم عن الروتين يعد ببساطة رسالة من الدماغ مفادها أنك لا تتفاعل مع العالم من حولك، أي أنك فقدت السيطرة على البيئة المحيطة بك، وبالتالي يقلّ النشاط والشغف بالحياة ككل لتصبح كئيبة، كل يوم يتكرر بنفس تفاصيله وهذا على العكس تمامًا من الظروف الواجب توافرها للتفكير الإبداعي، وهنا يمكننا أن نضع سؤالًا على الهامش: كيف يسيطر شخص على مكان ما سيطرة تامة وهو في الحقيقة لا يستطيع أن يجاري التطور الذي يحدث من حوله، أو بمعنى أصح وهو لا يعرف شيئًا عن هذا المكان؟

في الحلقة سالفة الذكر، استند الكاتب إلى تقرير أعتقد أنه يوضح هذه الحالة بعنوان بيب جوراديولا يحصد ثمار الاستماع في مانشستر سيتي حيث طرح التقرير أمثلة متفرقة لمدربين مساعدين كان لهم الفضل الأكبر في مسيرة بيب جوارديولا الناجحة، وهم الآن فريق مكون من 16 مدربًا مساعدًا، دون حساب جيش محللي البيانات ومحللي الفيديو والكشافين، وغيرهم، يتناسبون تمامًا مع طريقة تفكير بيب الحذرة، ويعرفون كيف يتعاملون مع الوسواس الملازم لشخصيته دائمًا.

من بين هؤلاء مانويل استيارتي الذي يتخذ مكانًا وسط بين مدرب مساعد ومستشار رياضي ومستشار شخصي و المسؤول نوعًا ما عن دعم اللاعبين نفسيًا وذهنيًا، و ميكيل أرتيتا الذي اعترف بفضله عدد من اللاعبين أبرزهم رحيم ستيرلينج الذي اعترف مرات عدة أن أرتيتا كان المسؤول الرئيسي عن تطوير اللاعبين، وبالتأكيد لن ننسى دومينيك تورينت الذي لازم بيب لمدة 17 سنة منذ كان مدربًا لرديف برشلونة.

من هنا يظهر عنوان التقرير مناسبًا تمامًا، بالطبع ليس الرجل بجاهل أو قليل المعرفة لكنه كان بحاجة إلى اختيار مساعديه الأكفاء ومعرفة كيف يوظف إمكاناتهم، وكيف يكون منفتحًا للاستماع لنصائحهم، لأنه لا يعرف الكثير في حقيقة الأمر، ومن هنا جاء نجاح المنظومة ليلمع اسم بيب مجددًا ويبدأ التركيز عليه من الإعلام وعلى ردود فعله الغاضبة والغريبة وتنسج القصص عن قوته، في دائرة مفرغة تصب في مصلحة بيب في النهاية.

والأمثلة كثيرة على هذا الأمر، هل سمعت يومًا عن الفريق أول عبد الحميد محمود خطاب التكريتي الشهير بعبد حمود، السكرتير الشخصي للرئيس صدام حسين، و مدى سطوته على الجيش؟ في وثائقي نشرته وكالة ستيب نيوز الإخبارية عن عبد حمود ذكرت المصادر أنه كان يتحكم تمامًا فيمن سيقابل الرئيس وكان يخفي التقارير الحقيقية للوضع العسكري عن صدام، على حد تعبير الفريق طالب السعدون، عضو المكتب العسكري بحزب البعث العربي الاشتراكي، كما كان مصرحًا له بإعطاء الأوامر للوزراء، ولعلك تعرف القصة المتداولة أنه عندما جاء بعض الوزراء طالبين مقابلة القائد حيث استقبلهم عبد حمود بوجهه المتجهم قائلًا لهم "إن أعطي لكم الله شرف مقابلة السيد الرئيس القائد فكونوا ودودين ولا تتحدثوا عن أمور قد تزعجه، تحدثوا عن الإيجابيات فقط".

وهنا يمكن الربط بين هذا الحديث وتصريحات الفريق رعد مجيد الحمداني، قائد الفيلق الثاني في قوات الحرس الجمهوري، في كتابه قبل أن يغادرنا التاريخ أن قادة الجيش كانوا في مزادٍ لاستعراض القوة الوهمية أمام صدام وذلك للحفاظ على مساحة الأمان الشخصي.


اقرأ أيضًا: جوارديولا: رهان الأجنحة الأربعة و"الهداف جندوجان"

بيب جوارديولا. الصورة: الصفحة الرسمية لمانشستر سيتي على فيسبوك

لو لم تسمع عن عبد حمود فبالتأكيد سمعت عن الفريق أول ركن حسين كامل المجيد زوج ابنة صدام ورجله المدلل، وزير الصناعة والتصنيع العسكري الذي كان يأمر بقتل الضباط على جبهة القتال لأسباب واهية لينال رضا القائد وهو الأمر الذي أزعج وزير الدفاع عدنان خير الله فدخل معه في صِدام لأن الجيش لا يحتاج إلى أطفال لا يعرفون التقاليد العسكرية، وربما تعرف عدنان خيرالله نفسه، وزير الدفاع الذي كان يسحب ويودع الأموال من أرصدة الجيش في سويسرا دون علم صدام.

تفاصيل كثيرة عن رجال صدام تؤدي في النهاية إلى شيء واحد وهو أنهم يطلبون رضا القائد عليهم، خوفًا منه أو حبًا فيه لا نعلم، لكنهم يسعون دائمًا في طلب الرضا منه ليبدأ الإعلام في نسج القصص عن قوته وجبروته ومدى سيطرته دون أن يكون منفتحًا لسماع رجاله وآرائهم الحقيقية، وهذا هو الفارق الحقيقي بينه وبين بيب جوارديولا.

بالتأكيد ليس هذا هو الفارق الوحيد، وبالتأكيد هناك اختلافات كبيرة بين الشخصيتين، واختلافات أكبر بين ميدان السياسة ولعبة مثل كرة القدم، لكن الأصل هنا أن كرة القدم تمثل الحياة بكل تناقضاتها والتي لن يقدر على قيادتها شخص واحد أو فكرة واحدة، لذلك إن وجدت شخصًا يقول لك هذا فريق صنعه فلان، فاذكر له أن صدام حسين لم يكن قائدًا أوحدَ للبلاد، بل واجهةً وحيدة للنظام فقط.