تصميم: هشام عبد الحميد

طاولة المقامر وشياطينه| "شريط تسجيل" سامي الدروبي وصحبه

ارتأيت حين دعيت للمشاركة في إحياء الذكرى المائتين لميلاد دوستويفسكي، والذكرى المئوية لميلاد الدكتور سامي الدروبي بأن أستعير صوته.

ففرغت جزءًا من شريط لبرنامج شريط تسجيل، وهو برنامج تلفزيوني، قدمت فيه المشرفة عليه السيدة سلوى حجازي، شريط تسجيل لسامي الدروبي ليملأه بما يرى.

فكانت دعوته، فيمن دعى، للعملاقين الأستاذ صلاح جاهين والأستاذ صلاح عبد الصبور، وكان حوارهم التالي؛ أترككم وإياهم.


سلوى حجازي: أستاذ علم النفس في جامعة دمشق، ووزير التربية السابق، وسفير سوريا في الجمهورية العربية المتحدة حاليًا. بيرجع له الفضل في ترجمة جميع أعمال الكاتب السوفيتي دوستويفسكي؛ فإليكم حلقة الليلة.

أهلا يا فندم، البرنامج بيرحب بسيادتك وبيقدم لك شريط تسجيل، وزي ما حضرتك عارف حتقدم عليه الفقرات اللي تحب تهديها للسادة المشاهدين أو الموضوعات اللي تحب تناقشها، لكن في بداية حديثنا أسأل حضرتك حتهدي الشريط لمين؟

د. سامي الدروبي: اُهدي هذا الشريط إلى الإخوة والأصدقاء الذين لبوا دعوتي إلى المشاركة في ملئ هذا الشريط، ولكنني لا أهديه إليهم عرفانًا بجميلهم الصغير هذا، وإنما أهديه إليهم عرفانًا بجميل كبير، فهم وجوه بارزة، تشارك في بناء نهضتنا الحديثة، وفي صنع الثقافة العربية، وفي إنشاء الفن العربي الحديث تصويرًا وموسيقى وشعرًا وأدبًا ومسرحًا.

د. سامي الدروبي في شبابه- الصورة: أرشيف العائلة

وأهديه كذلك إلى الشعب العربي في مصر، الذي يحمل العبء الأكبر في معركة النضال من أجل تحرير الأرض العربية، ووحدة الأمة العربية، ويبذل في ذلك أعظم التضحيات.

وأهديه بعد هذا أو قبل هذا وفوق هذا إلى الرجل الذي لن يراه، لن يرى هذا الشريط، الرجل الذي ليس كالرجال، بل كرواسي الجبال عزمًا وصمودًا، الرجل الذي يحمل هموم أمته العربية كلها، يسهر حين ننام، ويعمل حين قد نلهو، والذي تعقد على بطولته الآمال، أهديه إلى قائد أمتنا العربية، جمال عبد الناصر.

سلوى حجازي: شكرًا يا فندم على هذا الإهداء؛ الشريط تحت أمرك ونبتدي نسجل الفقرات اللي حضرتك تحب تختارها، لكن في الواقع كنت أحب أسأل حضرتك حاجة عن الكتب اللي ترجمتها، الكثيرة، حوالي أربعين كتاب كما علمت، فتفتكر إيه اللي المفروض أن يتوفر في الإنسان اللي يقوم بمثل هذه المهمة علشان الترجمة تكون في المستوى المطلوب؟

د. سامي الدروبي: لا أحسب أنني أستطيع الاجابة على هذا السؤال ارتجالًا، فأُحصي جميع الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يتصدى لترجمة الأعمال، الأعمال الأدبية خاصة، فالترجمة العلمية سهلة طبعًا، وكذلك الترجمة الفلسفية، وكذلك ترجمة التاريخ، وترجمة علم الاجتماع، وعلم النفس وما إلى ذلك، فلغة هذه العلوم لغة لا أقول إنها فقيرة، على إطلاق كلمة الفقر ولكن أقول إنها فقيرة نسبيًا؛ وإنما الغنى والثراء في لغة الأدب.

أعتقد أنني لا أضيف جديدًا، إذا قلت إن الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يتصدى لترجمة الأعمال الأدبية هي كما تحصى عادة، وكما يعددها سائر الباحثين في هذا الأمر:

  • التمكن من اللغة الأجنبية أولًا، التي ننقل عنها.
  • ثم التمكن من اللغة العربية، التي ننقل إليها.
  • وثالثًا التمكن من المادة، التي هي موضوع الكتاب أو البحث الذي ننقله إلى اللغة العربية.

بالنسبة للتمكن من المادة، المقصود من التمكن من المادة، طبعًا، حين يكون الأمر أمر ترجمة علوم أو فلسفة أو علم اجتماع أو علم نفس أو تاريخ و ما إلى ذلك هو التخصص في هذه المادة طبعًا.

أما بالنسبة إلى الأدب فالتمكن يعني في نظري، التمكن من المادة، يعني في نظري قبل كل شيء توفر الذوق الأدبي، الذوق الأدبي، وهذا موهبة، الذوق الأدبي موهبة، موهبة تُصقل ولكنها لا تُتعلم، فمن لم يكن ذا موهبة لا يمكن أن يحقن بموهبة، ولا يمكن أن يُعلم كيف يتذوق الأدب.

سلوى حجازي: طب دكتور سامي إيه رأيك في مستوى الترجمة الموجودة حاليًا واللي بتظهر بكثرة هذه الأيام؟

د. سامي الدروبي: الحقيقة أن هنالك موجة كاسحة من الكتب المترجمة التي تظهر في أيامنا هذه، بعضها جيد وبعضها رديء، بعضها جيد يستحق إعجابًا كبيرًا جدًا، لا أنسى مثلا أن فيليكس فارس حين ترجم كتاب هكذا تكلم زرادشت لنيتشه إلى اللغة العربية قد أعطانا ترجمة تضاهي الأصل، وقد أجازف فأقول إنها تفوق الأصل الفرنسي الذي ترجم عنه، ذلك أن كتاب هكذا تكلم زرادشت هو كتاب كتب باللغة الألمانية، ولكنه تُرجم إلى الفرنسية، وكان فيليكس فارس لا يجيد إلا الفرنسية فنقله عن الفرنسية، وأجازف فأقول، وهذه دعوى قد تثير الدهشة، إن ترجمته العربية جاءت أفضل من الترجمة الفرنسية التي نقل عنها؛ الفضل في هذا ليس له وحده، وإنما هو أيضًا وفي الدرجة الأولى للغة العربية التي تبلغ من الغنى والثراء ما قد لا تبلغه لغة أخرى في العالم، فمكنته من أن يعكس فكر نيتشه وروح نيتشه وشعر نيتشه، هو الكتاب كتاب نثر لكنه نثر يكاد يكون شعرًا وربما تفوق على الشعر، فاللغة العربية بطواعيتها وغناها، بطواعيتها له هو فيليكس فارس، لا بطواعيتها لمن لم يعاشرها ويصاحبها ومن لم يتمكن منها تمكنًا كاملًا، أقول جاءت ترجمته العربية خيرًا من الترجمة الفرنسية فعلًا، ويصدق هذا الكلام أيضًا على ترجمات أخرى.

لكن بكل أسف أكثر الترجمات التي تظهر لا تملك ما تملكه ترجمة فيليكس فارس، أو ترجمة غيره من المترجمين المجيدين من نصاعة البيان وإشراق الأسلوب وشفافية العبارة وما إلى ذلك من ميزات يجب أن تتوفر في الترجمة.

سلوى حجازي: دكتور سامي دايمًا بيتكلم باللغة العربية الفصحى حتى الآن ومعي، أنا بحس الحقيقة بيمكن. بضعف شديد جدًا إني أسألك بنفس اللغة العربية الفصحى السلسة اللي سيادتك بتستعملها، ولذ أنا بتساءل هل حضرتك من أنصار استعمال اللغة العربية الفصحى حتى في الحديث اليومي؟

د. سامي الدروبي: هذان سؤالان لا سؤال واحد، لماذا أتكلم الفصحى؟ ألأني أوثرها على العامية؟ نعم أنا أتكلم الفصحى لأنني أؤثرها على العامية، أما إذا سألتني لماذا أستسهل الكلام بالفصحى وبالفعل أنا حين أصطنع العامية يتعثر لساني وأتلعثم.

وعلي حقيقة؛ وربما كان الفضل في أنني أتكلم بالفصحى بطلاقة كما تكرمت فوصفت كلامي هو، يرجع الفضل في هذا، إلى أنني مارست مهنة التعليم على مدى عشرين عامًا، فكنت أستعمل الفصحى؛ وأيضًا لأنني طفت في البلاد العربية فرأيت أن هذه اللغة الفصحى، التي هي مقومة أساسية من مقومات وحدة أمتنا، هي اللغة التي أستطيع أن أتخاطب بها مع جميع الناس في كل قطر من الأقطار العربية، فإذا لم أتكلم الفصحى عز على غيري أن يفهمني، وعز علي أن أفهمه أيضًا، لأنني متى تكلمت الفصحى فسيجيبني بفصحى، فصحى ما، وعندئذ يسهل التخاطب والتفاهم؛ وحرصي على وحدة أمتنا العربية؛ وأظن أن هذه المشكلة ستثار بعد قليل حين سنتكلم مع الأستاذ صلاح عبد الصبور والأستاذ صلاح جاهين، في قضية الفصحى والعامية، لا في لغة التخاطب طبعًا، فمن الصعب جدًا أن نطلب من الناس الآن أن يتخاطبوا بالفصحى، ولكن في الكتابة على الأقل، سواء الكتابة للمسرح أو الكتابة للغناء أو الكتابة الشعرية.

سلوى حجازي: هما معانا في الأستوديو، فتفضل سيادتك... .

د. سامي الدروبي: لكن هل تعتقدين أنا استنفذنا موضوع الشروط التي يجب أن تتوفر في الترجمة؟

سلوى حجازي: أعتقد أن هناك شروط كثيرة لو تناولناه جميعًا حيبقى... .

د. سامي الدروبي- الصورة: أرشيف العائلة

د. سامي الدروبي: أنا أحرص فقط، طبعًا لا أريد أن أسيء استعمال الوقت فآخذ من الوقت أكثر مما حددتم لي، لكنني أحرص على أن أقول كلمة فيما يتعلق بما يقال عن أن المترجم يجب أن يتوفر له التمكن من اللغة الأجنبية التي ينقل عنها؛ الحقيقة أن كثيرين من الذين ينقلون عن لغات أجنبية ليسوا متمكنين من هذه اللغات الأجنبية، ليس كل من درس الفرنسية أو الإنجليزية في المدارس الثانوية أو في الجامعة بقادر على أن ينقل من هذه اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية أو من تلك اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، وإنما يكون التمكن من اللغة الأجنبية بمعرفة آدابها، وهذا يصدق على العربية أيضًا؛ ليس يتمكن من اللغة العربية من لا يقرأ القرآن كل يوم، من لا يقرأ الكتب القديمة كل يوم، من لا يرجع إلى التراث ويرتوي منه كل يوم، فإذ صدق هذا على العربي الذي ينقل إلى لغته العربية، فهو أصدق على العربي الذي يريد أن يتمكن من اللغة الأجنبية؛ ومقياس التمكن عندي من اللغة الأجنبية هو أن يصل العربي، الذي يتقن لغة أجنبية أو يزعم أنه يتقنها، هو أن يصل إلى المقدرة على تذوق الشعر في اللغة الأجنبية، على أن يُسيغ موسيقى اللغة التي يزعم أنه يتقنها. فإذا نظرنا إلى ما يصدر من ترجمات، نقع في بعض الأحيان، على مضحكات أو مبكيات إن شئت، وذلك لعدم التمكن من اللغة الأجنبية التمكن الكافي؛ إذا أردنا أن نضرب أمثلة على هذا، يعني لا يتسع الوقت طبعًا، لكن في هذا اليوم بالذات، أتيح لي أن أُقلب كتابًا مترجمًا فوجدت المترجم، والكتاب مترجم عن اللغة الفرنسية، يترجم العبارة الفرنسية المعروفة، التي يوصف بها إنسان لا يتحرج من شيء، ولا يتورع عن شيء، ولا يُحجم عن شيئ، فيقال: Il est capable de tout... فإذا بالمترجم يقول إنه قادر على كل شيء.

فهذه خطيئة فادحة، تدل على أحد أمور ثلاثة، فإما أنه لا يعرف ما توحي به كلمة إنه قادر على كل شيء أو جملة إنه قادر على كل شيء في العربية، وإما أنه لا يعرف ماذا تعني عبارة Il est capable de tout في الفرنسية، وإما أنه في اللغة العربية ليس من التمكن بحيث يجد العبارة المناسبة التي تَنقل ذلك المعنى نقلًا أمينًا ودقيقًا. على كل حال يطول الكلام كثيرا إذا نحن استرسلنا.

سلوى حجازي: ننتقل إلى الفقرة الخاصة بالعامية والفصحى، وبنرحب بالأستاذ صلاح عبد الصبور والأستاذ صلاح جاهين؛ طبعًا كنتوا معنا وبتسمعوا المقدمة اللي جاءت حول هذا الموضوع فرأيكو إيه؟

صلاح عبد الصبور: هو الواقع، أنا رأي، يمكن، عايز أقول، إن يمكن الصديق الدكتور سامي قال يمكن كل ما يمكن أريد أن أقول، إن القضية في أي فن هي قدرته على التوصيل، وأنا بتصور أن اللغة الفصحى، مش بمعنى الفصحى التقليدية، إنما الفصحى المحررة التي وصلت إلينا الآن من خلال التجارب الصحفية والأدبية، أصبحت أكثر قدرة على التوصيل من اللغة العامية حتى بين أوساط غير القراء.

وأنا دايمًا بضرب مثل بإن احنا بنجد أحيانًا، والواحد خارج من بيته، يجد مجموعة من العامة الذين لا يجيدون القراءة والكتابة جالسين حول أحد الذين يستطيعون أن يقرؤوا وهو يقرأ لهم الصحيفة اليومية، المكتوبة بالفصحى ويفهمون منها، وفي الواقع أنا بعتقد إن طبعًا القضية لم تحل، إحنا عايشين في ثنائية لغوية، هذه قضية مسلم بها، في كل البلاد العربية في عامية وفيه فصحى؛ إنما ليست مهمتنا هي تجميد الوضع، وإنما مهمتنا هي دفعه إلى الأمام بحيث تضيق المسافة بين العامية والفصحى، وبحيث تتنازل الفصحى عن كثير من جلالها أو عن كثير من تقليديتها، وترتفع العامية أيضًا وتغتني، لأنه لا شك أن الفصحى أكثر غنىً من العامية؛ يعني ممكن أقول لك على أي معنى مثلا كلمة زي الحب وهي كلمة معروفة، حنيجي نلاقي في الفصحى في عشرات المترادفات حول الدرجات المختلفة، الألوان المختلفة، المظاهر المختلفة، بينما العامية لأنها لغة استعمال يومي وليست لغة تفنن، بتعاني دائمًا من التحدد وضيق القاموس.

سلوى حجازي: إيه رأيك يا أستاذ صلاح جاهين؟ اللغة العامية بالنسبة للغة الفصحى، لو قارناهم ببعض.

صلاح جاهين: والله أنا، لأ أنا إللي شايفة غير كده، أنا شايف مثلًا، إن في ناس عندهم فصاحة في اللغة العامية، إلى درجة أنه بيبقى كل كلمة لها عدد أكبر من المترادفات اللي في الفصحى خاصة في المسائل بتاعة الحياة اليومية.

سلوى حجازي: طيب لو خدنا مثلًا الحب اللي قالو الأستاذ صلاح عبد الصبور، مرادفاته إيه في اللغة العامية؟ وفي الفصحى؟

صلاح جاهين: والله أنا أحب أقول لحضرتك حاجة، إن كلمة الحب من المعاني المجردة، والمجردات في الفصحى أغنى منها في العامية، بينما في العامية تجدي الحركات مثلًا، مثلًا حركة زي المشي ليها كذا مترادف أكتر يمكن من الفصحى، نقدر نقول إن مثلًا العامية لما بتيجي تتكلم على درجات الحب، بتستخدم ألفاظ مستعارة من الفصحى؛ وهو في الحقيقة يعني العامية ما هي يعني هي ما هي إلا حاجة خارجة من الفصحى.

سلوى حجازي: أيوة اعتراف صغير كده سريع إن الفصحى أغنى برضه مش كده؟

صلاح جاهين: بس أنا عايز أقول لحضرتك حاجة، يعني أنا في ناس لما أقعد أسمعهم بيتكلموا باللغة العامية بطرب لهم، بيقسموا كدة، ويلينوا، ويعملوا حاجات غريبة جدًا يعني، أنا مثلًا المفروض إن أنا شاعر بكتب بالعامية، وبعدين لأن ما فيش يعني مراجع ضخمة جدًا للعامية، بحيث إن أنا أعمل زي ما الدكتور سامي قال، أرجع للقرآن مثلًا أو أرجع للكتب القديمة، طبعًا في نصوص كتير جدًا الواحد يرجع لها المرحوم بيرم وغيره يعني، إنما مثلًا تجديني ساعات أحس بإجداب، في العامية إن أنا يعني خلاص نشفت في اللغة العامية، فتلاقيني أسافر بسرعة لوالدتي وقعد جنبها أسمعها بتتكلم، آخر فصاحة في العالم.

د. سامي الدروبي: يعني أنا أرى أن الأستاذ صلاح جاهين استعمل كلمة إجداب، وهو يزعم أنه يتكلم بالعامية، فتُرى لو قلنا هذه الكلمة لمن يتخاطبون بالعامية كل يوم، والذين لا تعدو مفرداتهم خمسمائة كلمة، وأقول هذا وأضع خطًا تحته، لأنني أحصيت بدراسة علمية قمت بها بالتعاون مع طلابي حين كنت أستاذًا لعلم النفس في جامعة دمشق، أحصيت كلمات التخاطب اليومي فإذا بها لا تعدو خمسمائة كلمة.

صلاح جاهين: لأ أنا قلت إجداب.

سامي الدروبي: إجداب أظن أن كلمة إجداب لا يستعملها العامة.

صلاح جاهين: هي مستعارة.

د. سامي الدروبي : الأستاذ صلاح جاهين اضطُر أن يستعملها ليوصل إلينا معنىً من المعاني، ما يستطيع أحد من العامة أن يبلغنا إياه بشكل من الأشكال.

صلاح جاهين: اسمحلي سيادتك يا دكتور، أنا سبق لي إن أنا قلت قبل كده بشوية إن المجردات موجودة في الفصحى أكتر، وإن العامية لما تيجي تتكلم عن المجردات بتستعير من الفصحى، لكن في حاجات تانية الفصحى ما بتقدرش إنها تتكلم فيها، بدليل إن الواحد يلاقي بعض الناس لما بيجوا يكتبو بيحطوا بين قوسين بعض التعبيرات العامية اللي لا يمكن إطلاقًا توجد في الفصحى.

صلاح عبد الصبور: أنا عايز أقول إن الفصحى بتعاني أيضًا من ظاهرة، وهي تجمد بعض ألفاظها، أو كثير من الألفاظ اللي فيها دلالتها ذهبت لعدم الاستعمال، وإن مهمة كتاب الفصحى أيضًا هي إحياء هذه الألفاظ وإعطائها الدلالات، واحنا في الواقع المهمة اللي بيقوم بيها هذا الجيل من الأدباء والأجيال التي سبقته هي إعطاء هذه الألفاظ دلالتها من جديد، المثال اللي كان بيقولوا الأستاذ صلاح اللي هو درجات المشي في الفصحى، في الواقع احنا لو استشرنا أي قاموس حنلاقي إن فيه على الأقل عشرين أو تلاتين نوع من المشي للرجل فقط، وعشرين أو تلاتين نوع من المشي لكل من فصائل الحيوان، إنما في الواقع أننا نستطيع أن نقول إنها جميعًا الآن ألفاظ ميتة، مهمة الكاتب الحديث مش أنه يتفاصح بيها، إنه عندما تدعو الحاجة إلى استعمالها، يحييها مرة ثانية من القاموس، وده يمكن اللي كان بيعمله المازني، اللي بيعمله دلوقت الأستاذ حسين فوزي أحيانًا في مقالاته، والأستاذ نجيب محفوظ إحياءً لبعض الألفاظ.

د. سامي الدروبي - الصورة: أرشيف العائلة

د. سامي الدروبي: طيب إذا تكرمتم أسمح لنفسي بأن نجري تجربة أمام المشاهدين، الأستاذ صلاح جاهين يزعم أن هنالك مفردات في اللغة العامية تعبر عن درجات المشي وأنواعه في العربية تعجز الفصحى عن أدائها، فليقل لنا ما هي تلك الكلمات؛ والأستاذ عبد الصبور زعم أيضًا، مخطئًا في رأيي، مخطئًا في رأيي، أن الكلمات التي تعبر عن درجات المشي المختلفة هي ميتة، أنا أزعم خلافًا لرأييهما كليهما أن كل كلمة يمكن أن يأتيني بها الآن الأستاذ صلاح جاهين زاعمًا أنها تعبر عن لون من ألوان المشي لا تفي بالتعبير عنه اللغة الفصحى، أستطيع الآن، الآن أن آتي له بكلمة مقابلة من الفصحى التي تفهمها العامة.

سلوى حجازي: والله دي تبقى تجربة مثيرة، نبتدي يا أستاذ صلاح؟ أنت موافق على الطريقة دي؟

د. سامي الدروبي: وأنا ألقي القفاز متحديًا.

صلاح جاهين: أنا شخصيًا أمام الدكتور سامي الدروبي طبعًا أتلجلج.

د. سامي الدروبي: لا هذا تمرد.

صلاح جاهين: زي التلميذ البليد يعني، (لأ العفو) إنما يعني مثلًا لو أنا كنت منيش في الموقف العصيب ده، كنت جبت كلمات كتير جدًا، إنما مثلًا حقول كلمة مثلًا، وطبعًا المرجع الأساسي لي هو والدتي، مثلًا والدتي تقول لي إيه يا واد ما تتسندلش كده.

د. سامي الدروبي: يعني ايه بيتسندل؟

صلاح جاهين: يعني بيمشي خطوة كده وخطوة كده، ويركن، وبعدين يمشي خطوة كده وخطوة كده ويقف يتفرج، أهو ده اسمه بيتسندل.

د. سامي الدروبي: وهذا باللغة العربية يقال له ما تتسكعش كده، لأن التسكع هو السير، ثم التوقف، ثم السير يمنة ويسرة، وإلى أمام وإلى وراء، والتفات النظر ها هنا وها هنا.

صلاح جاهين: طيب بمد.

د. سامي الدروبي: استعجل، غذ الخطى، أسرع في سيره.

صلاح جاهين: لكن بمد أحلى.

د. سامي الدروبي: بمد أحلى؟ من الحكم؟ أنا أقول أسرع.

صلاح جاهين: لأ أسرع دي تتقال للأوتومبيل.

د. سامي الدروبي: ثم دعنا من هذا، نحن الآن لسنا بصدد مناقشة استعمال العامية في لغة التخاطب اليومي.

صلاح جاهين: أمال ايه؟

د. سامي الدروبي: نحن بصدد استعمال العامية في الشعر، أنت شاعر تنظم بالعامية وأمامك شاعر ينظم بالعربية، ونحن نناقش هذه المشكلة لا بالنسبة إلى لغة التخاطب اليومي، فلك أن تخاطبك أمك باللغة التي تجيدها، ولك أن ترد على أمك باللغة التي تجيدها أنت أيضًا، وأنت تجيد الفصحى خيرًا مني بطبيعة الحال.

صلاح جاهين: يا سلام.

د. سامي الدروبي: لكن، لكن أنا أسألك، هل من الضروري، جدًا، إذا نظمت شعرًا أن تقول إيه هي الكلمة؟ يتسندل؟

صلاح جاهين: يتسندل، يتسندل.

د. سامي الدروبي: يتسندل، بدل أن تقول يتسكع؟

صلاح جاهين: لأ، يمكن أنا كشاعر بقى، يمكن أختار بتسكع لإني أنا بحب اللغة الفصحى.

د. سامي الدروبي: الموضوع المثار الآن هو استعمال الفصحى والعامية في الأعمال الفنية، في الأعمال الأدبية.

(صلاح جاهين: لا غير صحيح غير صحيح يا دكتور.) وعندما أتينا بك ضيفًا إلى هذا البرنامج، وأتينا بالأستاذ صلاح عبد الصبور ضيفًا إلى هذا البرنامج، لأنك تنظم بالعامية ولأنه ينظم بالفصحى، أما لغة التخاطب اليومي، فلك أن تتكلم باللغة التي تشاء مع والدتك ومع غيرها.

صلاح جاهين: لا لا لا، سيادتك أولًا بدأت الحديث باللغة الفصحى، وكانت السيدة سلوى سألت سيادتك أنت بتتكلم بالفصحى ليه؟ قلتلها لأن أنا بفضل الحديث بالفصحى على الحديث بالعامية، ومش بس الكتابة بالفصحى أو الكتابة بالعامية، يعني سيادتك وصلت إلى الكلام، يعني ضد الكلام بالعامية.

د. سامي الدروبي: لا، لا، لو تكلمت مع والدتي بالفصحى وإلا لرمتني بالحجارة أو على الأقل لما فهمت عني شيئًا، لأن والدتي كوالدتك.

صلاح جاهين: أنا السبب إن أنا بذكر والدتي بالذات ايه؟ أنا بعتبر إن اللغة هي الشيء الذي في اللسان؛ فالفرنسي مثلًا أمه بتعلمه فرنساوي، يطلع يكتب شعر بالفرنساوي ليه أنا أتحرم من إني أنا أكتب شعر باللغة اللي علمتهالي أمي؟ اشمعنى كل شعوب العالم دي بيكتبوا شعر باللغات اللي أمهم علمتهالهم وأنا لأ؟

د. سامي الدروبي: غير صحيح، غير صحيح أبدًا، أنت تضرب مثالًا بالفرنسية، وأنا أقول لك إن المسافة كبيرة جدًا جدًا، بين اللغة الدارجة التي يتخاطب بها الفرنسيون في باريز (باريس) وبين لغة الشعر التي كتب بها فيرليين أو رامبو أو غيرهما من الشعراء؛ المسافة كبيرة جدًا جدًا.

ثم إن القضية ليست قضية لغة فقط، وإنما هي قضية لغة وفكر، هي لغة وفكر، والفكر لا يمكن أن يكون عاميًا، لغة العامة وفكر العامة محدود بحدود معينة، وأنا قلت لك، وهذا مستنتج من دراسة علمية قمت بها، إن المفردات التي تتخاطب بها العامة في شؤون الحياة اليومية لا تتجاوز خمسمائة كلمة، فهل تستطيع بهذه الكلمات المحدودة أن تعبر عن فكرك الغني الذي يبحث عن لطائف الخلافات بين الفكر، وعن الأحوال النفسية؟ طيب نضرب مثالًا أشار إليه الأستاذ صلاح عبد الصبور، إن اللغة الفصحى غنية بألفاظ لا أول لها ولا آخر من أجل التعبير عن حالات النفس، والفروق اللطيفة الدقيقة التي بينها، لنأخذ معنى الحزن ولننظر في المفردات العربية التي تعبر... .

صلاح جاهين: يا سلام، ده الأحوال دي يقول لك مثلًا متعكنن، متقريف، مزئطط، مفرفش؛ يعني قلت لحضرتك دلوقت أربع... .

د. سامي الدروبي: مفرفش دي حزن؟

صلاح جاهين: لأ، أنا لازم أتكلم يعني عن الفرح والحزن.

د. سامي الدروبي: نحن أمام تجربة، أنا أقول لك مثلًا، هذا ما يَحضُرني الآن، الحزن، والشجن، والشجى، والأسى، والكآبة، والشجو، والكمد، والكرب، واللوعة، والحسرة، جبلي بقة متعكنن ومتقريف ومش عارف إيه، لا؛ هذا ما يحضرني الآن، ولكن إذا رجعت إلى لسان العرب، فأنا قادر على أن آتيك بمائة كلمة على الأقل تعبر، تعبر عن معنى الحزن، وليست مترادفات، فكل واحدة منها تعبر عن حالة نفسية خاصة من الحزن.

نهايته.

د. سامي الدروبي في شبابه- الصورة: أرشيف العائلة

لي كلمة أخيرة، لي كلمة أخيرة، أعود فأقول إن القضية ليست قضية التخاطب بالغة العامية؛ وأنا واثق أن المستقبل للغة العربية حتى في لغة التخاطب اليومي، وأن زوجتك تتكلم خيرًا مما تتكلم الآن أمك باللغة العربية، وأولادك سيتكلمون الفصحى خيرًا مما تتكلمه زوجتك، وأولاد أولادك، أحفادك، سيتكلمون الفصحى أحسن من أولادك؛ فبحكم انتشار الثقافة، وازدياد التعليم، أنا مطمئن إلى المستقبل، مطمئن إلى أن الفصحى هي التي ستكون لغة التخاطب حتى، ومن شأن هذا أن يوحد اللهجات العربية؛ أنتقل، حين أتكلم عن اللهجات العربية، إلى العنصر القومي، الذي أنا أحرص عليه حرصي على حياتي بل أكثر، وهو وحدة الأمة العربية؛ ما دمنا نتمسك باللهجات العامية، فنحن نقتل فكرة الوحدة العربية، فكرة وحدة الأمة العربية، ودعنا من وحدتها السياسية الآن، نحن أمة واحدة سواء أكنا دولة واحدة أو لا؛ في المستقبل سنكون دولة واحدة، هذه حتمية التاريخ ما في ذلك ريب على الإطلاق؛ اللهجات العربية ستتوحد وستتقارب بحكم اقتراب كل لهجة من هذه اللهجات من الفصحى.

ثم أنتهي بكلمة أخيرة تتعلق بالشاعر صلاح جاهين، الذي أؤمن بأنه مجموعة مواهب لا حصر لها، أنا يحزنني كثيرًا جدًا إنه أحفادي لن يفهموا شعر صلاح جاهين.

صلاح جاهين: أنا أعلم ذلك... .

د. سامي الدروبي: ولكنهم سيقرؤون شعر صلاح عبد الصبور؛ وشعر صلاح جاهين لا يقل شاعرية عن شعر أي شاعر آخر؛ لذلك يؤسفني كثيرًا أن أبنائنا وأحفادنا لن يتمتعوا ويتذوقوا هذا الشعر الرائع الذي يكتبه صلاح جاهين بلغة هي غير لغة المستقبل، لغة محكوم عليها بالإعدام.

صلاح جاهين: ده أنا سبق إن أنا قلتو لصلاح عبد الصبور، في يعني مجادلة بينا كانت على صفحات المصور، وقلتله إن احنا سايبين لكم الخلود، خلي الخلود ليكم أنتم، واحنا ناس يعني غلابة يعني مش عايزين ناخده... أنا اللي عايز أقوله إيه... .

د. سامي الدروبي: أنا لا أتحدث عن خلود صلاح جاهين وإنما أريد للأجيال المقبلة أن تتمتع بشعره الرائع لا يهمني صلاح جاهين من قريب أو من بعيد، وإنما تهمني أجيال الأمة العربية التي ستحرم من شعر رائع.

صلاح جاهين: اسمح لي سيادتك بس أتكلم لمدة دقيقة واحدة؛ إحنا بنكتب باللغة العامية علشان خاطر نخاطب بعض الجماهير، ونعبر عن إحساسات لا يمكن نعبر عنها بالفصحى، وإحنا بنحس إن هذه الأشعار هي زي الطبقات اللي في الأساس في السد العالي، اللي موجودة وعمر ما حد حيشوفها إطلاقًا إلا السمك، فأنا ما يهمنيش إطلاقًا إن أنا شعري يقراه الناس اللي جايين بعد خمسين أو ميت سنة، يكفي إن هذا الشعر يلعب دور النهاردة في حاجة هامة جدًا، وهي تطوير اللغة وجعلها تقترب من الدرجة اللي سيادتك بتتكلم عنها؛ لن تستطيع اللغة، لغة الحديث، أن تتطور وتصل إلى الفصحى إلا إذا كُتب في العامية يوميًا، وأثريت يومًا بعد يوم وبالطريقة اللي أنا وصفتها لسيادتك، وهي استعارة الألفاظ، واستعارة الأخيلة، واستعارة الصور اللي فيها نوع من الفكر، وده لا يمكن حيحدث أبدًا إلا إذا أمثالنا إحنا كتبوا وماتوا وما حدش قرا لهم بعد كده، إنما هم حيكونوا عملوا هذه الطبقة من العمل اللي حيبنى عليها فيما بعد.

سلوى حجازي: الحقيقة إن الموضوع كبير... .

د. سامي الدروبي مع زوجته- الصورة: أرشيف العائلة

د. سامي الدروبي: اسمحي لي كلمة واحدة، أنا أعتقد أن الخطأ الأكبر هو هذا، الظن بأن الشعب لا يفهم الفصحى، أؤكد لك أن الشعب يفهم الفصحى مثلما يفهم العامية؛ ومن لا يستطيع أن يفهم الشعر الفصيح، سيعجز أيضًا عن فهم شعرك الذي تقول إنك تكتبه بالعامية؛ ولو كان في الوقت متسع، لحدثتكم عن تجربة علمية إحصائية قمت بها حين كنت أيضًا أستاذًا في جامعة دمشق، حين ترجمت نصوصًا أدبية، منها شعر ومنها نثر إلى اللغة العامية، وعرضتها على عينات من المجتمع الذي يقال إنه عامي، فتيقنت بطريقة إحصائية علمية، أن من لم يفهم النص الفصيح، لم يفهم أيضًا النص المترجم أو المزعوم أنه مترجم إلى اللغة العامية، وذلك لأن شعرك فكر وليس ألفاظًا فقط؛ والعامي الذي لا يملك الفكر القادر على أن يرقى به إلى مستوى الجمال الفني الذي في شعرك، لن تساعده اللغة العامية على استساغة هذا الشعر.

صلاح جاهين: معلش هي حكاية طويلة، هي عملية طويلة (على كل حال)، في نقطة وسيادتك تعلم عنها، إن أنا مش بكتب بس بالعامية، وإنما كثيرًا ما أكتب بالفصحى، ولكن في نفس الاتجاه، في نفس اتجاه محاولة يا إما أنا بأٌثرى العامية، يا إما أنا بأُحاول أبسط الفصحى وأنا بكتب بيها.

د. سامي الدروبي: عظيم، عظيم جدًا .

سلوى حجازي: الحقيقة في ختام الموضوع الغني ده، اللي محتاج لساعات لمناقشته، الدكتور سامي كان قال أنه حيسب لكوا جزء من الشريط تختاروا عليه جزء من أغنية تعبر باللغة الفصحى، وأخرى باللغة العامية فلو قلنا الأستاذ صلاح يطلب إيه؟

صلاح عبد الصبور: والله أختار زهرة المدائن لفيروز.

(الأغنية تبدأ)

لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي

لأجلك يا بهية المساكن، يا زهرة المدائن، يا قدس، يا قدس يا مدينة الصلاة أُصلي... .

سلوى حجازي: يا ترى يا أستاذ جاهين بتفضلها في أي لغة منهم؟

صلاح جاهين: أنا بفضلها في كل اللهجات، أو في كل الأشكال، ولي أنا حنين إلى العامية اللي بتتكلم بيها فيروز، اللي هي العامية اللبنانية، وأيضًا النصوص اللي في العامية السورية، كل عاميات الأمة العربية أنا أعشقها لأنها في الحقيقة لولا حبنا ليها، وتناولنا ليها على إنها شيء قيم، يستطيع أن يتطور مش ممكن نصل إلى لغة المستقبل، فأحب أسمع فيروز بتغني حاجة بالعامية اللبنانية.

(الأغنية تبدأ)

طلعت يا محلى نورها شمس الشموسة

يالله بنا نملى ونحلب لبن الجاموسة

قاعد ع النخلة يا خلي، أسمر وحليوة، عوج الطاقية وقللي غنيلي غنية... .


للعودة إلى الصفحة الرئيسية للملف.