تصميم: يوسف أيمن- المنصة

قوانين شاذة: عندما تصبح الجنحة أشد من الجناية

في أغسطس/ آب 2019 وبينما كانت رنا. خ. أ وحسام. ن. ع يؤديان امتحان الثانوية العامة في مادة الجيولوجيا والعلوم البيئية بمدرسة بهتيم الثانوية التابعة لمدينة بنها شمالي القاهرة، انقلبت حياتهما رأسًا على عقب، وباتا مهددين بالحبس الذي لا تقل مدته عن سنتين وبالغرامة التي لا تقل عن مائة ألف جنيه.

كان وراء ذلك أن استعصت إجابة أحد أسئلة الامتحان على رنا فبكت، وطلبته خلسة من حسام، فلاحظتهما مراقبة اللجنة وتوجهت إليهما، غير أن ارتباك الفتاة زاد من ريبة المراقبة التي قررت تفتيشها لتعثر معها على هاتف محمول، قالت الفتاة إنه كان مغلقًا، فحررت محضرًا ضدها أثبتت فيه واقعة دخولها لجنة الامتحان بهاتف محمول.

لم يكن ذلك المحضر هو نهاية الأزمة، حيث ورد أثناء سير الامتحان تنبيه من غرفة عمليات محافظة القليوبية، بوجود هاتف محمول باللجنة رقم 93 بالمدرسة المذكورة أقدم صاحبه على تصوير امتحان المادة ونشره على إحدى مجموعات واتساب، ومن خلال الصورة المسربة لورقة الأسئلة والباركود المدون عليها استطاعت غرفة العمليات تحديد صاحبتها التي تبين أنها رنا، ومن ثم قررت الإدارة التعليمية تحريك دعوى جنائية ضدها لتكون أول مَن يوقع عليه العقوبات المغلظة التي حددتها الدولة لجريمة الغش، حيث أحيلت كمتهمة أولى وحسام كمتهم ثان للنيابة العامة للتحقيق معهما في تهمتي الغش والعمل على الإخلال بالنظام العام للامتحانات.

داخل غرفة التحقيقات في نيابة بنها كان الانهيار سيد الموقف، وقتما قالت رنا باكية إن حسام هو من أمدها بالهاتف وأخبرها بطريقة نشر الامتحان للحصول على إجابته، فنشرته ثم لم تدر ماذا تفعل، فأغلقت الهاتف.

على الناحية الأخرى لم ينف حسام تلك الرواية، مؤكدًا أنه أعطاها هاتفه المحمول إثر عجزها عن إجابة الامتحان، رغبة في مساعدتها بتلقي الإجابة عبر إحدى مجموعات التواصل الاجتماعي على تطبيق واتساب.

أحيل الطالبان إلى المحاكمة بالتهم المذكورة وانتهى الأمر إلى صدور حكم في 7 مارس/ أذار 2020 بحبس كل منهما سنتين مع الشغل وتغريم كل منهما مائة ألف جنيه.

مع مراعاة أحكام قانون الطفل

استندت المحكمة في حيثيات حكمها إلى المادة الأولى من القانون رقم 101 لسنة 2015 المعدلة بالقانون رقم 73 لسنة 2017، التي تنص أنه "مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد منصوص عليها في أي قانون آخر، ومع مراعاة أحكام قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على سبع سنوات وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على مائتي ألف جنيه كل من طبع أو نشر أو أذاع أو روج بأي وسيلة أسئلة الامتحانات أو أجوبتها في جميع المراحل، وكان ذلك قبل عقد لجان الامتحان أو أثنائها، بقصد الغش أو الإخلال بالنظام العام للامتحانات سواء وقعت الجريمة داخل لجان الامتحان أو خارجها".

قدَّمت أسرتا الطالبين استئنافًا على ذلك الحكم أمام محكمة جنح مستأنف بنها طالبوا فيه بوقف تنفيذه وإلغاءه استنادًا إلى أن حقيقة الواقعة تشير إلى أن جريمة الغش لم تتم، وأن كل ما أقدمت عليه رنا بمساعدة حسام يصنف بوصفه محاولة للغش، متظلمين من قسوة العقوبة التي طُبقت عليهما وباتت تهدد ماضيهما وحاضرهما ومستقبلهما، وتنقلهما من المدرسة إلى الزنزانة.


اقرأ أيضًا: تشابه الأسماء: أي "محمد أحمد" معرض للسجن بالصدفة


على عكس حكم أول درجة الذي قضى بالحبس والغرامة جاء حكم محكمة الجنح المستأنفة مفضلًا التعامل مع الطالبين بروح القانون لا بنصوصه، بعدما قررت المحكمة وقف الدعوى تعليقيًا، بما يشمل وقف تنفيذ العقوبة وإحالة نص المادة المعاقب بها الطالبين إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى ما تضمنته من مخالفات دستورية من وجهة نظر المحكمة، تتمثل في المغالاة في العقوبة والتعدي على سلطة القاضي الجنائي في توقيع الجزاء المناسب، ليكون الحكم بمثابة طوق النجاة ولو بصفة مؤقتة للطالبين.

المحكمة قالت في حيثيات حكمها الذي حصلت المنصة على صورة منه إن "فعل الغش على دناءته ورذوله، يظل بالنسبة للطلبة في مثل سن المتهمين في نهاية المطاف، انحرافًا سلوكيًا وأخلاقيًا طبيعيًا، لا يخرجون به عن الناموس البشري لهم ولمرحلتهم العمرية".

ووجهت المحكمة برئاسة المستشار أحمد وسام قنديل، نقدًا لاذعًا للحكم بحبس الطالبين، مؤكدة أن جميع التشريعات المقارنة على مستوى العالم خلت من التأثيم الجنائي لفعل الغش في الامتحانات، واكتفت بتوقيع الجزاء التأديبي على هؤلاء الطلاب حفاظًا على مستقبلهم، والمجتمع المصري ليس بمعزل عن المجتمعات العربية والدولية.

وتابعت المحكمة "والثقافة المصرية، مثلها في ذلك مثل باقي الأمم والمجتمعات الأخرى، وإن كانت تلفظ هذا الفعل ولا تستمرئه، إلا أنها لم تعتبره يومًا من الجرائم الجنائية، تحررًا لخطورتها".

وشددت المحكمة على أن ذلك النص بما أورده من عقاب جنائي على الطالب الذي يرتكب غشًا أثناء الامتحان بالحبس الذي تتراوح مدته بين سنتين وسبع سنوات، فضلًا عن إثقال كاهله بغرامة مالية باهظة "يكون قد حرم هذا الطالب من حقه في التعليم بتقييد حريته الشخصية ووضعه في إحدى المؤسسات العقابية طوال هذه الفترة، وإرهاق ذمته المالية في مهدها بدين لا قبل لها به، حال كون هذه الجريمة ما كانت لترتكب منه إلا بمناسبة رغبته في المضي قدمًا في درب التعليم، حتى وإن حاد منهاجه عن قويم الأخلاق والمبادئ، فتظل غايته رغم ذلك دليلًا على تشبثه بالحصول على حقه الإنساني والدستوري في التعليم، ولا يجوز من بعد أن ينحل عقابه إلى حرمانه من حقوقه الأساسية ومن فرصته في معاودة الاندماج مع أقرانه، وهو الأمر الذي يعصف بالإطار العادل".

بدعة شاذة

وبعيدًا عن جنحة الغش في الامتحانات جاء حكم جنح مستأنف بنها ليكشف عن ظاهرة خطيرة وغريبة ومستحدثة على التشريع المصري في آخر برلمانين شهدتهما البلاد، وهي جعل الحد الأدنى للحبس في بعض الجنح سنتين، وذلك على عكس ما جرت عليه القوانين الجزائية في مصر منذ قانون العقوبات الأهلي الصادر سنة 1883 وحتى انتخاب المجلس التشريعي السابق.

ولم يسبق لمجلس النواب المصري حتى مجيء المجلسين السابق والحالي، أن زاد الحد الأدنى لعقوبة الحبس فى الجنح، مهما زادت خطورتها، عن سنة، تقديرًا لسلطة القاضي الجنائي فى تقرير العقوبة الجنائية المناسبة، وحتى لا يأتي التشديد المبالغ فيه في العقوبة بنتائج عكسية حين يجد القاضي أن القضاء بالبراءة أكثر عدلًا من توقيع العقوبة المغلظة المغلولة بها يده.

ووفقًا لمصادر قضائية بالمحاكم الجنائية قالت للمنصة إن هذه "البدعة الشاذة" أدت إلى نتائج أكثر شذوذًا أبرزها أن حال المتهمين في العديد من الجنايات، التي هي أخطر وأقسى من الجنح، أصبح أكثر رأفة من حال المتهمين في تلك الجنح حيث تستطيع المحكمة الجنائية استعمال الرأفة في الجناية والنزول بعقوبة السجن لعقوبة الحبس ثم إيقاف تنفيذها بينما يمتنع عليها ذلك في الجنحة.

وأجرت المحكمة الجنائية مسحًا تشريعيًا تبين من خلاله أنه على مدى السنوات السبع الأخيرة أصدر رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، بعد موافقة مجلس النواب العديد من القوانين التي تتضمن تلك الظاهرة، ومنها على سبيل المثال جنحة البناء على أراضي زراعية الواردة بالقانون رقم 7 لسنة 2018، الذي يعاقب المتعدي بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه.

الأمر نفسه تكرر في تعديلات قانون العقوبات الخاصة بتغليظ عقوبة التحرش الجنسي، التي تعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنين وغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تزيد على خمسين ألف جنيه، كما تبنت تعديلات قانون العقوبات التي أصدرها الرئيس في المادة 369 منه بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد علي خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تزيد علي خمسمائة ألف جنيه كل من دخل عقارًا في حيازة آخر بقصد منع حيازته أو بقصد ارتكاب جريمة فيه أو كان قد دخله بوجه قانوني وبقي فيه بعد زوال سنده القانوني بقصد ارتكاب شيء مما ذكر.

وكذلك يتكرر الأمر من حيث تغليظ عقوبة الجنحة في عقوبات جرائم التحايل والنصب أو استخدام القوة لترويع الآخرين ووضع اليد، وبعض الجنح في قانون مكافحة الجرائم الإلكتروني، التي لا تقل مدد الحبس فيها عن سنتين وقد تصل غرامتها إلى أكثر من مليوني جنيه.

الجنحة أشد من القتل

توضح المصادر القضائية أنه حتى يدرك القارئ العادي، غير المتخصص في القانون بالضرورة، خطورة هذه الظاهرة المرتبطة بجعل الحد الأدنى لعقوبة الحبس في الجنح المشار إليها سنتين، فإنه يكفي أن يعرف بأن هذه الجنح بوضعها الحالي باتت أصعب في عقوبتها على العديد من الجنايات التي تفوقها في خطورتها وخطورة آثارها ووخيم عواقبها على المجتمع.

وأشارت المصادر إلى أنه من بين هذه الجنايات جميع جنایات اختلاس المال العام والعدوان عليه والغدر، وجناية الإتلاف العمدي لخطوط الكهرباء والاستيلاء بالقوة الجبرية على أحد مرافق تولید و توصيل التيار الكهربائي، وكل جنایات التزوير والمسكوكات المزيفة والمزورة.

واستطردت المصادر"بل تفوق عقوبات تلك الجنح بطبيعتها الحالية العقوبات المقررة لجناية القتل العمد البسيط المؤثمة بالمادة 34 من قانون العقوبات، وجنايات الحريق عمدًا".

وأوضحت المصادر أن القانون يعاقب على الجنايات السابقة بعقوبة السجن المشدد أو السجن و يحق للقاضي لدى توقيعه لتلك العقوبة النزول بها إلى الحد الذي لا تقل مدته عن ثلاثة أشهر، إعمالًا لنص المادة 17 من قانون العقوبات، كما يحق له أن يقضي بإيقاف تنفيذ عقوبتها عملًا بنص المادة 55 من القانون ذاته، بينما الحد الأدنى للحبس في الجنح المشار إليها سنتان، ولا يحق للقاضي لدى توقيعها إيقاف تنفيذها أو النزول بها لعقوبة أقل، على خلاف جميع الجنايات المذكورة وغيرها، في الوقت الذي تظل فيه تلك الجنايات أعظم خطرًا وأنكى أثرًا على المجتمع منها.

وشددت المصادر على أن هذه الظاهرة تكشف عن عدم تناسب العقوبات المقررة على تلك الجنح، كجنحة الغش على سبيل المثال، مع الفعل المؤثم بموجبها، مؤكدة أنها عقوبات مفرطة في قسوتها، تكشف عن مبالغة سلطات التشريع في العقاب بما لا يتناسب والفعل المؤثم، والذي وصفه في نهاية المطاف بأنه جنحة وليس جناية.


اقرأ أيضًا: يوميات صحفية برلمانية| بعد إلغاء الطوارئ: "النواب" يمهد طريق المدنيين إلى القضاء العسكري


تعليقًا على تلك الظاهرة يرى الخبير الدستوري والقانوني، الدكتور شوقي السيد، أن هناك العديد من المبادئ التي أقرتها المحكمة الدستورية العليا وشددت فيها على ضرورة ألا تلزم التشريعات القاضي الجنائي بحدود دنيا أو قصوى للعقوبة، وإنما تتركها للقاضي يقرها على حسب ظروف الواقعة المنظورة أمامه.

وأضاف السيد للمنصة أنه من غير الطبيعي وغير المعقول أن تتضمن بعض القوانين المعمول بها نصوصًا تجعل عقوبات الجنح أشد قسوة وتضييقًا من عقوبة الجنايات التي هي أصعب وأخطر.

ونوه السيد إلى ضرورة أن تتولى اللجنة العليا للإصلاح التشريعي التابعة لوزارة شؤون مجلس النواب إعداد حصر للتشريعات المعيبة التي تتضمن إقرار عقوبات بهذا الشكل، وتبادر إلى تعديلها على النحو الذي يتناسب مع طبيعة الجرم المرتكب وعرضها على مجلس النواب لإقرارها، قائلًا "على اللجنة ألا تنتظر صدور أحكام من المحكمة الدستورية العليا ببطلان هذه النصوص، نظرًا لأن أغلب محاكم الجنح توقع هذه العقوبات المعيبة دون الإحالة للدستورية".

وناشد السيد محاكم الجنح إلى عدم توقيع تلك العقوبات غير الدستورية والقاسية على المتهمين في جنح مثل البناء على الأراضي الزراعية أو الغش في الامتحانات، والمبادرة إلى إحالة تلك النصوص إلى المحكمة الدستورية العليا لإبطال ما بها من عوار دستوري، موضحًا أن الدراسات الفقهية المقارنة تؤكد أن دور القاضي لا يقتصر على مجرد التنفيذ الأعمى للنصوص، وإنما يمتد ذلك الدور إلى أن يكون على تواصل مستمر من خلال أحكامه مع الجهات التشريعية، باعتباره المعني بتطبيق النصوص التشريعية، ولديه إمكانية مخاطبة المشرع من أعلى منصته لرفع ما ببعض التشريعات من ظلم ويطالبهم بالتدخل لتعديله.

على الجهة الأخرى تحدثت المنصة مع أحد أعضاء اللجنة العليا للإصلاح التشريعي، الذي أقر بوجود إشكالية تقتضي المراجعة بتلك النصوص، موضحًا أن المغالاة في إقرار العقوبات هي ظاهرة قديمة حديثة، ولكنها كانت ترتبط في السابق بتشديد العقوبات على الجنايات لا الجنح، قائلًا إن "أصعب التشريعات هي تلك التي تصدرها الجهات التشريعية كرد فعل لحدث معين أو تصدرها وهي متأثرة في ذلك بغضب الرأي العام".

ولفت المصدر، الذي تحفظ على نشر اسمه، إلى أنه عندما وقع زلزال أكتوبر/تشرين الأول 1992 أصدرت السلطات التشريعية وقتها عددًا من القوانين العقابية التي جرّمت بعقوبات جنائية كثيرًا من مظاهر مخالفات البناء، وذلك لمواجهة البناء العشوائي، وساوت في تلك القوانين بين كافة المخالفات بأن وضعتها في سلة تشريعية واحدة، بحيث أصبح الرجل الذي ارتكب مخالفة بسيطة مرتبطة ببناء غرفة أعلى منزله، كغيره الذي بنا منزلًا مكونًا من خمسة طوابق.

وأشار المصدر إلى أن القضاة وقتها واجهوا صعوبات بالغة في توقيع تلك العقوبات على متهمين بارتكاب مخالفات بسيطة لا ترقى لسجنهم، مؤكدين أنهم كانوا وقتها يرون أن تطبيق المادة 17 من قانون العقوبات، التي تتيح تخفيف العقوبة رأفة بالمتهم والنزول بها درجة أو درجتين غير كاف لتحقيق العدل ومن ثم فكانوا يبذلون جهدًا مضاعفًا في البحث عن أسباب لتبرئة المتهمين باعتبار أن البراءة هي الخيار الأعدل.

وشدد المصدر على ضرورة أن تتسم السلطات التشريعية بالهدوء الشديد وعدم المبالغ في رد الفعل لدى سعيها لإقرار قوانين تستهدف مواجهة ظواهر اجتماعية معينة، بحيث تتم دراسة كافة جوانب المسألة بما سماه "برود أعصاب" وهدوء شديد، مع الالتزام في إقرار القوانين العقابية تحديدًا بالحكم القديم والعام الذي أصدرته المحكمة الدستورية العليا بشأن ضرورة التناسب ما بين الجرم والعقوبة، باعتبارها فكرة في غاية الأهمية.