من زيارة وفد برلماني إلى شركة النصر للكيماويات الوسيطة. الصورة: أرشيفية- المتحدث العسكري للقوات المسلحة، فيسبوك

اقتصاد وطني أم سيادي؟

في مطلع الشهر الجاري، أعلن وزير قطاع الأعمال العام هشام توفيق تأسيس شركة لإنشاء ثلاثة آلاف محطة لشحن المركبات الكهربائية في ثلاث محافظات، كمرحلة أولى، على أن يكون المستهدف تنفيذه 42 ألف محطة، استعدادًا للتحول نحو إحلال وسائل النقل الكهربائية بدلًا من منظومة الوقود الهيدروكربوني السائدة حاليا، تماشيًا مع التوجه الدولي لتخفيض تكاليف النقل والحد من الانبعاثات الكربونية.

وبحسب الوزير، فستكون ملكية الشركة بنسبة 10% لشركة النصر للسيارات، وهي شركة تحت التصفية منذ ما يزيد عن عشرة أعوام، وصدر مؤخرًا بإعادتها للإنتاج ودخلت في مفاوضات مع شركة دونج فنج الصينية لتجميع سيارة كهربائية منخفضة التكاليف للسوق المصرية، وبالطبع فشلت المحاولة.

أعلن الوزير من بين ما أعلن، أن الشركة تبحث عن شريك جديد لتنفيذ المشروع، وهو أمر مؤسف فعلى الأرجح لو كانت إحدى شركات تجميع السيارات من القطاع الخاص دخلت هذه المفاوضات مع الشركة الصينية، بدلًا من "شبح" شركة النصر، لكانت هناك بالفعل سيارات كهربائية مجمعة محليًا، تسير في شوارع البلد الآن.

أما بالنسبة لباقي الحصة؛ وتبلغ 90%، فسوف تكون مملوكة لجهة سيادية، وهو المصطلح المستخدم للاشارة إلى المخابرات العامة أو غيرها من أجهزة المخابرات، بما يعني أننا أمام شراكة بين شركة ذات وجود صوري ولا توجد بها كوادر إدارية تصلح لقيادة التحوّل، وجهاز استخباراتي لا يملك خبرة فنية أو إدارية للمهمة ويعتمد على أمر واحد لضمان الربحية وهو عدم وجود منافسة حتى لو قدّم خدمة درجة عاشرة بأضعاف السعر الذي يمكن تقديمه في ظل التنافس الحر، بل إن الوزير قال حينما سئُل عن التسعير، بإنه "سوف يتم تحديد سعر مناسب ومنافس من قبل مجلس الوزراء"، الذي يختاره الرئيس وبإشراف الجهات السيادية، ولكن ليست هذه الطامة الكبرى فيما أعلنه الوزير.

خرج مؤخرًا المهندس نجيب ساويرس أحد أبرز رجال الأعمال في مصر ومن بعده الخبير الاقتصادي الأستاذ هاني توفيق، وتحدثا للإعلام عن الوضع الاقتصادي الحرج الذي يواجه الدولة في المرحلة القادمة. وحاول كلاهما تجنب الخطاب الصدامي قدر الامكان، بل إنهما بالغا في الثناء على الانفاق الحكومي في السنوات الماضية باعتباره ضرورة لإنعاش الاقتصاد، وهو أمر عليه اختلاف في وجهات النظر مع مَن يعتقدون بأولوية تحفيز الاقتصاد الحر وطرح أغلب مشاريع البنية التحتية للقطاع الخاص بنظام امتيازات طويلة الأجل بدلًا من تحميل الدولة أعباء الاقتراض لمشاريع تُنفَذ دون دراسات جدوي، حسبما أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي ذلك بنفسه.

الجدل بين الرأيين قد يطول، وتدور الكثير من المناقشات داخل أوساط خبراء الاقتصاد والمال والأعمال، لتعكس نفس المخاوف ولكنها تدور سرًا، فالخوف أصبح سيد الموقف، وكما رأينا حين جاهر الرجلان بما يدور سرًا، ابتغاءً للمصلحة العامة، أُطلقت عليهما كتائب التشليق الإعلامي وجاءتهما التهديدات من يمين ويسار.


حوار الخبير الاقتصادي هاني توفيق


لكن دعنا من هذه الصغائر؛ فبيت القصيد الآن هو أن الدولة لن تستطيع مواصلة هذا الإنفاق نظرًا لتزايد أعباء أقساط الديون المستحقة وصعوبة الاستمرار في الحصول على المزيد من القروض وخطورة الاعتماد على السندات والأذونات الحكومية، حسبما يقول بعض خبراء الاقتصاد في العديد من التقارير ومنها تقرير نشرته بي بي سي. ولو بدأت الدولة في تقليص الإنفاق ستتوقف الكثير من المشاريع القائمة وستقل السيولة في السوق وتُظهر المؤشرات تباطؤ النمو الاقتصادي المدفوع بالإنفاق الحكومي، وهو ما سيؤدي إلى تخفيض التصنيف الائتماني الذي هو أمر أساسي لإمكانية طرح السندات والأذونات الحكومية، أو أدوات الدين كما يشير إليها السيد وزير المالية.

عند هذه المرحلة سيكون أمامنا عدد محدود من السيناريوهات المتشائمة مثل رفع الفائدة، وهي حاليًا أعلى نسبة فائدة في العالم، وهذا بالطبع سيزيد من أعباء الدين ونحن بالكاد قادرون على تحمل الأعباء الحالية، وقد تستجيب صناديق الاستثمار لهذا الإغراء أو تقرر التخلص مما تملكه بالفعل، هنا سندخل في سيناريو التعثر وهو أمر لا تتحمله الأوضاع الداخلية الحالية.

سواء كنت من أمثالي، الذين يطيقون العمى ولا يطيقون الحكم العسكري واقتصاده، أو كنت من مدرسة له ما له وعليه ما عليه، أو كنت من مدرسة تموت في دباديب الجمهورية الجديدة، فالأمر عند هذه النقطة لم يعد يحتمل وجهات نظر، لأن حسمه ببساطة يعتمد على الأرقام الصادرة من وزارة المالية والبنك المركزي ومعهم آلة حاسبة، إذ لا يوجد بديل الآن إلا الاستثمار الخاص سواء كان المصري الإنتاجي الذي، وللأسف، يواصل الانكماش في ظل توسع استثمارات الدولة والجيش، أو الاستثمار الأجنبي المباشر الذي تناقص باعتراف البنك المركزي، حتى أصبح في معظمه معتمدًا على استثمارات التنقيب البترولية والغازية والذهب.

أعود ثانية للسيارة الكهربائية وتصريح الوزير؛ وأزعم أن طرح مشروع كهذا لتنافس القطاع الخاص كان من الممكن أن يتحول إلى إشارة إيجابية على جدية الدولة في هذا التوجه، خاصة لو أتبع ذلك طرح بعض شركات الجيش في البورصة، أو طرح نشاط محطات شحن المركبات الكهربائية لمزايدة مفتوحة كما ينص القانون، أو تسليم إدارتها لشركات محترفة، أو غير ذلك من الضمانات لتحويلها إلى شركة حقيقية، ولكن حدث العكس تمامًا سواء تأخير الطرح لبعض شركات الجيش التي أُعلن عن طرحها العام الماضي، بل وفوق ذلك ها هو جهاز سيادي، أو تسيدي وهو وصف أدق، يعلن استحواذه على هذا النشاط ضاربًا عرض الحائط بالمصلحة أو بالأصح الضرورة الاقتصادية للدولة.

أرى أن أي متابع للوضع في مصر يستشعر حالة السخط وخيبة الأمل في أداء النظام الاقتصادي، والخطورة هي أن يتطور الأمر ويحدث انفجار جديد كما حدث في 2011، الذي كان اخفاقًا للعديد من مؤسسات وسلطات الدولة التنفيذية والتشريعية والإعلام، ولكن 2011 كانت بالتأكيد فشلاً أمنيًا مدويًا تتحمله كافة الأجهزة الاستخباراتية. وسواء كانت يناير "مؤامرة خارجية" كما يدعي البعض، أو "تمردًا شعبيًا" كما يعتقد البعض الاخر، فهو حدث تاريخي كاد أن يقوّض أركان الدولة تمامًا، ومن الضروري فتح تحقيق في وقت ما عن هذا الإخفاق، ولكن فقه الأولويات يجعل هذا من الأمور المؤجلة، واليوم على كافة المؤسسات السيادية، أو التسيدية، أن ترفع أياديها عن الاقتصاد وتعود لتتفرغ لعملها، وأنا على يقين عندئذ أن تقديرها للموقف لن يختلف كثيرًا عن ما جاء في هذا المقال، فقط سيكون أكثر تفصيلًا.