أعضاء في تنسيقية شباب الأحزاب بين حضور النقاش- تصوير: صفاء سرور- المنصّة

مشاهد من مائدة حوار سياسي: تلميحات حبس المعارضين تثير غضب "شباب التنسيقية"

رغم البداية الدبلوماسية الهادئة للمشاركين في مائدة مستديرة نظمتها جمعية السادات للتنمية والرعاية الاجتماعية بالتعاون مع السفارة السويسرية في القاهرة مساء أمس الأول، وشارك فيها برلمانيون ينتمي بعضهم لتنسيقية شباب الأحزاب، وسياسيون وحقوقيون وممثلو منظمات مجتمع مدني، فإن التوتر لم يغب كليًا عن الحوار بعد أن أعرب نواب عن امتعاضهم من استخدام مصطلحات مثل "الاستبداد" والتلميح إلى أن تجاوز بعض الخطوط الحمراء قد يؤدي بصاحبه إلى "الكراكون".

وخلال الجلسة، أعرب بعض ممثلي منظمات المجتمع المدني عن ضرورة التعامل مع عدد من التحديات التي تحتاج إلى حلول، من قبيل تعديل التشريعات والقوانين وحل مشكلات كالمتعلقة بالحبس الاحتياطي، وكذلك غياب الثقة بين أجهزة الدولة ومنظمات المجتمع المدني.

في مقابل ذلك، أشاد برلمانيو تنسيقية شباب الأحزاب وعدد من السياسيين المستقلين، بما حققته السلطة التنفيذية على مدار الأعوام الماضية، ومنهم من أبدى تحفظه غضبًا مما تم توجيهه من انتقادات وملاحظات لأدائها، كما شهدت المنصّة خلال متابعتها للمائدة ومناقشتها.

تساؤلات وغموض

افتتحت المائدة بكلمة مديرة التعاون والتنمية بالسفارة السويسرية، فاليري ليتشي، أكدت خلالها أن عام 2022 الذي أُعلن عامًا للمجتمع المدني "سيوفر فرصة للنقاش حول ما واجهه المجتمع المدني من تحديات كبيرة خلال الأعوام الماضية، وكيف يمكنه لعب دور أكبر في تنمية المجتمع".

وأشارت ليتشي إلى ما سيشهده 2022 من دخول اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات حيّز التنفيذ، وتفعيل الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وقالت عن هذه الأخيرة "هي خطوة مهمة جدًا لمصر، لكن تطبيقها يتطلب التعاون بين المجتمع المدني والدولة".

بصراحة كده، لو الأمن يشيل إيده شوية؛ نستريح كلنا.

- جورج إسحاق، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان.

متفقًا مع الدبلوماسية السويسرية، أكد مدير الجلسات محمد أنور السادات، رئيس مجلس إدارة جمعية السادات للتنمية، أهمية التأثير والدور الخاص بالمجتمع المدني، خاصة في القرى والريف، وأن هناك "حالة بناء ثقة"، بعد سنوات مضت "شهدت، نتيجة أحداث كثيرة في البلد، جوًا من التشكيك وعدم الثقة في أنشطة المجتمع المدني".

ورغم ذلك، تساءل السادات عن توفيق أوضاع الجمعيات والمنظمات وفقًا للقانون الجديد، الذي يجب أن يتم قبل 11 يناير/ كانون ثان 2022، قائلاً "معلوماتنا إنه حتى الآن من حوالي 55 ألف جمعية، مَن وفق أوضاعه 26 ألفًا فقط. فهل ستتمكن البقية من ذلك قبل 11 يناير؟ أم سيتم مدّ المهلة عدّة شهور؟ هذا ما سيتضح خلال الفترة المقبلة".

تساؤلات السادات كانت أيضًا عن الاحتجاجات المتوقعة خلال مؤتمر التغير المناخي الذي تستضيفه مصر عام 2022، وما إذا كانت السلطات ستسمح للمجتمع المدني بالمشاركة وتنظيم فعاليات قد يكون منها ما هو احتجاجي كما يحدث في أوروبا ضد الدول الصناعية، قائلاً "هل هيكون فيه قيود على حركتهم حين يعبروا عن آرائهم؟".

رأس المال الاجتماعي

تحدث كبير الباحثين في مكتبة الإسكندرية، دكتور سامح فوزي، عن المجتمع المدني باعتباره "رأس المال الاجتماعي"، قائلاً إنه والعمل الأهلي "ليسا ظواهر جديدة على المجتمع"، ومؤكدًا أن "التنمية الناجحة في المجتمع هي التي يمتلكها الناس وليست التي تُقدّم إليهم، حسبما تأكد من تجارب التنمية الناجحة الموثّقة عالميًا".

وأضاف الباحث، في كلمته، أن استراتيجية حقوق الإنسان "تعتبر نقطة تحوّل مهمة. لأن الدولة هي التي تبنتها ووضعتها وأطلقتها والتزمت بها"، مُشيدًا بأنها تناولت الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية، وهي بحسب قوله حقوق لا يجب إغفالها "لا سيما وأن المجتمع يعاني فيه شرائح واسعة من المواطنين من الفقر".

وطرح الباحث سؤالاً حول ما بعد إطلاق الاستراتيجية وكيفية ترجمتها إلى سياسات على أرض الواقع، مُشيرًا إلى ما قد يتطلبه الأمر من "تدخلات تشريعية أو تغييرات ثقافية أو في الخطاب الإعلامي مع توسيع نطاق المعرفة بها".

الباحث سامح فوزي في الجلسة النقاشية- تصوير: صفاء سرور- المنصّة

خلال حديثه، تناول فوزي بعض "التحولات" مثل تقرير التنمية البشرية الذي صدر 2021 بعد توقفه 10 أعوام، وخصّ بالذكر مما ورد فيه عن فكرة التوازن في التنمية، وقال إن منظمات المجتمع المدني "تستطيع الوصول بخدمات التنمية إلى أماكن كثيرة في إطار التعاون وبناء الشراكة مع مؤسسات الدولة؛ ما يحقق التوازن ولا يجعل التنمية حكر على مناطق بعينها".

في هذا السياق، تحدث فوزي عن مبادرة حياة كريمة، التي قال إن من خلالها "يتم تمكين الريف وتحويله من مُهمّش وخارج السياق إلى منتج وفاعل"، واعتبر هذا الأمر حافز للالتفات إلى أهمية شراكة الحكومة والمجتمع المدني، قائلاً إن هذه الأخيرة "تستطيع تعبئة الناس والعمل في الشارع، وخلق شبكات أمان اجتماعي".

لكنه أشار إلى ما يعترض طريق هذه الشراكة من "هواجس ومشكلات تتعلق بالنظرة البيروقراطية، وكذلك بأداء الجمعيات نفسها"، مُؤكدًا أن 2022 كعام للمجتمع المدني هو "عام للمشاركة بينه وبين الحكومة، ولتمكينه"، مطالبًا أيضًا منظماته بـ"إعادة النظر في دورها داخل المجتمع، وما لديها من مشكلات تتعلق بالشفافية أو التمويل أو إدارة العمل الداخلي".

واختتم فوزي بالقول "حين ندعو الحكومة إلى مزيد من مساحة الحرية والتمكين لمنظمات المجتمع المدني. أيضًا ندعو منظمات المجتمع المدني إلى أن تعيد قراءة دورها وهيكلة نفسها، لتكون على خط العمل داخل المجتمع الذي يقوم على التنمية والمشاركة واحترام حقوق الإنسان".

يد الأمن

"من غير حريات مفيش حاجة هتحصل في مصر خالص"، بهذه العبارة بدأ الناشط السياسي وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، جورج إسحاق مداخلته، وقال "ساعة يقولك إحنا هنفتح تدريجيًا. تدريجيًا؟ هو احنا لسه في الحضانة؟ احنا مارسنا الحرية ومارسنا كل حاجة بحرية كاملة".

وعن استراتيجية حقوق الإنسان، قال إسحاق "من أهداف هذه الاستراتيجية المشاركة؛ فضروري يُتاح للجميعات الأهلية إنها تشارك بفعالية بحيث إنها توثر فعلاً في هذا. الرئيس بيتكلم عن دولة ديمقراطية حديثة. واحنا مُصرين على ده، وهنتابعه وهنتكلم فيه طول الوقت لغاية ما نحصل عليه بأي طريقة".

وانتقد الحقوقي عدم وجود أي إجراءات جديدة بعد إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، بقوله "بقالنا 100 يوم بعد الاستراتيجية ولم يحرك أحد ساكنًا. لا عارفين مين رئيسها ولا مين اللجنة الموجودة، ولا عارفين أي حاجة. وده مش معقول".

وتابع إسحاق "الاستراتيجية لم تطلق علشان تبقى حبر على ورق. لكنها اتعملت علشان نفعّلها. واحنا مُصرين إن احنا نفعّلها. وهنشتغل على ده طول الوقت. مهما حصل من معوقات"، واختتم بقوله "بصراحة كده، لو الأمن يشيل إيده شوية؛ نستريح كلنا".

تحفظ ضد "الكراكون"

بدأ التوتر في فعاليات الجلسة عندما أعرب عدد من البرلمانيين التابعين لتنسيقية شباب الأحزاب، عن رفضهم وتحفظهم على الانتقادات التي وجهت لتزايد ظاهرة الحبس الاحتياطي وأيضًا على مزحة عابرة.

فحين عقّب مدير الجلسة، السادات، على آخر عبارة في مداخلة جورج إسحاق والمتعلّقة بالأمن، وقال بمزاح إنها قد تتسبب في إنهاء الجلسة والذهاب إلى "الكراكون"، أثار التعليق الساخر تحفّظ النائب البرلماني عمرو درويش، عضو التنسيقية، الذي اعتبر المزاح "إسقاط لم يكن في محله في مسألة الكراكون والحبس".

وقال درويش "دي بالمناسبة ألفاظ أو مصطلحات من عهود سابقة. احنا نقدر ننتقد زي ما بننتقد. ياريت نتكلم في المستقبل وفي بناء مصر مع بعض، وفي مسألة احنا عايزين نعمل إيه لمصر الجديدة. مش نفضل احنا قابعين في غياهب مصطلحات عفا عليها الزمن. والجيل الحاضر الموجود دلوقتي لن يعترف بعد ذلك بمثل هذه المصطلحات التي عفا عليها الزمن".

جاء هذا التعقيب من النائب في ختام مداخلته التي انتقد فيها منظمات المجتمع المدني، بقوله "كما انتقدنا في ثورتين نظم مستبدة، نقدر كمان نتكلم على منظمات مجتمع مدني كانت للأسف الشديد تتعايش على الفتات اللي كان بيطلع من هذه الأنظمة. احنا بنتكلم بصراحة، لأن في الحقيقة مانقدرش نحصر منظمات المجتمع المدني في الدائرة الضيقة جدًا اللي كل ما نيجي نتكلم، نتكلم عليها. مسألة العمل السياسي والقيود من الدولة وكبت الحريات".

وتابع "ما احنا موجودين يا جماعة. اعتقد فيه أعضاء في منظمات مجتمع مدني موجودين في المجلس القومي لحقوق الإنسان وفي مجلس الشيوخ والنواب، وماحدش بيتكلم كتير قوي، زي ما احنا بنسمع كده في الاجتماعات اللي بيحضرها جانب أجنبي، على مسألة فرض القيود على الحريات".


اقرأ أيضًا| في مواجهة مزارع النعام: حوار مع جورج إسحق عن استراتيجية حقوق الإنسان ومجلسها

جورج إسحق. الصورة من ويكيبديا - برخصة المشاع الإبداعي

وتساءل درويش بانفعال "حضراتكم كنتوا فين؟ عملتوا إيه؟ ادونا حاجة نموذج منظمات المجتمع المدني اشتغلت فيها. منظمات المجتمع المدني بس في مسألة الحبس؟"، مُضيفًا "أنا عندي النهارده الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، ودي سابقة في تاريخ مصر. احنا مش كنا بنتكلم على قيود؟ طيب الدولة ادتنا فرصة إننا نشتغل ونطلع من القيود. منظمات المجتمع المدني قدمت إيه؟".

وقال عن هذه المنظمات "الخلاف المحتدم الذي كان خلال العشر سنين اللي فاتوا في معظم منظمات المجتمع المدني كان على مسألة المعونات اللي بتيجي من برّه. زي ما كنا بنتكلم على رؤساء الأحزاب السياسية في الفترة اللي بعد 2011، وإن الخلاف لم يكن على مصلحة الوطن، لكن ناتج عن خلافات سابقة. ولذلك فشلوا ولم يستطيعوا إنهم ينتجوا".

وخاطب درويش المنظمات، قائلاً "عندي وضع كان مأساوي، الشارع كان مفتقر. وعندي النهارده مبادرة زي حياة كريمة. طيب ما تساعد وتساهم؟ ويبقى لمنظمات المجتمع المدني دور حقيقي. نشتغل. بالمناسبة، اللي بيشتغل في النور مابيخافش، وممكن ننتقد واحنا شغالين ومعندناش مشكلة".

أما ما تحدث عنه بعض الحضور من قضايا الحبس الاحتياطي، فردّ عليها عضو التنسيقية، وقال "مسألة الإفراج عن مسجونين ده موضوع في القضاء. يعني نوعوا شوية، ننوع شوية كلامنا. مش لازم دايمًا نحصره في إطار معين".

ومع تأكيده أنه لا ينتقد، اختتم درويش بالحديث عن مطالبة بعض الحضور بالانفتاح وإجراء حوارات، لا سيما حول مشروعات القوانين الجديدة، وقال "احنا في تنسيقية شباب الأحزاب بنجري حوارات، لكن مسألة حصر الدعوات في شخصيات محددة. مصر 100 مليون بني آدم، وعدم حضور شخص مش معناه إنه لا يُجرى حوار".

.. وضد "الاستبداد السياسي"

على نفس وتيرة زميله، أبدى البرلماني وعضو التنسيقية محمد إسماعيل، تحفظه على مصطلح "الاستبداد السياسي"، الذي ذكر أحد الحضور إنه ما زال يعيش في إثره، بينما اعتبره هو "مش موجود"، وقال "المصطلح ده غريب عليا. يمكن أنا كنت بحلم إني اشارك سياسيًا في بلدي وإن أنا ابني بلدي وأساهم فيها".

وأكد إسماعيل أن التنسيقية التابع لها "تجري حوارات"، وكذلك الأمر في البرلمان، قائلاً "كل الآراء متاحة تحت قبة البرلمان. احنا بننتقد الحكومة. لكن لو فيه حاجة صح، بنقول دي إيجابية. ولو بنتقد؛ أدي حلول واقعية وقابلة للتطبيق علشان مبقاش بنتقد لمجرد الانتقاد. فقصة الاستبداد السياسي ده أنا مش شايفه موجود، ولو كان يمكن كان قبل أكتر من 11 سنة".

ادونا حاجة منظمات المجتمع المدني اشتغلت فيها. منظمات المجتمع المدني بس في مسألة الحبس؟

- النائب عمرو درويش، عضو تنسيقية شباب الأحزاب

تطرّق النائب في مداخلته أيضًا إلى ما تحدّث عنه إسحاق من مرور 100 يوم على إطلاق الاستراتيجية دون جديد، وردّ بقوله "الاستراتيجية مُحددة بوقت. 5 سنوات ينتهوا في سبتمبر 2026. وبدأنا نتحرك في تنفيذ الاستراتيجية على الأرض من خلال المؤسسات التشريعية، وفيه لجنة مُشكّلة من 2018، مسؤولة عن وضعها ومتابعة تنفيذها".

اتفق مع إسماعيل، عضو مجلس الشيوخ هادي مرجان، في إنه ما زال هناك سنوات على الاستراتيجية، وردّ على إسحاق بقوله "فيه تغيير في البلد وفي ألفاظ كتيرة. احنا عندنا لأول مرة فيه وزراء ومحافظين ورؤساء جامعات في السجن. واحنا ماكناش بنسمع الكلام ده".

محاولة توافق

مقابل تحفظات النائبين، تحدّث زميلهما في البرلمان وتنسيقية شباب الأحزاب، محمود بدر، عن هذه النقاط نفسها، لكن بنبرة أهدأ، إذ حلل الخلاف الذي نشب بقوله "بشوف إن جزء كبير من الأزمة اللي بتتعرض لها مصر كلها هو أننا ما بين رؤية أستاذ جورج إسحاق ورؤية النائب عمرو درويش. مصر ما بين الرؤية القاتمة السواد وما بين الرؤية الوردية. والحقيقة إنها ليست قاتمة السواد ولا وردية".

واستعرض النائب ما شهدته البلاد خلال الفترة الماضية من تشكيل لجنة عفو رئاسي عن السجناء، ثم وضع استراتيجية لحقوق الإنسان "تتحدث عن إشكاليات حقيقة موجودة، وتوصيات لحلها"، ذكر أن من بينها ما يتعلق بالحبس الاحتياطي، وقال "فيه كتير شباب بيعاني دلوقتي بسبب قضية الحبس الاحتياطي. والاستراتيجية وضعت توصية ملزمة في هذا الاتجاه".

جانب من الحضور في المائدة المستديرة تصوير: صفاء سرور - المنصة

بالمثل، تحدث زميله في التنسيقية وعضو مجلس الشيوخ أكمل نجاتي، عن تفعيل الاستراتيجية الذي انتقد إسحاق تعطّله"الاستراتيجية اتفعلت من قبل وجودها أصلاً، الخطوات اللي اتعملت والتجهيزات ثم الاستراتيجية".

وعن تشاركية المجتمع المدني في التخطيط العام للدولة، التي طالب بها بعض حضور نقاشات المائدة، قال نجاتي "أنا عندي رأي قد يكون صادمًا للبعض. مشروع حياة كريمة هو مفتاح انطلاقة للمنظمات الحقوقية في مصر. لأنه بمجرد الانتهاء منه؛ سقف مطالب المواطن المصري سيرتفع من المقومات الاقتصادية والاجتماعية إلى الحقوق السياسية. ودي فرصة المنظمات الحقوقية لوضع استراتيجية للتوعية المصرية الخالصة".

وأبدى النائب قبوله للتمويل الأجنبي، بقوله "هو مش سُبة طالما بإجراءات حكومية ورقابة. لكن بدلاً من كتابة مقترحات المجتمع المدني بناءً على نداء السفارات ومكاتب التمويل، فليتم عكس الأمر ونضع أجنداتنا وعليهم هم تمويلنا طالما تتواكب أهدافهم مع أجندتنا الوطنية".

واختتم نجاتي بالدعوة إلى أمرين، كمحاولة للتوافق بين الأطراف المختلفة، تمثلًا في "وضع خريطة تفاعلية للجمعيات الأهلية في مصر طبقًا للتخصصات والتأثير على الأرض، وإطلاق مبادرة من الخبراء القانونيين والمنظمات الحقوقية بالتعاون مع تنسيقية شباب الأحزاب لطرح أفكار مشروعات قوانين وطرحها على الأحزاب، للتقدم بها لمجلس النواب".

تقييد المنظمات

في مداخلة منها، استنكرت دكتورة فاطمة خفاجي، عضوة مجلس إدارة رابطة المرأة العربية، حديث البعض المتكرر عن تأجيل الحقوق السياسية لما بعد الحصول على الاقتصادية والاجتماعية، قائلة "الحقوق متكاملة وليست متدرجة".

واستنكرت التساؤلات التي تحمل في طياتها هجوم على المجتمع المدني مثل "فين المجتمع المدني؟ ومابيعملش حاجة ليه؟"، وردّت عليها بتساؤلات مقابلة، وقالت "المجتمع المدني هيعمل إزاي من غير تمويل؟ إذا كان فيه عقبات شديدة جدًا؛ فإزاي هيساعد الحكومة في الأشياء الكثيرة اللي مطلوب ومفروض إنه يعملها؟".

وأضافت خفاجي "أيضًا، الجمعيات الأهلية وهي العاملة على المجتمع القاعدي والأكثر قدرة على الاستماع للناس ومشكلاتها وقياس أثر البرامج والمشاريع. كيف ستتعاون مع الحكومة بينما يمنعها القانون الجديد من جمع بيانات أو إجراء أبحاث؟ ولو لديها معلومات، لا يمكنها استخدامها إلاّ بموافقة جهاز التعبئة العامة والإحصاء؟ ونحن نعلم أنه لا يعطي أبدًا تصاريح لهذه الأبحاث".

ومضت في حديثها قائلة "وما أراه هو أننا نحتاج استراتيجية للتعاون وبناء الثقة التي فُقدت بين المجتمع المدني والحكومة. وعلى أساسها لا يدخل الطرفان في منافسة، بل يكون هناك تكامل. ففي أمور كثيرة الحكومة لا يمكنها فعل أمور والمجتمع المدني كذلك. وأرى أن الجهات المانحة لها دور في بناء الثقة، بدلاً من أن تشاهد هذا الصراع. فيكون لها دور في أن تدعو إلى التكامل وعدم المنافسة".

.. وأمراض السلطة

من جانبها، انتقدت الأستاذة الجامعية، دكتورة ثريا عبد الجواد، ما يشهده المناخ العام في مصر من "خلط شديد جدًا فيما يتعلق بمفهوم المجتمع المدني ودوره، وما إذا كان أخفق في تأديته، والأسباب"، متسائلة عن "السياق الذي كان مفروض أن يتوافر للمجتمع المدني حتى يؤدي دوره؟".

وقالت عن هذا السياق إنه "يتعلّق بطبيعة النظام السياسي والمرحلة الليبرالية التي لم تُكتَمل"، وإنه "ما زالنا نعيش في إثر الاستبداد الفكري والثقافي والسياسي"، مُعقّبة "وبالتالي هناك تحديات تاريخية وتطور ثقافي وسياسي واقتصادي يمنع المجتمع المدني ويكبّل دوره. ليس أقلها دور التشريعات والتدخل القانوني".

وأوضحت عبد الجواد "وأنا هنا لا أمنع الدولة من أن تنظم العلاقات بين المواطن والدولة. لكن لابد أن يتم ذلك في إطار من توافر الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي. وأن المجتمع المدني قام أساسًا على فكرة التطوعية وإطلاق الحريات للمواطنين لمساعدة الحكومة".

وعن الوضع الحالي، وبالنظر إلى ما ذكرته فاطمة خفاجي، قالت الأكاديمية "نحن نكبّل المجتمع المدني بقيود تشريعة. نكبّله ونؤممه كما أممنا المجتمع المدني السياسي منذ ثورة 52 وحتى اليوم. وهناك تحديات كثيرة جدًا، فنحن لدينا مجتمع مدني انتقلت إليه أمراض السلطة. لا توجد جمعية ولا أحزاب إلا وانتقل إليها مرض الاستبداد السلطوي".

وفي محاولة لطرح حلول، قالت عبد الجواد "علينا أن نطلق الحريات. القيود والقواعد التنظيمية مطلوبة. لكن فرضها على حركة ودور المجتمع المدني وتحركات المواطنين، وكذلك طبيعة النظام الاستبدادي التي تنتقل داخل وحدات المجتمع المدني؛ يؤدي في الحقيقة إلى فشله وعدم قيامه بدور فاعل حتى اليوم".

أزمة ثقة

خلال النقاش، أعلن المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، كمال عباس، انحيازه الشديد للمجتمع المدني بمفهومه الواسع من أحزاب ونقابات عمالية ومهنية وغيرها، منتقدًا عدم إشراكه في وضع هذه السياسيات، أو خلق أي حوار مجتمعي على أي قضية، وضرب مثالاً على ذلك بقانون العمل الذي يخاطب 30 مليون مصريًا، وقال "أنا بعتت باسم منظمتي طلب استماع لمجلس الشيوخ. لكن ماردوش".


اقرأ أيضًا| قانون التأمينات الجديد: أين حماية العمالة غير المنتظمة؟

مزارع يرعى أغنامه في إحدى قرى مصر. الصورة لـ Club Med UK، فليكر. برخصة المشاع الإبداعي

وشدد عباس على أنه "لا يمكن أن يعيش مجتمع ويتعايش بصوت واحد وتغييب كامل للوسطاء الاجتماعيين"، مُشيرًا إلى مشكلة "حُرّية التعبير والدعوى للحق في التنظيم"، وقال "منذ إطلاق الاستراتيجية وحتى الآن، أنت لم تعطني أي أمارة إيجابية، إلاّ إذا كنت أفرجت عن 3 أو 4 بعد ما قضوا في السجن سنتين وشوية بلا جريرة وبلا جريمة".

وعلّق الناشط العُمالي على الأمر بقوله "فبالتالي؛ لو بنتكلم عن مسالة الثقة المُهدرة؟ فيه ثقة مهدرة. بس هل الثقة المهدرة دي مسؤول عنها المجتمع المدني؟ لأ، المسؤول عنها السلطة، وحتى الآن مرّ 100 يوم وماشوفناش أي مبادرة لبناء الثقة".

توتر وفجوة

وبينما تحدث عباس عن "أزمة ثقة"، تطرقت الدكتورة هدى بدارن، رئيسة الاتحاد النوعي لنساء مصر، في كلمتها إلى ما سمّته "توترًا بين المجتمع المدني والجمعيات الأهلية، وبين الحكومة"، مُرجحة وجود "فجوة في الفلسفة نفسها".

وتساءلت "أنا ماعرفش ليه عدم تقبل إن الجمعيات الأهلية تقوم بدورها في الحكم الرشيد؟ هي الحكومة مش سامحة لها. القانون اتحسن. القانون الحالي أحسن من اللي كان معمول قبل كده واتغير. لكن لا يزال فيه فجوات".

وأشارت بدران إلى ما سمّته "التحدي الكامل" الذي أشار إليه عدد من حضور المائدة، وهو تمويل الجمعيات الأهلية، قائلة "جمعيات حقوق الإنسان كلها مابتخدش نظير تقديم الخدمة، فبتعتمد على التمويل الأجنبي. وده عامل مشاكل. وأنا مش من المدافعين كلية عن التمويل الأجنبي، لأن فيه فجوات، وفي وقت من الأوقات اتقال عايزين نطبق قانون من أين لك هذا على الجمعيات الأهلية. وماتعملش".

وأمام هذا التحدي قالت القيادية النسوية "علشان كده لما ننظر للتحديات والفرص الموجودة، والنظام الحالي سامح بفرص وليه معايير، فما لا يُدرك كله لا يترك كله، وخلينا واقعيين وخلينا متفائلين. أرى إن العام المقبل فرصة للمجتمع المدني لمراجعة شغله ورؤية فلسفته ومنهجيته وأدواته، هل صحيحة أم لا".

تحديات وحلول

في كلمته خلال الجلسة الثانية والأخيرة، رأى المحامي عصام شيحة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، اعتبار 2022 عامًا للمجتمع المدني "يعني توافر إرادة سياسية لدى الدولة أن تسمع وأن يكون للمجتمع المدني دور"، وهو ما أكد أن المجتمع المدني يؤديه بالفعل وبشواهد ذكرها، قائلاً "كل المبادرات التي أطلقتها الدولة مثل حياة كريمة وتكافل وكرامة. الشريك رئيسي فيها كانت الجمعيات الأهلية، وكان المجتمع المدني موجود فيها".

وتطرق شيحة إلى حقوق الإنسان بتأكيد أنها حزمة متكاملة، وقال "مايجيش حد أول نتكلم في الحقوق السياسية أو المدنية، يقول طيب الأول لما نحل الفقر. هي منظومة متكاملة، مينفعش تجزئتها".

ورغم إشادته بما تحقق خلال الفترة الماضية من أمور كإطلاق الاستراتيجية وإلغاء الطوارئ، لكن شيحة أكد أن الصورة "ليست وردية"، وقال "كنت متصور أن البرلمان في اليوم التالي لتدشين الاستراتيجية سيناقش قانون حرية تداول المعلومات. مش ممكن بعد ثورتين ودولة كبيرة بحجم مصر مفيش عندك قانون لحرية تداول المعلومات. ولا يمكن أن يكون عندنا مشكلة كبيرة في الحبس الاحتياطي".

المحامي عصام شيحة يتحدث في الجلسة- تصوير: صفاء سرور- المنصّة

وتطرق الحقوقي إلى العلاقة بين المجتمع المدني والدولة، بالإشارة إلى ترحيب الأخيرة به في صورة الجمعيات المدنية والأهلية دون الحقوقية، ومطالبًا بتغيير هذا الأمر، والكف عن توجيه اتهامات الخيانة والعمالة لها، إذا ما أرادت منها أن تقوم بدور معها، لأن الناس ستخشى التعامل.

تحدث شيحة عن بعض التحديات الموجودة حاليًا وسبل مواجهتها، وكان أبرزها "الفقر الشديد، واعتبر حلّ مشكلته مشتركة بين الدولة بببرامجها الخاصة بالحماية اجتماعية وبين منظمات المجتمع المدني القريبة من الناس".

ومن بين التحديات بالنسبة لشيحة "فض الاشتباك بين الدولة والمجتمع المدني، وهو ما سيتم بفتح قنوات للمساهمة في وضع السياسات العامة للدولة"، وكذلك "التمويل الأجنبي"، ورأى حلّ مشكلته في "تحفيز رجال الأعمال والقطاع الخاص على دعم المجتمع المدني مقابل إعفائهم ضريبيًا مما سيتبرعوا به".

وشدد الحقوقي على أنه "ما لم يحدث ذلك؛ ستظل مشكلة التمويل الأجنبي محل شبهة"، ومؤكدًا أن النجاح في فهم هذه التحديات وأخرى ذكرها، مع استثمار الفرص المتاحة سيؤدي إلى تحقيق المجتمع المدني "إنجازات".