بورتريه كامل التلمساني. تصميم: يوسف أيمن - المنصة

صفحة سريالية مجهولة: التحولات الكبرى لكامل التلمساني

هذه صفحة شبه مجهولة من تاريخ السريالية في مصر، تُضاف إلى صفحات مجهولة لاحصر لها، حول الدور الذي لعبه الفنانون السرياليون في مصرمنذ أواخر ثلاثينيات القرن الماضي وأوائل الأربعينيات.

وعلى الرغم من تأثرهم المباشر بالسرياليين في أوروبا، إذ كان من السهل أن تنتقل أفكارهم ومجلاتهم ومطبوعاتهم عمومًا في أول الأمر، للفنانين ذوي الأصول الأجنبية ممن استقروا في مصر، إلا أنهم مع ذلك شكلّوا تيارًا فنيًا وفكريًا انتمى لليسار بمعناه الواسع، خصوصًا أنهم كانوا الصوت الوحيد، بعد سنوات من الصمت والتشريد والقمع والمحاكمات منذ قام سعد زغلول بحلّ الحزب الشيوعي المصري عام 1924. وكانوا أيضًا أول محاولة للاستقلال والتنظيم في جماعات مستقلة، تبحث عن كيان قانوني يتيح التجمع وإصدار المطبوعات ومعارض التصوير.

من جانب آخر، تشير أغلب المصادر إلى أن البدايات الجنينية للحركة السريالية تعود إلى تأسيس جماعة" المحاولين" عام 1928، على يد مجموعة من المثقفين الأجانب وقليل من المصريين، أصدروا مجلة آن إيفور بالفرنسية. كما أسهمت الانتفاضة الطلابية العارمة ضد الاحتلال الانجليزي عام 1935 في تبلور الحركة السريالية وتأسيس جماعة الفن والحرية والتي خرجت منها جماعة الخبز والحرية، وصدرت عنها مجلة التطور بالعربية، وأصبح للحركة وجود ملموس خصوصا في الفن التشكيلي، وتجمع المصادر المختلفة على أن تيار السريالية في التصوير كان واحدا من أهم التيارات في تاريخ الفن الحديث في مصر

كذلك أسهم السرياليون في مصر في الصراع الدائر في الحركة اليساية في العالم، واختاروا الوقوف مع التروتسكية في مواجهة الستالينية، وكان لجماعة الفن والحرية على سبيل المثال موقف حاد من الاتحاد السوفييتي والأحزاب الستالينية، بل إن اسم الجماعة نفسه مستوحى من بيان السريالية الأشهر "نحو فن ثوري مستقل" ووقّعه أندريه بروتون ودييجو ريفيرا وتروتسكي باسم مستعار. واللافت للنظر أن البيان تم ترجمته وتوزيعه في كتيبات صغيرة، كما أعيد طبعه في الدوريات اليسارية المستقلة خلال النصف الأول من عام 1938 وحتى عام 1939.

(1)

أما صفحة كامل التلمساني ( 1915 -1972) على وجه الخصوص فهي ليست فقط متميزة ومليئة بالتفاصيل، بل شاهدة أيضًا على تحولات ربما لم تتكرر لدى باقي الفنانين المنتمين للسريالية. وكتاب محسن البلاسي رحلة كامل التلمساني.. السريالي في مواجهة الواقعي الصادرة عن دار الثقافة الجديدة عام 2020، تشكّل صفحاته سجلًا موثقًا ومجهودًا ينبغي تحيته في البحث والتقصي، وهو أول محاولة مكتملة لكتابة نص طويل (299 صفحة من القطع الكبير) للإحاطة بظاهرة كبرى اسمها كامل التلمساني، لم ينتبه إليها أحد، واقتصرت الإشارات إليه على النزر اليسير، رغم تأثيره والدور الذي لعبه سواء داخل الجماعة السريالية، أو بعد أن تركها وترك الفنون التشكيلية واشتغل بالسينما كاتبًا ومخرجًا ومديرًا للإنتاج، سواء في مصر أو في بيروت التي أسلم الروح فيها بعد حياة حافلة.

وإذا كان كامل التلمساني مولود في إحدى قرى القليوبية عام 1915، لكن أسرته تعود أصولها إلى تلمسان بالجزائر، وحصل على البكالوريا من السعيدية الثانوية، بعد أن استقرت الأسرة بالقاهرة. ويربط المؤلف بين انتفاضة عام 1935 وما تلاها من سنوات، وتشكيل وعي التلمساني. وكانت الحركة السريالية قد بزغت لتوها في أواخر عشرينيات القرن الماضي متأثرة بشكل مباشر بالحركة في أوروبا التي سبقتها بسنوات قليلة. وتأسست في مصر جماعة المحاولين عام 1928 أساسًا من عدد من الفنانين والمثقفين الأوربيين المقيمين في مصر، وانتقلت إلى المصريين منهم، ومن بينهم كامل التلمساني، كما أصدروا مجلة آن أيفور معبّرة عنهم.

اشتغل التلمساني بالرسم وانضم لجماعة المحاولين، لكن الانتفاضة العارمة ضد الاحتلال الإنجليزي اندلعت في صفوف الطلاب في القاهرة، ثم امتدت إلى المدن الكبرى واستمرت خمس سنوات مما أثّر بطبيعة الحال على وعي وممارسات المصريين، ومن بينهم التلمساني الذي حاول في البداية أن يرضي عائلته والتحق بالفعل عام 1936 بمدرسة الطب البيطري، لكن موهبته رفضت الانصياع، وبدأ في كتابة المقالات ورسم رسوم مصاحبة لمقالات ونصوص الكتّاب الآخرين، وتعرّف على جورج حنين وأنور كامل، وسرعان ما شارك هذا الثلاثي في تأسيس جماعة الفن والحرية.

(2)

وفي عام 1938 صدر في فرنسا ديوان لا مبررات الوجود لجورج حنين ورسوم كامل التلمساني، واعتُبر الديوان عملًا مشتركًا بين الرسام والشاعر حتى أن أندريه جيد وأندريه بريتون أرسلا تهنئة لحنين على عملهما (حنين والتلمساني) المشترك، وهو مافعله الفنان محمود سعيد بشكل منفصل.

ويبدو أن أثر هذه الرسوم كان قويًا، ودفع بالتلمساني إلى المزيد من التجريب والمغامرة، وبدأ في استخدام تقنيات مختلفة مثل التكعيبية والتعبيرية والمستقبلية. ويضيف مؤلف الكتاب أن موضوعات لوحاته بدأ يسيطر عليها "تسليع الجسد والمناخ السيكولوجي داخل نفسية العاهرات قسريًا من أجل الحاجة الاقتصادية والاجتماعية للطبقات الفقيرة"، كما يؤكد أن التلمساني حتى آخر لوحة رسمها في حياته "لم يتأثر بالواقعية الاجتماعية في الرسم ولم يستخدم أي تقنية من تقنياتها أبدًا بل حاول الابتعاد عنها بالتوليف بين التقنيات السريالية والتكعيبية"، لذلك كان تحوله إلى الواقعية واقتحامه مجالًا تعبيريًا آخر هو السينما؛ مفاجئًا وغير منتظر.

غلاف النسخة العربية لكتاب لا مبررات الوجود

أما على المسرح العالمي فإن عام 1938 كان عامًا محوريًا، فالقوى الفاشية والنازية كانت تستعد لإشعال الحرب العالمية الثانية، وفرضت مناخًا قمعيًا على حركات الفن الحديثة، وأحرقت أعمالًا فنيةً وأدبيةً في الميادين تحت شعار مقاومة "الفن المنحط"، وبادر أندريه بريتون وتروتسكي ودييجو ريفييرا بإصدار بيانهم الشهير "من أجل فن حر مستقل" في مواجهة ذلك المناخ. وفي مصر وفي العام نفسه اجتمع عدد من الفنانين التشكيليين والكتّاب من بينهم التلمساني وأصدروا بيان "يحيا الفن المنحط"، احتجاجًا على الإجراءات النازية، وبعد أسبوعين فقط من هذا النشاط تكونت جماعة الفن والحرية، واستأجرت مقرًا لها في 28 شارع المدابغ (شريف حاليًا) وما لبثت أن أصدرت نشرتها الأولى التي صمم غلافها كامل التلمساني، وكان بالطبع أحد أبرز أعضائها.

وهنا يتابع البلاسي مجالًا آخر من المجالات التي أنجز فيها التلمساني، وهو مجال الكتابة، ويفرد صفحات لإعادة نشر مقالاته، ولأن أغلبها بالفرنسية، فقد عكف على ترجمة بعضها، أو أعاد نشر ترجماتها في مصادر أخرى.

من جانب آخر، لا بد من الإشارة هنا إلى عزلة المنتمين للسريالية في مصر، فهم يتكلمون الفرنسية في الغالب ويعبّرون بها ويكتبون قصائدهم وقصصهم بها، وعدد كبير منهم كان من أصول أجنبية، وينشغلون بالمعارك الدائرة بين الستالينيين والتروتسكيين على المستوى العالمي، وينحازون بقوة لتروتسكي، ولوحاتهم تنتمي للاتجاهات والمدارس الأوربية في الرسم. كان التناقض حادًا بين الواقع الذي يعيشونه من جهة، ورغبتهم في التأثير فيه وعجزهم عن ذلك من جهة ثانية. لكن هذا لايعني مطلقًا التقليل من أهمية الصفحة التي أضافوها للفكر والفن اليساري في مصر، كما أن تأثير حركات كتلك لا يظهر مباشرة، وتحتاج لوقت طويل للتفاعل ولظهور نتائجها والتغيير الذي أحدثته.

على أي حال، وفي ديسمبر 1939، أصدرت جماعة الفن والحرية مجلة دون كيشوت بالفرنسية وكان التلمساني أحد أبرز محرريها ورساميها. وأعلنت المجلة عن نفسها ببيان نصه "نحن نناضل ضد الفوارق الطبقية والمغالطات التاريخية والتساهل والمماراة التي يمارسها الناس، ضد كل التلفيقات والتوريات". وبسبب عدم توافر نفقات طباعتها، توقفت المجلة بعد بضعة أعداد.

ومما يُحسب لمؤلف الكتاب عثوره على كل ما كتبه التلمساني من مقالات في تلك المرحلة وتوثيقها في الكتاب، مثلما يُحسب له توثيق المقالات التي نشرها بالعربية في مجلة الرسالة التي كان يصدرها أحمد حسن الزيات في ثلاثينيات القرن الماضي، وخصوصًا إسهام التلمساني في نقاش دار على صفحات المجلة حول السريالية. أما دوره في مجلة التطور لسان الحال لجماعة الفن والحرية وللسرياليين المصريين، فقد أعاد المؤلف نشر رسومات ومقالات التلمساني فيها.

(3)

وهكذا لم يقصد المؤلف أن يكتب كتابًا عن التلمساني ودوره وتحولاته فقط، بل قدّم العصر والظروف وبدايات التمرد وتشكل الحركة السريالية، والبدايات الجنينية لاستعادة اليسار لوجوده، خصوصًا مع تصفية الحزب الشيوعي المصري وتشريد أعضائه وتجريمه قانونًا في غضون عام 1924.

في هذا السياق، سياق تقديم العصر والوقائع والتفاصيل، أفرد المؤلف مثلًا فصلًا عن علاقة التلمساني بالفنانة التشكيلية اليسارية الكبيرة إنجي أفلاطون، فهو أستاذها المباشر وصاحب التأثير الأكبر في تحولها من واحدة من بنات الأرستقراطية المخملية، إلى فنانة يسارية كبيرة، قرأت من خلاله وبمساعدته الشعر الثوري والفلسفة الماركسية وانضمت للحركة الديمقراطية للتحرر الوطني. كما يرصد بدقة وقائع انطلاق المعرض الأول للفن الحر، فبراير/ شباط 1940 الذي شهد عرض إنجي أفلاطون لوحتها الأولى التي وافق عليها التلمساني، جنبًا إلى جنب لوحاته ولوحات محمود سعيد وجورج حنين ورمسيس يونان وفؤاد كامل. كما يرصد بالدقة نفسها وقائع انطلاق المعرض الثاني للفن الحر في مارس/ آذار 1941 ونص البيان المصاحب له.

أما المعرض الثالث في مايو/ أيار 1942 فكان آخر فعالية شارك فيها التلمساني مع جماعة الفن والحرية، وانهمك بعدها في كتابة المقالات، قبل أن يتجه إلى العمل في استوديو مصر، في واحد من أكبر تحولاته وبحثه عن نفسه.

هنا تبدأ مرحلة جديدة في حياة التلمساني، وفي حياة بلادنا، فبعد المعرض الثالث للفن الحر، وفي 4 فبراير 1942، حوصر قصر عابدين وأُجبر الملك فاروق على تعيين النحاس باشا رئيسًا للوزراء. وفي يونيو/ حزيران من العام نفسه تم تلفيق قضية عرفت بقضية الاشتراكية حوكم فيها أكثر من خمسين من القريبين من جماعة الفن والحرية، وورد اسم كامل التلمساني في محضر التحقيات مع أنور كامل. لم يتم القبض عليه في هذه القضية، لكنه أصبح تحت عيون أجهزة الأمن ومعرّضا للاعتقال في أي لحظة.

والمؤلف يعتقد أن هذه القضية كانت واحدة من الأسباب التي جعلت التلمساني يبتعد، إلى جانب ما يرصده في مقالاته التي كان ينشرها في مجلة المجلة التي كان سلامة موسى يرأس تحريرها، وفيها بذرة هذه التحولات والتراجع عن بعض منطلقات السريالية. وفي عام 1943 ترك الرسم نهائيًا واتجه إلى كتابة وإخراج السينما الواقعية، في الوقت الذي كان فيه ستوديو مصر يشهد طفرة سينمائية غير مسبوقة، خصوصًا بعد أن اضطر الفنانون السينمائيون الألمان للعودة إلى بلادهم وكذلك الفرنسيون والإيطاليون، وتركوا ساحة الإنتاج فارغة، وكان على المصريين القيام بالأدوار التي كانوا يقومون بها.

في عام 1939 عُرض فيلم العزيمة للمخرج كمال سليم وهو أول فيلم ينتمي للواقعية الاجتماعية في مصر ومخرجه له ميول يسارية واضحة، أما الفيلم التالي مباشرة في هذا الاتجاه فهو فيلم السوق السوداء (1945) الذي كتبه وأخرجه التلمساني. وحقق الفيلم إنجازات غير مسبوقة فنيًا، وكتب كثير من النقاد ومازالوا يكتبون عن ريادته، وأنه كان "سابقًا لأوانه من ناحية، ولأن الرقابة عبثت منه ناحية أخرى"، على الرغم من فشله التجاري، فقد سارع المتفرجون بعد انتهاء الفيلم بتكسير مقاعدهم وبحثوا عن المخرج ليفتكوا به لأنه"يزعزع لهم ثوابتهم التي برمجها لهم تجار السوق السوداء، وأخذ الجمهور المخدر بالسموم الفكرية السلعية يبحثون عن التلمساني ليعتدوا عليه"، حسبما كتب المؤلف.


مشهد من فيلم العزيمة لكمال سليم


من جانب آخر وبعد مجيء حكومة إسماعيل صدقي القمعية عام 1946 بعد الانتفاضة الشعبية العارمة، صدر قانون استبدادي للرقابة على السينما عام 1947 من أهم مواده منع المواضيع ذات الصبغة الشيوعية أو إظهار مناظر الإخلال بالنظام الاجتماعي كالمظاهرات والإضرابات و عدم إظهار رجال الدولة بشكل لائق، وكان هذا القانون وحملة الاعتقالات المرافقة له، سببًا في تراجع التلمساني عن مساره في السينما التي تحرّض الجماهير، فقد أصيب بصدمة شديدة أفقدته الثقة بنفسه، بل واختفى من المجال السينمائي لفترة، وعندما عاد أخرج أفلامًا ضعيفة، كما أن إدارة ستوديو مصر اضطرت بدورها لإنتاج أفلام تجارية.

في تلك الفترة كتب أربعة أفلام وأخرج أربعة أفلام لا يعتد من بينهم إلا بـالسوق السوداء الذي مازال يحتفظ بريادته ومستواه الفني غير المسبوق.

(4)

استمر عمل التلمساني بعد نظام 1952 وملأه الأمل في التغيير بعد سقوط النظام الملكي، وكان قريبًا من المشروع الناصري حتى عام 1960، وأيّد خطاب القومية العربية، وعبّر عن ذلك من خلال كتاباته وأعماله السينمائية ومقالاته، لكنه بعد تسع سنوات غادر إلى بيروت واستمر هناك يشتغل بالسينما أيضًا حتى رحيله عام 1972. أما رفاقه السرياليون وأغلب أعضاء جماعة الفن والحرية، فكان لهم موقف صريح ضد الرقابة الناصرية والأيديولوجية القومية، وسافر أغلبهم فيما يشبه الهجرة الجماعية، باستثناء رمسيس يونان الذي كان مقيمًا في باريس ويشغل منصبًا رفيعًا في الإذاعة الفرنسية، لكنه استقال عندما طُلب منه إذاعة مواد معادية لمصر أثناء العدوان الثلاثي عام 1956.


اقرأ أيضًا: لم يُطردوا: قراءة أخرى لخروج اليهود من مصر

جوقة في معبد بالإسكندرية، قبل عام 1967. برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا 

ومع ذلك فإن التلمساني أخرج عام 1953 فيلمًا استعراضيًا غنائيًا بطولة فريد الأطرش هو أنا وحبيبي عبّر فيه بوضوح عن تأييده للنظام الجديد، وتوالت أفلامه، ففي عام 1954 أخرج فيلم الأستاذ شرف، وفي العام التالي أخرج فيلم مدرسة البنات ثم فيلم موعد مع إبليس. وفي الفترة ذاتها نشر كتابين الأول سفير أمريكا بالألوان الطبيعية يعرّي فيه السينما الأمريكية ودورها التخريبي في وعي المتفرجين، وقرأ جمال عبد الناصر الكتاب، وأرسل مكتبه خطاب شكر للتلمساني، والكتاب الثاني عزيزي شارلي وهو عن الفنان العبقري شارلي شابلن وكلاهما صدر عام 1957.

(4)

لكن نظام 23 يوليو مالبث أن كشّر عن أنيابه، وتوالت حملات الاعتقال التي توّجت بالتجريدة الكبرى في ساعات الفجر الأولى من أول يناير/ كانون الثاني 1959، وبدأ التلمساني يعاني من التضييق على أعماله، ولم يُسمح له إلا بكتابة أفلام قليلة تدخلت الرقابة فيها، فغادر إلى بيروت عام 1961 .

كان الرحابنة يعرفونه جيدًا بطبيعة الحال. رحبوا به وعرضوا عليه أن يعمل مستشارًا لأعمالهم الفنية، وبالفعل شارك في الإعداد لفيلم بياع الخواتم إخراج يوسف شاهين، كما أشرف على كتابة سيناريو مسلسل قسمة ونصيب وفيلم سفر برلك، كما اشترك مع هنري بركات في كتابة فيلم الحب الكبير بطولة فاتن حمامة وفريد الأطرش عام 1968.

من جانب آخر، تشير الشواهد التي أوردها المؤلف إلى أن العلاقات بينه وبين النظام في مصر، لم تكن طيبة، فقد تخلّف عن كثير من زيارات العمل التي كان يقوم بها الرحابنة إلى القاهرة، في الوقت الذي كان يعمل معهم، وعلى مدى السنوات التي أقام فيها في بيروت وحتى رحيله في 2 مارس 1972، لم يحدث أن زار مصر.

وكان المتفرجون قد فوجئوا بفيروز تبكي وهي تغني على مسرح البيكاديللي في بيروت رغم أن الأغاني كانت مفرحة، وكان ذلك في اليوم نفسه الذي وقف فيه الرحابنة يتقبلون العزاء في الرجل الذي أمضى معهم سنواته الأخيرة.

تلك هي باختصار صفحة كامل التلمساني وتحولاته وإنجازه الثري، من فنان انتمى للسريالية، وناضل في صفوف فنانيها، وشارك في تأسيس جماعاتها ومطبوعاتها ومعارضها التشكيلية، إلى فنان اختار السينما وسيطا يعمل من خلالها مؤيدا للنظام الجديد بمجرد أن لاحت بوادره، لكنه اختار الفرار بعيدا عن معسكرات اعتقاله، بمجرد أن كشّر عن أنيابه إلى بيروت، التي مات فيها بين أصدقائه الرحابنة وبعد حياة حافلة حقًا.