الصورة: يوسف أيمن- المنصة

إلياس كانيتّي: مراكش كما رسمها وأرشدتني

كان كتاب أصوات مراكش لإلياس كانيتي، الكاتب الألماني من أصول بلغارية، والحائز على نوبل 1981؛ جزءًا هامًا من صورتي المتخيلة التي كونتها عن المغرب قبل زيارته. أتذكر أنني قابلت المترجم المغربي حسن حلمي في زيارته لمصر في دار شرقيات في منتصف الألفية الجديدة، وكان الكتاب صدر حديثًا عن الدار. جلسنا جلسة طويلة، في حضور الأستاذ حسني سليمان صاحب الدار، وأنا أطوق الأستاذ حسن حلمي بأسئلتي المتلهفة والمستفسرة عن المغرب.

ولد كانيتي، الذي ينحدر من عائلة إسبانية يهودية، عام 1905 في مدينة روستشوك في بلغاريا، وبعدها رحل مع عائلته إلى مانشستر في بريطانيا. بعد وفاة والده، 1911، رحلت والدته مع أولادها إلى فيينا، ثم إلى زيورخ في سويسرا. في عام 1921 سافر إلياس بمفرده إلى فرانكفورت الألمانية وحصل على الشهادة الثانوية، وبدأ في نفس السنة دراسة الكيمياء في جامعة فيينا. وفي عام 1929 أتم دراسته بنيله درجة الدكتوراه.

عبر هذه البلاد التي مرت بها عائلته، أجاد كانيتي ست لغات، والأهم أن مركزية البلد الأصل وحنينها، ذابت وسط هذه الخريطة الجديدة المتشعبة من البلاد، واللغات المتعددة، والألسنة المختلفة التي سيتكلم بها. ربما تحول معه هذا الغياب للأصل الواحد، إلى رغبته الدائمة في التأصيل، لأفكاره، وأيضًا لأي مشهد يعلق بذاكرته، فيقوم بتصويره بدقة، وكشف طبقاته الرمزية، كما يظهر بوضوح في كتابه شديد الدقة والتأصيل أصوات مراكش.

المنزل الذي ولد به كانيتي في بلغاريا. برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

جلد مزيف

أحيانًا بسبب هذه الوفرة للأصول المتعددة، وبالتالي اللغات المتعددة، كان كانيتي يتلاعب بها، ويجنح لكشف ذات أخرى ساوية بداخله، عبر كشفه للآخرين الذين لايرونه. يكتب في كتابه شذرات، الذي قام بترجمته رشيد بوطيب، وصدر عن منشورات كلمة:

أشعر بالتسلية حين يبدأ غرباء لايعرفون من أنا بالتهكم مني في وجودي، أحس بسعادة فائقة، وأنا أسمعهم وأفهم مايقولون ضدي، في لغة يعتقدونها غير مفهومة. أحس كما لو أني جالس في جلد مزيف، وأنهم يتحدثون عنه، ويصدرون أحكامهم بحقه، ولكني من يخفيه هذا الجلد ولعمري كم من الأشياء الصحيحة أستطيع قولها عنهم.

منحه هذا التعدد دورًا جديدًا يقوم به، أن يتلاعب بذاته، وبحقيقتها، فلا يتمسك بها، فهو يجلس أحيانًا داخل هذا "الجلد المزيف"، وأحيانًا أخرى خارجه، داخل جلد آخر. ربما تعدد المراكز، منح هذه الذات حرية ما، وألا تنجرح بسهولة، كما ينجرح أصحاب ذوات الأصول الواحدة، الذين يتمسكون بشجن وكرامة بمركزية هذا الأصل، ويتماهون معه.

ربما قسوة كانيتي وصرامته، وربما سخريته اللاذعة، كما يصف نفسه، تأتي من هذه النقطة. وربما من هنا ألمس سبب هذا الحس النقدي اللاذع والسخرية من نفسه أحيانًا، كونه لا توجد ذات مركزية بداخله يمكن أن تُجرح، ولكن هناك ذات متعددة طافية، تراوغ السهام.

يكتب في مذكراته بعنوان اللسان الناجي، التي ترجمها عن الألمانية الصديق أحمد فاروق، ونشرها على مدونته، وهو هنا يتحدث عن أمه:

منذ الصغر جعلني هذا العناد الذي لم أتفهمه لديها، أتخذ موقفًا ضد أي اعتزاز بالأصل. لا أستطيع أن أتعامل بجدية مع أناس يتباهون بأي نوع من أنواع الفخار الطبقي، وأنظر إليهم باعتبارهم حيوانات إكزوتية سخيفة بعض الشيء. كثيرًا ما أضبط نفسي متلبسًا بأحكام مسبقة ضد هؤلاء الذين يرون قيمة ما في انتمائهم لطبقات عليا. لذا اضطررت لمراقبة إن كان الأرستقراطيون القلائل الذين صادقتهم يتحدثون عن هذا الموضوع أم لا. ولو كانوا يعلمون أي جهد كلفني هذا الأمر، لاستغنوا عن صداقتي.

الموهبة مركز لا يمكن نسيانه

ولكنه أيضًا كان يُجرح، ولكن بمفهوم آخر للجرح. في مقال كتبه الكاتب الإيطالي كلوديو ماجريس، الذي تعرف إلى كانيتي سنوات مكوثه في إنجلترا، أنه مرة بعشم الحرية التي يُتيحها الكبار، ويقصد بالطبع كانيتي، انتقد أحد أعماله، فكتب له الأخير بعدها رسالة يخبره فيها بانتهاء صداقتهما، وهنا يعلق ماجريس الذي تُرجم مقاله المنشور في جريدة اللوموند "كانيتي.. منفي وتحولات"، وأعيد نشرها بالملحق الثقافي لجريدة المدي عام 2007، العدد 868، بترجمة سندس فوزي فرمان "تعلمت منه، ومن قليلين غيره، أن كل واحد منا، نعم كل واحد منا، هو مركز الكون".

ربما لأن كانيتي جُرح في موهبته، والموهبة مركز لا يتم تذويبه، ربما هي ما تسند هذه التعدد والتذويب لمركزية هويته الأصلية، لذا أصبحت بشكل ما مركز وجوده. ربما يسخر من نفسه، وينتقدها في صور الآخرين، ولكنه لا يسخر أبدًا من موهبته، فهي الهوية الجديدة له، التي لا تقبل القسمة أو الانشطار.

أثنولوجيا شديدة الذاتية

أصبح أصوات مراكش، أحد الكتب الملهمة، التي تعيد قراءتها مرات، وتفقد نسخها مرات، بسبب إهداءاتك منها للأصدقاء. أدب رحلات مختلف، ليس فيه سياحة بمعنى قطع مسافات، أو معاينة جغرافيا متغيرة، ولكن هناك جغرافيا غير ملموسة، جغرافية جسدية، لو شئنا التعبير الصحيح، ترتبط بأجساد الناس وطرق تعبيرها، وخلجاتها، وعلاماتها المميزة، وملابسها، شيء قريب من الأثنولوجيا شديدة الذاتية. كانت عين كانيتي تتهجى المكان، وثقافته، بهدوء ودقة، وبلاغة، مهما كان حجم الارتجال في تفسيراته، أو الجهل بالظاهرة التي يتكلم عنها، ففي النهاية يملك مراجع عديدة يمكنه بها أن يؤصل لأي ظاهرة طارئة تعبر أمام عينه.

أتخيل ساحة الفنا، الشهيرة، التي سميت باسم جامع الفناء الذي يقع على أطرافها. والتي كانت مركزًا لحركة كانيتي. تعرفها الويكبيديا "فضاء شعبي للفرجة والترفيه للسكان المحليين، والسياح في مدينة مراكش بالمغرب، تعتبر هذه الساحة القلب النابض لمدينة مراكش حيث كانت وما زالت نقطة التقاء بين المدينة والقصبة، ومحجًا للزوار من كل أنحاء العالم، للاستمتاع بمشاهدة عروض مشوقة لمروضي الأفاعي ورواة الأحاجي والقصص، والموسيقيين إلى غير ذلك من مظاهر الفرجة الشعبية".

ساحة الفنا. برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

كانت الساحة كمسرح مكشوف اختار منه كانيتي أبطال "أصوات مراكش"، وأحيانًا كان يخرج من هذا المسرح ليذهب قريبًا منه في حي الملاح، الذي يسكنه يهود مراكش، أو أحد الأسواق الجانبية، ليختار أبطالًا آخرين، من الباعة، ليفحص بدقة آلية عملية البيع والشراء والجدل الذي يحدث فيها، والتي تحمل في طياتها، رصدًا لعلاقة المغاربة، في الخمسينيات، حيث زارها عام 1954، بفن التجارة، وطرقها الإنسانية الثرية. كان السوق رمزًا للحياة ومساوماتها، قبل أن تتعقد أشكالها في أوروبا، وتنفصل السلعة عن صانعها.

كرامة السلعة

يكشف كانيتي أثناء تجواله في أسواق المصنوعات اليدوية، بمراكش، عن نمط قديم من التجارة والصناعة، كأنه كان يبحث عن ماضي أوروبا الذي اختفي، وأصبحت مراكش هي المنفذ له لهذا الماضي، حيث السلعة قريبة من يد المارة، يقوم صاحبها بصناعتها أمامهم. علاقة إنسانية تتخلل عملية الشراء والبيع معًا، بعكس أوروبا التي فصلت السلعة عن الصانع، ووضعتها داخل فاترينات، وأصبح هناك وسيطًا لهذه العملية.

يتعجب الكاتب كيف في بلد يخفي كل شي، حتى النساء، يكشف ببساطه عن شيء جوهري، السلعة، وكيفية وسر صناعتها. فهنا لا شيء يفصل المارة عن السلع، أو يفصل السلعة عن العامل. عادت السلع كجزء من حياة الناس، قبل سيطرة الإنتاج الوفير للسلع.

يشبّه كانيتي السلعة اليدوية كأنها مخلوق إنساني، مرتبطة بيد وإنسانية صانعها، لذا لها "كرامة" كما يشبهها كانيتي وهي معروضة في الأسواق، ربما يريد القول إنها "حرة"، وليست "مستعبدة" كالسلع الأوربية التي تعرض بعيدًا عن يد المارة في الفتارين.

يكتب أن السلعة هي عائلة البائع/ الصانع، يجلس وسطها ويعرف سرها، وعملية البيع والشراء علاقة مباشرة، وغير محددة مسبقًا، مع الشاري، فليس هناك سعر ثابت، هناك فصال دائم، وارتجال في السعر حسب ثراء الشاري أو فقره، لذا تنشأ الحكاية بين الاثنين، كجزء من عملية الفصال، كل منهما يحكي حكايته ليتم إنزال السعر أو القبول به، كان عملية البيع والشراء مسرح لأداءات إنسانية، يتولد منها الحكاية.

سحر الآلة

تلمح في كلامه حسًا نقديًا لجفاف أوروبا وسيطرة الآلة، التي تفصل بين البائع والشاري، وتتحول السلعة عندها إلى شيء مفصول عن الجميع.

إن إحدى كوارث حياتنا العصرية تكمن في أننا نتقبل كل أداة، وهي مكتملة وجاهزة، وعادة ما تنقل إلى البيت وهي مهيأة للاستعمال، كما ولو أنها أداة سحرية، هنا نرى العكس تمامًا، بإمكاننا أن نشاهد الحبَّال وهو يشتغل، ثم معلقة بجانبه تلك الحبال التي أنهاها. (أصوات مراكش، طبعة دار توبقال- ترجمة حسونة المصباحي، الرباط 1988).

السحر في أوروبا كانت الآلة مصدره، أما السحر في مغرب الخمسينيات فيكمن في يد الصانع وكرامة السلعة اليدوية.

ساحة الفنا

في أول زيارة للمغرب عام 2013، وبينما نقترب أنا وسلوى، من الرياض، في المدينة القديمة، التي سنقضي بها أيامنا في مراكش؛ سمعت من بعيد صوت المزمار، فخمنت أنها "ساحة الفنا" واستعدت كل أصوات كتاب كانيتي. كانت الساحة إحدى غاياتي بعد قراءتي للكتاب، كثافة غير طبيعية من الأجانب، المحتشدين في الشوارع الضيقة في الساحة، ومن حولها الساحة حيث توجد المحال القديمة. كرنفال كوني، الكل يسير فيه على أنغام المزمار، والحيات والقرود التي يتلاعب بها أصحابها في الساحة.

في إحدى أحياء مدينة فاس القديمة، وهو حي البليدة، قابلت محمد الريفي وهو من هؤلاء الزاهدين في البيع والشراء، الذين يمنحون بضاعتهم كرامة. دخلنا بازارًا يبيع السجاجيد "الزرابي"، بعد أن استوقفنا هذا الرجل، وعرض علينا أن ندخل ونتفرج. كان البازار عبارة عن بيت قديم. أخشى هذا النوع من المساومات المزيفة، دائمًا ما أوفر طاقتي لمساومات الشراء الحقة. وقفنا أمام عرض طويل للسجاجيد، ثم دعانا للجلوس عندما أيقن بأن الشراء هو آخر اختياراتنا. سرد كل منا حكايته للآخر، كان للرجل عادة إغماض عينه عند الحديث، ربما خجلًا من التحديق فينا، أو رغبته أن يكمل حديثه في ظلام نفسي.

وعدته بأننا سنمر عليه في المساء. نسيت وعدي تمامًا عند نزولي في المساء. أخطأنا وتهنا في الدروب المتشابهة كالعادة. وجدنا أنفسنا أمام بازاره. كان مظلمًا إلا من انعكاس النور الآتي من الخارج. شاهدت شبحًا جالسًا مكومًا على الدكة. شعرت بشفقة جارفة تجاهه، وتجاه جلسته الوحيدة. انتفض عندما سمع صوتنا ونحن نحييه. كان ينتظر حبل الإنقاذ. سريعًا أضاء النور وتسلق بئر الصمت الذي كان غارقًا فيه. قال "كنت أنتظركم". صدقته في الحال.

كراهية الموت

يحكي كانيتي عن تقديره للحكواتية الجالسين في "ساحة الفنا"، يروون حكاياتهم، وتمثيلياتهم للمشاهدين والمارة، ويؤكد كانيتي دومًا على كرهه للأدباء، أولاد الكار، من أمثاله، الذين يستعملون الورق، أما هؤلاء فيحفظون الأدب، أو الحكاية، بدون ورق. ربما كانيتي يكره أن تتحول الحرفة، إلى صناعة وتُفقد معها "حسها اليدوي" كما عند الحكواتية.

دائمًا ما يمجد كانيتي الشيء الشفاهي، ربما لأنه عابر وغير مخلد، كونه ممسوس بالفناء. الذاكرة الإنسانية أمام الأرشيف. فالشفاهة تقف على خط مساو مع الموت، الذي يكرهه كانيتي، وبدون أي رغبة في مقاومته. يكتب في اللسان الناجي:

لقد قضيت أفضل أوقات حياتي في تتبع ظهور الإنسان في الحضارات التاريخية. لقد قمت بلا هوادة بتحليل السلطة وتفكيك عناصرها مثلما فعلت أمي مع قضايا عائلتها. وبذا لم يتبق الكثير من الأشياء السيئة التي كان بإمكاني قولها عن البشر والبشرية. ومع ذلك فإن فخري بهم لا يزال كبيرًا جدًا بحيث لا يوجد سوى شيء واحد فقط أكرهه فعليًا، وهو عدوهم الموت.


اقرأ أيضًا: 200 سنة دوستويفسكي: على طاولة المقامر وشياطينه
تصميم: هشام عبد الحميد- المنصة


استعمال الموت

كما يظهر "الموت" أيضًا في شذراته التي قام بترجمتها رشيد بوطيب..

" يبدو لي أنه بدون تصور جديد عن الموت، لايمكننا قول شيء عن الحياة".

" لا أعترف بأي موت، وأن بموت حتى الذباب والبراغيث لا يساعدني على فهم الموت".

" فهنا لا نعيش بما فيه الكفاية، ولا نملك وقتًا لكي نثبت أنفسنا، وبما أننا نعترف بالموت، فإننا نستعمله".

"كل عشاق الموت ينتهون بإنكاره".

"يأس الأبطال وهم يشهدون إلغاء الموت".

"يربط العدم مثل منديل بعتقه، ولكنه يرفض البتة خنقه".

الخبز والنساء

كان هناك جانب من ساحة الفنا يذهب إليه كانيتي كل يوم مساءً حيث تبيع النسوة الخبز.

"اعتدت في الأماسي عقب حلول الظلام المضي إلى ذلك الجانب من ساحة جامع الفنا، حيث تبيع النسوة الخبز، كن يقتعدن الأرض صفًا واحدًا مترامي الطول، وقد أحكمن وضع الحجاب على وجوههن، فما تتراءى منهن إلا العيون. وضعت كل منهن أمامها سلة مغطاة بقطعة من القماش، استقر فوقها عدد من الأرغفة المستديرة المسطحة معروضة للبيع. كنت أمضي وئيدًا على امتداد الصف، متطلعًا إلى النسوة وأرغفتهن (...) ومن حين لآخر تلتقط إحداهن رغيفًا بيمناها، تلقي به عاليًا هونًا في الهواء، تلتقطه مجددًا، تميله إلى تلك الناحية ثم تلك كأنها تزنه، تربت عليه مرتين بصوت مسموع، ثم بعد إكمال هذه الملاطفات تعيد وضعه في أعلى الأرغفة الأخرى.

بهذه الطريقة فإن الرغيف نفسه، طزاجته، ثقله، ورائحته، يطرح نفسه للبيع، كأن ثمة شيء عارٍ ومغر في هذه الأرغفة: أيدي النسوة المشغولة اللاتي كن لولا كاسيات، ملتفات بالثياب تمامًا، باستثناء عيونهن التي تربط الأرغفة بهن، فتوشك أن تقول: هاك، يمكنني أن أهبك هذا من ذاتي، أمسكه بيدك، فهي مصدره". (أصوات مراكش- ص 141-142، ترجمة يوسف كامل حسين، دار شرقيات).

مجاز المرأة

يقيم كانيتي، في هذه الفقرة علاقة بين الخبز وجسد المرأة، فهي تضع كفها فيه، وفي استدارته شيء من مجاز المرأة. كان في رحلته يقترب من عالم النساء، عبر الشبابيك التي تقف وراءها المرأة، وعبر الحجاب، وعبر الخبز، يحاول أن يكشف سر هذا العالم الأنثوي.

نفس الشيء بهرني في رحلتنا للمغرب: الخبز. كان له قصة لوحده. في مدينة أزمور عثرنا على فرن تقليدي جذبني إليه بيت النار، الذي يقف أمامه الخباز. دخلت لأشتري رغيفًا من هذه الأرغفة الدائرية كبيرة الحجم، التي تشبه العيش الشمسي الصعيدي، ولكن مع هشاشة أنيقة وليس صلادة الشمسي، المرصوصة على أرفف خشبية. اعتذر الرجل وقال إن هذا الخبز مخصص فقط لأهالي الحى.

أثناء وقوفنا، حضرت إحدى الفتيات تحمل مستطيلًا خشبيًا فوق رأسها وأخذت خبز عائلتها بعد أن غطته بقطعة من الشاش. الأهالي هم الذين يعجنون الخبز ويرسلونه للفرن، وهناك تتم عملية التسوية مقابل مبلغ ما. حتى لا يردنا خائبين، استوقفنا الخباز ومنحنا نصف رغيف، ربما كان مخصصًا لإحدى عائلات الحي الصغيرة. شاركنا عائلة ما شطرًا من نصيبها اليومي من الخبز، وربما ظل هذا الجزء يربطنا بها دون أن نتلاقى.