من فيلم فرار. الصورة: IMDB

فيلم Flee: فرار من الوطن أم إليه؟

"ماذا تعني لك كلمة وطن؟ وطن؟ إنه المكان حيث تشعر أنك آمن، بالأمان التام" تظهر هذه الكلمات الافتتاحية على خلفية من صورة متحركة بالأبيض والأسود لأشخاص غير محددي المعالم يجرون هنا وهناك فرارًا من خطر ما لا نراه.

تلك هي عتبة نص فيلم فِرار (Flee)، وهكذا يضع مُشاهده يده على مفاتيح العمل، إذ يطرح أسئلة حول معنيين مجرَّدين؛ الوطن والفرار، وكيف يجتمع هذين المتضادين بأكثر مما نتخيل، في حياة ضحايا عرفوا معنى الوطن لوهلة بسيطة، ثم عاشوا حياتهم في فِرار دائم، يتوقون لمكانٍ لفظهم ولا يستطيعون العودة إليه إلا في كوابيسهم.

فيلم الرسوم المتحركة الدنماركي للمخرج جوناس بوهير راسموسن، هو واحد من أهم أفلام 2021، الذي رُشّح لثلاث جوائز أوسكار مختلفة لم تلتق أبدًا، وهي أفضل فيلم رسوم متحركة، وأفضل فيلم دولي، وأفضل فيلم وثائقي. فكيف حقق فِرار هذه المعادلة المستحيلة؟

غربة على غربة

ومع أنه مصنوع بطريقة الرسوم المتحركة، فهو يتناول قصة حقيقية، تبدأ الأحداث بالبطل أمين نوابي على ما يشبه كرسي العيادات النفسية، يحاول استعادة شذرات من حياته السابقة، التصالح معها، الاعتراف لأول مرة بأنه فرد في عائلة كبيرة، وأن أصوله ترجع إلى وطن، وأنه ليس وحيدًا وليس فارًا طوال الوقت، بل يمكنه أن يجد المستقر يومًا ما.


الفيديو الترويجي لفيلم "فرار"


أمين، وهو اسم مستعار، كان طفلًا يحيا في أفغانستان خلال فترة الاحتلال السوفيتي لها، مع عائلة كبيرة فقدت عائلها بشكل مفاجئ ولأسباب سياسية، ولكن على الرغم من ذلك يعتبر حياته في تلك الفترة هانئة مستقرة، لأن كل شيء انقلب رأسًا على عقب بعد خروج الروس، وبدء حكم طالبان.

علمت عائلة أمين أنْ لا مكان لهم في بلادهم بعد بدء طالبان عمليات "تطهير" أفغانستان، ففر أربعة منها إلى روسيا بعد حل الاتحاد السوفيتي، هناك يعيشون على الكفاف وبعيدًا عن مظلة القانون، حتى يستطيع الهرب إلى الدنمارك بطريقة "غير شرعية"، ويدّعي أنه بلا أي صلات عائلية ليستطيع الحصول على اللجوء السياسي، ويكمل حياته هناك وحيدًا، حاملًا دومًا عبء الفرار من مجهول إلى آخر.

يبدأ في الدنمارك فصل جديد من حياة أمين هو الذي قاده إلى النقطة التي تبدأ منها أحداث الفيلم الذي يتداعى إلينا عبر الفلاش باك، فالمراهق ينفصل هناك الانفصال الأخير عن ذاته القديمة، تاركًا خلفه ليس فقط وطنًا ومنزلًا، ولكن أيضًا العائلة، فأي صلة بهم تعني نهاية لجوئه السياسي وترحيله، لتستولي عليه فكرة بأنه يستحق هذه الوحدة المستمرة؛ فعندما أفضى سره لشخص ما، هدده به مع أول خلاف، وعندما أتيحت له فرصة الاستقرار للمرة الأخيرة مع شخص يحبه ومنزل يعجبه لجأ مرة أخرى للفرار.

تتراكم داخل أمين طبقات من الوحدة، هو اللاجئ بناء على كذبة، الملوّن في بلد من البيض، المثلي وسط عائلة مسلمة، يخاف أن يبوح بأي جزء من حقيقته فيفقد مكتسباته المحدودة، يخشى إقامة صلات مع الآخر، لأنه لم يحصل سوى على تجارب مؤسفة من هذه الصلات.

في ظل عالم لا تنتهي فيه حرب حتى تبدأ أخرى يبدو فيلم فِرار كما لو كان عملًا سيرتبط بالواقع الآني للأبد، فأمين البطل هنا هرب مع عائلته بسبب حكم طالبان بعد خروج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان، وهي المأساة التي تكررت بعد سنوات مرة أخرى بذات الكيفية، بعودة طالبان مرة أخرى لحكم أفغانستان وخروج القوات الأمريكية هذه المرة، ومحاولة الأفغان الهرب في مشهد سريالي لن ينساه أحد وهم معلّقون بعجلات طائرة أمريكية، ليبدو لهم هذا الانتحار المحض أكثر منطقية من الحياة في بلادهم التي تعني الموت بطرق أسوأ كثيرًا.

في عالم مثل هذا كيف يمكن محاكمة الذين يلجؤون، مثل بطل الفيلم، للهجرة غير الشرعية أخلاقيًا؟ هل يمكن اعتبار محاولة النجاة غير القانونية هذه إثمًا في ظل نفاد كل الاحتمالات الأخرى؟

التحريك هو الحل

من أهم الأسئلة التي قد تتبادر إلى ذهن مُشاهد فيلم فِرار هو لماذا التحريك؟ فيلم بقصة واقعية مثيرة، لماذا لم يُنع بممثلين حقيقيين، بدلًا من الاتجاه إلى الرسوم المتحركة الأكثر صعوبة وأعلى تكلفة بما لا يقاس؟

في البداية يجب توضيح أن فيلم الرسوم المتحركة الوثائقي هو نوع من الأفلام يجمع بين الرسوم والوثائقي، وأول مثال معروف لهذا النوع هو فيلم المخرج وينسر مكاي إنتاج عام 1918 بعنوان غرق لوسيتانيا ومدته 12 دقيقة، والذي استُخدمت فيه الرسوم المتحركة لتصوير غرق السفينة البريطانية لوسيتيانا عام 1915 بعد أن ضربها طوربيدان أطلقهما الجيش الألماني، وذلك لعدم توافر أي مواد وثائقية يمكن استخدامها لصنع فيلم بالصورة العادية، وهو الدافع الذي أدى إلى تكرر هذه التقنية في صناعة الأفلام الوثائقية بعد ذلك وحتى اليوم.


فيلم غرق لوسيتيانا


في فيلم فِرار استلهم المخرج قصته من أحد معارفه منذ مرحلة الدراسة الإعدادية، الذي وافق على تقديم قصة حياته الشائقة لتصبح إلهامًا لصديقه، لكن بشرط إخفاء هويته تمامًا، وهذه هي نقطة بداية الفيلم الحقيقية، فالكرسي الذي اعتقد المشاهد في المشهد الافتتاحي أنه يعود إلى طبيب نفسي كان في الحقيقة يرجع إلى المخرج، الذي صوّر صديقه عدة ساعات أصبحت أساسًا للعمل السينمائي فيما بعد.

تساعد الرسوم المتحركة هنا على القيام بوظيفتين، الأولى طمس هوية صاحب القصة الأصلية تمامًا، فلا يوجد حتى ممثل يمكن تخمين هل يشبهه أم لا؟ والنقطة الثانية هي الاستعاضة عن محاولة التصوير في أماكن تشبه التي جرت فيها القصة، في ظل صعوبات التصوير في أفغانستان وروسيا، والاستعانة بدلًا من ذلك بمزيج من التحريك والمشاهد الوثائقية القديمة لكابول والمدن الروسية التي عاشت فيها عائلة البطل، تعزز الرؤية الواقعية للعمل، وتذكرنا أن هذا الكابوس حقيقي تمامًا.

الأمر نفسه الذي حدث مع فيلم حربي المفضلة (My Favorite War) إنتاج 2020 من لاتفيا ويتناول قصة طفلة صغيرة عاشت خلال الحقبة السوفيتية ما بعد الحرب العالمية الثانية، وقدمت خلاله المخرجة إيلزي بوركوفسكا جاكوبسن قصة عائلتها التي تشردت بسبب الحرب الباردة، والحكم الصارم، والجوع والرعب، وكيف تحولت بلدتهم الصغيرة التي تشبه الجنة إلى جحيم، واستعانت المخرجة بخليط من الرسوم المتحركة والصور الخاصة بها في لاتفيا لتقدم الإطار العام للقصة.

وبررت ذلك بأنه كان الحل الوحيد لتقديم فيلمها في ظل عدم وجود أي أفلام وثائقية أو صور، يمكن استخدامها في صناعة فيلمها بالأسلوب الوثائقي العادي.


الفيديو الترويجي لفيلم "حربي المفضلة"


التشابه بين الفيلمين أبعد من مجرد استخدام نفس التقنية بل يمتد إلى طبيعة كل من العملين، فكلاهما قدم قصة بلوغ/ نضوج في ظل ظروف صعبة للغاية، وكلا البطلين لم يستطيع التحرر من عبء هذه الطفولة الصعبة إلا باستخدام الفن، فالطفلة بطلة حربي المفضلة فقدت والدها، وعاشت شظف العيش تحت الستار الحديدي للاتحاد السوفيتي. نضجت فأصبحت مخرجة سينمائية قدمت قصتها في فيلم عُرض في الكثير من المهرجانات العالمية وفاز بجوائز عدة، بينما لم يكشف بطل فيلم فِرار عن قصته إلا للمخرج جوناس بوهير راسموسن، وأمام كاميرته الوثائقية التي نقلت قصته لتصبح محل حديث العالم.

المشروع الأكثر طموحًا

يعتبر فرار من أبرز منجزات 2021 السينمائية، على الرغم من أنه عام متخم بالفعل بالأفلام الجيدة، ليس فقط لموضوعه الحساس، ولكنه عمل طموح للغاية بتقنية الرسم باليد في ظل اتجاه الكثير من صناع الرسوم المتحركة لاستخدام أدوات الحاسوب، ما أضفى على الفيلم اختلافًا بالمقارنة مع باقي أفلام الرسوم المنتجة هذا العام، التي تنافسه في الأوسكار، خاصة أعمال ستوديو ديزني التي أتت ميالة إلى التنوع الثقافي بفيلم تدور أحداثه في كولومبيا وآخر في إيطاليا، لكن بالتأكيد أي منهما لم يكن بالنضج الفني الذي قدمه فيلم فِرار، الذي تميز بمزج بين الواقعية الشديدة في رسم الشخصيات، ومحاولة مقاربة شكل القصص المصورة الثنائية الأبعاد، الأمر الذي ظهر بوضوح في أسلوب تحريك الشخصيات.

ولم يتوقف تميز الفيلم عند الرسم وتقنيات التحريك المستخدمة فيه ولكن كذلك بنيته السردية التي استخدم فيها تقنية الفلاش باك لإزالة الظلال التي تحيط حياة أمين السابقة، فتبدأ الأحداث في غرفة المخرج صديق البطل، والذي يحكي فيها ما يشبه الحلقات من حياته السابقة، ثم نعود إلى الحاضر وفيه يضطر البطل لاتخاذ قرارات مصيرية في حياته تتأثر بما يتم استرجاعه من الماضي.


اقرأ أيضًا: The Breadwinner: حكاية "برفانا" من المخيم لشاشة السينما

من فيلم The Breadwinner

استخدام الفلاش باك صنع رابطًا وثيقًا بين ماضي أمين وحاضره، فهو ابن لهذا الماضي، يحتاج إلى فك تشابكاته، وعقد اتفاقية سلام معه، وفي الوقت ذاته كانت أداة التذكر هذه متلائمة مع طبيعة حياة أمين، الذي فُرض عليه طمس معالم حياته السابقة، وهذا التشظي في الفلاش باك يشبه بالفعل استرجاع الذكريات التي يقوم بها العقل بشكل غير خطي ولا مرتب كما يظن الإنسان.

فيلم فرار رغم أنه الفيلم الطويل الثالث في مسيرة سينمائية لازالت في بدايتها لمخرجه، فإنه يظهر فهمًا عميقًا لنوعية الوسيط الذي يتعامل معه، فاستخدم كل أدواته التي ليست جديدة أو مستحدثة بالتأكيد، وأعاد ترتيبها ليصنع مزيجًا ساحرًا، فيلم رسوم متحركة بالتأكيد للكبار فقط، مزج فيه بين تقنيات تستخدم عادة في الفيلم الروائي مع عمل وثائقي، بتقنية سرد معقدة، وأسلوب رسم متفرد، فانتزع القصة من فخ الميلودراما التي من السهل الوقوع فيه وقدم عملًا فريدًا ليس فقط بين أفلام عام 2021 لكن في السينما بشكل عام.

فيلم عن شخص خارج السرب، يحاول أن يجد لنفسه مكانًا في العالم، أن يغرس جذورًا في أرض جديدة، لكن مثل الكثير منا لا يمكن أن يفعل ذلك دون التحلل من أعباء الماضي، لا يمكن أن يمضي قدمًا سوى بخلع جذوره القديمة، لذلك بدأ الفيلم بتحليل معنى الوطن، وطرح على المشاهد في النهاية سؤلًا؛ هل يمكن للمنبوذ أن يجد وطنًا آخر في يوم من الأيام؟