لوحة للفنان التشكيلي جيمس جريلي من عام 1802، تصور المخاوف من اللقاحات. - ويكيبيديا برخصة المشاع الإبداعي

عن اللقاحات والبقر: 200 سنة من نظريات المؤامرة

منشور الأحد 11 يوليو 2021

 

أتابع منشورات قناة السيدة ع. ج على تليجرام من حين لآخر. وهي مصرية تقول إنها طبيبة، وتقيم في سويسرا. كانت "ع" نشطة على تويتر ولها ما يزيد عن 100 ألف متابع، وأنا منهم، تتحدث عن التنوير والتقدم العلمي، وتنشر فيديوهات ومقالات عن الصحة الجنسية، وتدخل في معارك طويلة  مع الجميع عن أي وكل شيء.

أغلق تويتر حسابها في حملته لتطهير منصته من كبار مروجي نظريات المؤامرة حول جائحة كوفيد-19 ولقاحاته، فهربت "ع" مع غيرها من هؤلاء إلى منصات بديلة، وعلى رأسها تليجرام حيث لا حسيب، ينشرون آرائهم لجمهور أقل. لكن استطلاعات الرأي التي تشير إلى نسب الشك المرتفع بين العرب عمومًا حول لقاحات كورونا، ومظاهرات الكويت ضده، تؤكد أن رافضي اللقاحات، وإن كانوا قِلة، فهم يزدادون خطرًا، إذ أنهم قد يشكلوا عقبة أمام الوصول للمناعة المجتمعية ضد الوباء. 

تتفق دراسات علم النفس أن نظريات المؤامرة لا تأتي فرادى، فالمؤمن بنظرية واحدة، يؤمن غالبًا بثانية وثالثة ورابعة وخامسة. الأمر أشبه بأسلوب عمل "بوابة المخدرات"، حين تفتح السجائر الطريق لتعاطي الحشيش، ويقترب مدخن الحشيش خطوة نحو الكريستال ميث. الأمر نفسه مع التطرف الديني، الذي قد يبدأ بدرس عِلم بعد صلاة المغرب، وينتهي في كهف بسيناء أو الأنبار.

في قناة ع. ج. على تليجرام تطبيق عملي لمن يريد المشاهدة بنفسه، إذ تزداد أحاديثها تفككًا وخبلًا، وكلما انزلقت خطوة ازدادت سرعة الانحدار.  بدأت بالادعاء أن فيروس كورونا ليس حقيقيًا، ثم قالت بعد عدة أسابيع إن الفيروسات ليست هي السبب في الأمراض أصلًا، ثم ادَّعت أن اللقاحات سموم تؤذي الجسد، ثم روَّجت أن هناك مؤامرة من بيل جيتس وبعض مليارديرات العالم للتحكم في البشر. وزعمت إن ناسا زورت صعود روادها للقمر، ثم أنكرت كروية الأرض.

 

لقطات من قناة ع.ج. على تليجرام

 

كل ادعاء عجيب أو كذبة ساذجة قد يظن المرء أن طفلًا لا يصدقها، تدعمها عشرات الروابط لقنوات أخرى على تليجرام تردد ذات الهراء، ومئات المواقع الناشرة للأخبار المزيفة. شبكة هائلة ومُحكمة من الأكاذيب، تمتد من حركة كيو أنون بأمريكا، إلى رافضي اللقاحات في القاهرة، مرورًا بالمتظاهرين ضد الإغلاق في بريطانيا وألمانيا. يبدو لي وكأن تليجرام هذا مدخل لجحر الأرنب كما بقصة آليس في بلاد العجائب، فهو يقود إلى عالم موازٍ ينقلب فيه المنطق، وتنثني فيه قواعد الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، ويصبح المستحيل ممكنًا، والممكن مستحيلًا. 

كنت أتابع كتابات "ع" على تويتر لعقد كامل، لذا أنا متأكد بالضرورة أنها لم تكن كذلك.  يشغلني التساؤل حول كيفية تحولها، إن صح التعبير، وحول أصل كل هذا الجنون. 

مولد المؤامرة 

لم يكن هناك فيسبوك أو تليجرام عام 1866، لكن ذلك لم  يمنع أول حركة معارضة للقاحات في التاريخ (عصبة المتحالفين ضد التطعيم الإجباري) من نشر أفكارها على نطاق واسع،  من خلال كتابة وطباعة وتوزيع مئات الآلاف من المنشورات والمطبوعات والصور ورسوم الكاريكاتير. اجتذب التحالف الذي نشأ في بريطانيا مجموعات متناثرة تختلف خلفياتها، وتتفق في هدفها.

العوام كانوا يتناقلون قصصًا مؤكدة، أن الأطفال الذين يتناولون لقاح الجدري تنمو لهم ذيول، ويمشون على أربع، ثم يفقدون القدرة على الكلام ويشرعون في الخوار. 

مسيحيون متطرفون اتهموا الأطباء بتلويث أجساد البشر بمواد نجسة، وتحدي الطبيعة التي خلقها الله فوضع فيها الداء والدواء، وادعوا أن أثر التطعيم على أذرع الأطفال هي "علامة الوحش" التي وردت في سفر الرؤيا كأحد علامات قرب قيام الساعة. 

السبب في تلك الشائعات أن كلمة لقاح (فاكسين) مشتقة من مشتقة من اللاتينية Vaccinae والتي تعني حرفيًا (من البقرة). عام 1770، لاحظت حلَّابة بريطانية أنها حين تحلب أبقارًا مصابة بالجدري، وتمسك بيديها البثور المنتشرة على ضرعها، تكتسب مناعة تحميها من المرض حين يعصف بباقي سكان قريتها. التقط هذه الملاحظة الطبيب إدوارد جينر، وشرع في إجراء التجارب حتى خرج بأول لقاح ضد المرض الذي حصد أرواح مئات الملايين حول العالم، ومع قصة اكتشافه، بدأت أيضًا قصص "نجاسة" اللقاح وتحويله الأطفال إلى بقر. 

 

دكتور جينر يعطي أول تطعيم في التاريخ للطفل جيمس فيبس (8 سنوات). 14 مايو 1796. صورة برخصة المشاع الإبداعي- ويكيبيديا

لكن إلى جانب جموع الأميين والمهاويس دينيًا، كان هناك جمع ضخم من المعالجين و"الأطباء" المروجين لأساليب غير تقليدية للعلاج، والذين حاربوا أيضًا اللقاح بشراسة. 

لم يكن الطب وقتها توصل لفهم واضح لجهاز المناعة، لكن المجتمع الطبي كان منقسمًا إلى  فسطاطين: الأول مقتنع بنظرية الجراثيم، القائلة بأن الأمراض تنتقل عبر كائنات صغيرة لا ترى بالعين المجردة، من سطح أو جسد لآخر. الفسطاط الثاني يؤمن بنظرية الميازما أو الهواء الفاسد أو الملوث، وتروِّج هذه النظرية أن فساد الطبيعة المحيطة هو المسبب في كل الأمراض من الكوليرا إلى الطاعون. اندرج تحت مظلة الميازما عشرات الأنواع والدروب من أساليب والمدارس العلاجية، التي ادعت أن اللقاحات سموم غير ضرورية تفسد الجسد الذي لا يحتاج لمواد دخيلة لعلاجه.

انتصر العلم لأصحاب نظرية الجراثيم، فهموا حقيقتها وحللوها، وقسموها إلى فيروسات وميكروبات وفطريات وبروتوزا (أوليِّات)، لكن ذلك لم يزحزح أنصار الميازما عن معتقداتهم وظلوا في خرافاتهم يعمهون. 

معالجو الميازما في ثوبهم الجديد 

أثبتت اللقاحات فضلها على البشرية، فقللت من خطورة أمراض فتاكة مثل السعال الديكي وشلل الأطفال والتيتانوس والحصبة الألمانية وغيرها، لكن ذلك لم يزحزح الأعداء القدامي للقاحات عن موقفهم، وهم مستمرون علي نهجهم نفسه. 

الجهلاء مازالوا ينشرون الشائعات حول وفيات بالآلاف من اللقاحات لكن جهلهم صار أكثر وضوحًا وأسهل في إنكاره. 

والمتطرفون دينيًا من رجال الدين مازالوا ينشرون الخرافات نفسها ويحرِّمون العلاج، لكن خطرهم معروف، وحكومات العالم تكرِّس المليارات لصد خطرهم.  

فقط أتباع الميازما من يعيشون الآن عصرهم الذهبي. 

مازالت بعض مدارس الميازما التي تأسست  في أواخر القرن الثامن عشر وحتى أوائل التاسع عشر تحظى بشعبية هائلة. هناك المدرسة التي أسسها الياباني ميكاو يوسوي، والذي ادعى أنه قضي 21 يومًا يتأمل ويصلي في كهف حتى أتته رؤيا مكنته من شفاء الأمراض بوضع يديه على مكان المرض.   تسمى هذه المدرسة الريكي أو العلاج بالطاقة وتنظيف الشاكرات (7 طاقات يقولون إنها موجودة بجسم الإنسان). لا يمر شهر تقريبًا، حتى نجد معالجين جدد يطلون علينا عبر شاشات البرامج الصباحية.

هناك مدرسة أخرى أسسها الكندي ديفيد بالمر، وهو صاحب نظرية عجيبة تقول إن عيوب العمود الفقري أو انبعاجه هي أصل كل الأمراض، ومن خلال إصلاحها يمكن علاج كل علة من الشلل إلى ضعف البصر. كان بالمر يروج أنه ليس طبيبًا فقط بل معلمًا روحيًا، وفيلسوفًا ذا رؤية لا تقل أهمية للعالم عن رؤى المسيح ومحمد.  يسمى هذا بالكايروبراكتيك أو العلاج باستقامة العمود الفقري، وفيديوهات هؤلاء المعالجين تحظى بملايين المشاهدات على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يستمتع الناس بأصوات طقطقة الرقاب والأظهر حتى تحول الأمر إلى موضة يساهم المشاهير والمؤثرون في نشرها.

وهناك مدرسة ثالثة للألماني صامويل هانيمان، وهو صاحب نظرية معقدة عن العلاج بالمثل، ويدعي فيها أن بعض المواد تسبب للجسد أمراضًا، لكن هذه المواد نفسها إن خُففت في الماء عشرات المرات، تصبح دواءً. حديثه يشبه ما قاله قديما أبو نواس في بيته الشهير "وداوني بالتي كانت هي الداء"، والقيمة العلمية للاثنين (نظرية صامويل وبيت الشعر) سواء، أو ربما كان أبو نواس أدق، حيث شرب قليل من الخمر صباحًا بعد ليلة طويلة من السُكر قد يخفف بالفعل من آثار الدوار مؤقتًا. والحديث عن مدرسة العلاج المائي أو الهوميوباثي، وأعداد عياداتها ومليارات مبيعات أدويتها في ازدياد يومي، حتى صار لها أرفف مكتبات القاهرة جانب ركن كتب اليوجا والتطوير الذاتي. 

جماعات الميازما الحديثة ليسوا في فجاجة عامة الجهلاء، وهم أكثر لباقة وإقناعًا من رجال الدين؛ فهم يخفون كل هذا القبح بمزيج فريد من التسويق الجيد والمصطلحات التي تبدو علمية، والعبارات البراقة التي تجعل أتباعهم يبدون عقلاء، وهم ليسوا كذلك. 

الطريق إلى بلاد العجائب 

لا أقول إنني متقين من قصة تحول "ع. ج." من معسكر العقلاء إلى غياهب المؤامرات، لكن أزعم بعد متابعة كتاباتها، أن لديَّ فرضية واضحة. 

أتذكر الآن حديثها المكثَّف في الفترة الأخيرة على تويتر، عن ضروة العودة للطبيعة والشمس والهواء الطلق لتقوية المناعة، وهي دعوة محمودة، ثم تطور الحديث شيئًا فشيئًا عن مشكلات شركات الأدوية والممارسات غير الأخلاقية لشركات مستحضرات التجميل، وهي أمور بعضها حقيقي وبعضها شابه المبالغة، ثم محاولتها الترويج لخط مستحضرات "طبيعية" خاصة بها. تدريجيًا، بدأ كلامها يأخذ منحى آخر عن كراهية الطب التقليدي وفساد نظرياته، حتى أنكرت أن الفيروسات تسبب الأمراض أصلًا، منضمة بذلك للفئات الأكثر تطرفًا من جماعات الميازما. 

 جربوا إلغاء ملفات الكوكيز من متصفح الكمبيوتر، وافتحوا نافذة جديدة ليس فيها معلوماتكم أو حساباتكم الأصلية (Incognito). جربوا أن تبحثوا عن كلمات مثل هوميوباثي، والعلاج بالطاقة على يوتيوب وجوجل، واضغطوا بعض الروابط. ستلعب اللوغاريتمات لعبتها، وبعد دقائق ستجدون أنفسكم علي بعد خطوة واحدة من أكثر المؤامرات خبلًا حول لقاحات كورونا. ستقابلون بأنفسكم "أرنب" آليس في بلاد العجائب الذي جذب "عين جيم" وغيرها الآلاف إلى جحره.


اقرأ أيضًا: مخاوف غير علمية وحملات توعية غائبة: لماذا يخشى الكثيرون من اللقاح؟

 

أحد متلقي لقاح كورونا في البحر الأحمر يوقع الإقرار قبل تطعيمه. الصورة من صفحة وزارة الصحة - فيسبوك

نعم، إننا لا نرى من حولنا رجلًا يستخدم عصير ديتوكس الجرجير وحبوب الشيا بدلًا من جهاز الغسيل الكلوي، أو امرأة توقفت عن تناول أدوية القلب بعد أن واظبت على جلسات الريكي. أقصد أن الغالبية الساحقة من البشر يعتمدون على الطب التقليدي المبني على العلم التجريبي والدراسات التي يراجعها الأقران، والتجارب السريرية. وحتى هذه الأقلية المؤمنة بالشاكرات والطاقات والمائيات والماورائيات يتخلون عنها سريعًا إن أصابتهم أزمة صحية كبيرة تحتاج طبيبًا حقيقيًا. 

أغلب هذا الدجل المتدثر بعباءة "الطب البديل" لا يسبب أضرارًا صحية، صحيح أن في بعض الأحيان تؤدي ممارسات الكايروبراكتيك لإصابات في العمود الفقري أو الأعصاب، لكن تظل نسبة الإصابة 1 من بين 100 ألف وربما أقل. وقد ينخدع البعض فيظن أنه محصَّن مثلًا من الملاريا لأنه تناول أحد علاجات الهوميوباثي، ثم يصاب بالمرض ويشارف علي الموت، لكن هذه حالة نادرة. كلهم يبيعون وهمًا بأساليب لا تضر ولا تنفع. 

لكن، لهذا بالضبط، يعمى البعض عن خطرهم الحقيقي، فمع كل صورة براقة على إنستجرام، مع كل فيديو مبهر على عن العلاج بذبذبات الأحجار على يوتيوب، ومع كل عبارة تتصنع العمق على تويتر، هم يذيبون شيئا فشيئا الحاجز بين العلم والخرافة، وبين الطب والعطارة، وبين الحقائق التجريبية والتجليات الروحية، يضعون المستعدين للوقوع في براثن المؤامرة على أول الطريق، الذي رسموه منذ 200 سنة.