تصميم: يوسف أيمن- المنصة
-

جلال الشرقاوي: عالم الكيمياء المشاكس

منشور الثلاثاء 8 فبراير 2022

"مسرح الفن، جلال الشرقاوي، يُقدم.." أحد أشهر الإعلانات التي اعتدنا رؤيتها في الفواصل التليفزيونية وعلى صفحات الجرائد في التسعينات وحتى العقد الأول من الألفية الجديدة، للإعلان عن أعمال تُعرض تحت إشراف ذلك الرجل الذي يتخذ المسرح نفس اسمه.

وعلى مدار تلك السنوات العديدة البعيدة ظلت تلك الجملة بمثابة بشرى للجمهور تعده بمنتج فني متميز، وتختزن في مضمونها رحلة حب خاضها منذ الطفولة وحتى رحيله قبل يومين،  صار بفضلها أحد رموز المسرح العربي بنجاح لم يخل من مُنغّصات أتت من سلطة أخافتها رسائل تحملها أعمال ذلك  "المُشاكس" جلال الشرقاوي.

في الكواليس

في شارع مراسينا بحي السيدة زينب بالقاهرة كان ميلاد جلال يوم 14 يونيو/ حزيران عام 1934، ومنه انتقل إلى شارع قدري باشا بالحي نفسه، لتبدأ رحلته مع المسرح بفضول ومتعة طفل يرى عروضًا بسيطة على خشبة مسرح إيزيس، الذي أنشأه أحد بنائي المسارح، ويُدعى مصطفى حفني، على أرض فضاء مجاورة لمنزل الشرقاوي، انتقل إليها الرجل اضطرارًا بعد هدم مسرحه برينتانيا الذي كان في شارع الفن الأبرز آنذاك، عماد الدين.

وعلى خشبة إيزيس، التي حولتها الأيام إلى سينما، وقف رواد ذلك الفن مثل جورج أبيض ويوسف وهبي وفاطمة رشدي وعلي الكسار، وفي كواليسه تربّى جلال منذ كان في الخامسة من عمره، والسر والفضل في ذلك كان لجاره وصديقه مختار، ابن صاحب المسرح الذي لم ينبهر جلال بعروضه وما في كواليسه من تفاصيل فحسب، بل وبما كان يلقاه ممثلوه من تقدير أيضًا.

فأن تكون طفلاً يرى بصورة يومية موكبًا حاشدًا على صفي الطريق إلى المسرح في استقبال وتوديع واحد من نجوم ذلك العصر (الأربعينيات) يوسف بك وهبي، بينما هو يُحييهم من سيارته بإطلالة شبه ملكية، فهذا أمر صعب نسيانه، خاصة لو كنت طفلاً محظوظًا بموهبة اكتشفها المحيطين بك، واجتهدت أنت في تنميتها؛ فكان وأن تقابلت بعد عقود وجهًا لوجه مع مَن كنت تنبهر بموكبه.

سيناريوهات الحظ

"عالمُ سحر"، هكذا رأى الشرقاوي المسرح منذ كان صغيرًا، حسبما حكى في لقاء سابق عن سر حُبه للمسرح. وتلك كانت بذرة في قلب الطفل، نمّاها فيما بعد أنشطة في مدرسة محمد علي الابتدائية، فهناك اكتشف مدرس اللغة العربية تميّز التلميذ جلال في القراءة والخطابة، فكان وأن أحسن استغلالها في حفلات السمر ونهاية العام، بإشراكه مُمثلاً في روايات صغيرة يؤلفها.

 

الشرقاوي يتحدث عن المسرح


وكما للمسرح حبكاته ورواياته، كان الأمر نفسه في حياة جلال، الذي بدا مٌدققًا حريصًا على التفاصيل ومحتجًا على أي خطأ او قصور فيها، وذلك منذ كان تلميذًا في الصف الثالث الابتدائي يُشارك في مسرحية مدرسية بدور مُحامي، واستنكر في البروفة النهائية عدم وجود "روب المحاماه"؛ ففكر سريعًا وألحّ في استعارة إحدى ستائر المطعم المدرسي السوداء كي تحولها أمه إلى زي شخصيته.

 

وعلى بساطتها، تطورت رحلة الطفل وعرف أنواعًا من النصوص جعلته أهلاً للبطولة التي نالها في الصف الرابع الابتدائي بمسرحية شعرية لفتت أنظار الجيران والأصدقاء إلى مشروع الممثل الذي يعيش وسطهم، وهو ما لم يخيب ظنهم فيه، فحفظ وهو في العامين الأخيرين للتوجيهية (الثانوية العامة الآن) نصوصًا مسرحية لكبار الشعراء والكُتّاب، مثل العباسة لعزيز باشا أباظة، ومجنون ليلى لأحمد شوقي، وماجدولين للمنفلوطي.

ذلك التميز الفني لم يأت من فراغ، فهو الطالب الذي بمجرد أن التحق بالتوجيهية سأل عن فرقة التمثيل، واستمر فيها طيلة سنوات الدراسة الخمس، حتى أصبح رئيسًا لها بنشاط واستمتاع لم يكن عائقًا أمام تفوقه دراسيًا، إذ أنهى التوجيهية بمجموع ألحقه بكلية العلوم بجامعة القاهرة، التي كرر فيها الأمر نفسه بالالتحاق بفرقة التمثيل، وواصل نشاطه فيها حتى حصوله على البكالوريوس في تخصص الكيمياء عام 1954.

شغف الشاب

كلية العلوم، تخصص كيمياء. هنا ربما يظهر الاختلاف أو حتى الصدمة بتساؤلاتهما. فكيف لمن كان دائمًا هواه مع المسرح أن يتجه إلى هذه الدراسة العملية الجامدة؟

لكن للحكاية أصل، فجلال الذي كان مجموعه يؤهله للالتحاق بكلية الطب في جامعة الإسكندرية، امتثل لقرار والده بالالتحاق بـ"علوم القاهرة" كي يكون بجوار الأسرة، لأنه لم يكن بلغ من العُمر بعد إلاّ 16 سنة.

لكن سواء كانت الدراسة طب أو علوم، الأمر سواء لجلال، فالهدف واضح ومُحدد، فرقة مسرح الكلية، التي صار رئيسها في العام الثاني للدراسة. ولم يكتف بذلك، فعشقه للفن جعله عضوًا في فرقة الكوميدي الجامعية برئاسة طالب كُلية التجارة فؤاد المهندس، والمسرح الجامعي برئاسة طالب كلية الآداب علي بدران، ليعيدوا تقديم مسرحيات الريحاني ومسرحيات شكسبير.

وبهذا الشغف؛ شعر الشاب بأنه ليس مجرد موهوب أو مُحب للمسرح، بل فنان له رسالة، فبلغ به الطموح حد المغامرة بالتواصل مع فاتن حمامة، نجمة الخمسينات، ليدعوها للمشاركة معهم في مسرحية خصص وزملائه دخلها للمساهمة في "قطار الرحمة"، الذي انطلق في ذلك العصر لدعم ثورة 1952، فشاركهم الطالب جلال وزملائه بمسرحية حوّر عنوانها ومضمونها من في سبيل التاج إلى في سبيل الوطن.

معادلات فنّية

انتهت سنوات العلوم ولم تنته سنوات الفن، الذي في سبيله رفض جلال المتفوق عرضًا للتعيين مُعيدًا في الكلية وآخر للعمل كمهندس في السودان الذي آثر عليه القاهرة لأنها مقر قبلته، المعهد العالي للفنون المسرحية.

وبمنطق المعادلات الكيميائية التي درسها، تعامل الابن المُطيع مع الأمر، فسلّم والده الشهادة الجامعية وأبلغه برغبته في الانطلاق في مساره الفني، فكان الاتفاق مع الأب على الالتحاق بكلية التربية؛ ليحصل على دبلوم في التربية وعلم النفس ويُعيّن مُدرس كيمياء وطبيعة في مدرسة النقراشي الثانوية النموذجية نهارًا، بينما هو تلميذ في المعهد مساءً، زميلاً لمن صاروا فيما بعد فنانين ذوي قيمة مثل إسلام فارس وعبد الرحمن أبو زهرة، وأبو بكر عزت.

ومثلما استهل طالب الفن مشواره الدراسي بثلاث جُمل كتبت له النجاح أمام لجنة الالتحاق بالمعهد، التي كانت مكونة من فنانين بقيمة جورج أبيض ويوسف وهبي وزكي طليمات، اختتمه متفوقًا بالحصول على الترتيب الأول في دفعته؛ ليبدأ مشوار فني آخر في بعثة أعلنت عنها وزارة الثقافة لدراسة الإخراج والتمثيل في روسيا، التي سافرها بعد تفوقه في اجتياز كل ما سبقها من اختبارات.

أن يكون التلميذ الأول في ترتيب المتفوقين ليس من فراغ، فكل هذا الحب للفن والمسرح جعل دراسته متعة يحصد معها أعلى الدرجات، وليست مُجرد واجبات والتزامات يتغاضى في سبيل الوفاء بها عمّا اعتاد التدقيق به، التفاصيل. فكان وأن رحل سريعًا عن موسكو، مُفضلاً عليها باريس، بعد أن افتقد الكيمياء مع روسيا، لأسباب فنية وسياسية.

وفي فرنسا، درس جلال تكنيك الإخراج في السينما والمسرح، وهناك أيضًا واصل الاجتهاد بالدراسة على مدار 16 ساعة، تبدأ من الثامنة صباحًا بكونه طالبًا بالمعهد العالي للدراسات السينمائية، ليُنهيها في الرابعة عصرًا حين يتحول إلى طالب بمعهد جوليان برتو للدراما حتى الثانية عشر منتصف الليل.

وهكذا على مدار سنوات أربع، عاد بعدها إلى مصر بدبلومتي المعهدين ليسخرهما بكل ما درسه في خدمة المسرح، ذلك البيت الذي أكد أنه "يعيش فيه أكثر من بيته"، فهو بالنسبة له وبكلمات تتوافق ودراسته الأولى "عالم سحر. ونوع من المعادلة الكيميائية التي تمزج الواقع بالخيال، لكي تنشئ منتجًا جديدًا لا هو واقع ولا هو خيال".

موسم الحصاد

من باريس عاد جلال ليواجه ثلاث اختيارات، التعيين في التليفزيون أو مُخرجًا في فرقته المسرحية، أو مُدرّسًا في المعهد العالي للفنون المسرحية؛ فاختار هذه الأخيرة مع الإخراج لمسرح التليفزيون. وهنا بدأت مرحلة جديدة في حياة الشاب بلقاء رئيس فرق التليفزيون المسرحية آنذاك، السيد بدير.

ورغم انبهار الشاب بهذه القامة الفنية، لكنه ظل على ما هو عليه من تدقيق في التفاصيل، وكما احتج صغيرًا على تفاصيل دور محامٍ بلا روب، أعلن لبدير بعد 24 ساعة من المذاكرة والاطلاع، رفضه الرواية التي أعطاها له ليخرجها. وحينها، كان رد فعل بدير الغاضب إشارة على ضياع فرصة ذهبية من يد جلال. لكن لم يمض سوى أسبوعين حتى هاتفه الفنان لإخراج عمل آخر؛ فتحولت كتابة أنيس منصور الأحياء المجاورة من رواية إلى مسرحية.

في ذلك الوقت، بشّر السيد بدير المؤلف أنيس منصور بهذا المجنون المشاكس، الذي رفض نصًا أجنبيًا وقبل رواية رفضها كل من عرضت عليهم من مخرجين، فوصفه بأنه "شاب كويس راجع من باريس".

من هنا بدأ المسار المهني للمخرج الشاب بمحطات كان أبرزها مدرسة المشاغبين، المسرحية التي اتهمها كثيرون بـ"تدمير أجيال"، بينما ظل هو حتى سنوات الشيب يُدافع عنها، ويؤكد فخره بها وبممثليها. ولم لا وثلاثة منهم هم أحمد زكي، ويونس شلبي، وهادي الجيار كانوا تلامذته في المعهد، وهو مَن رشّحهم للمسرحية التي لم يقبل إلاّ بوصفها بأنها "سياسية من الطراز الأول".

وفي هذا الوصف استند جلال على مضمون الراوية التي يمثل تلاميذها الجيل الشاب بينما يمثّل الآباء وناظر المدرسة السُلطة، مُعلنًا فخره بها، وتبرؤه مما فعله بها المشاغبون من تحريفات وارتجالات وثّقها التصوير التليفزيوني، وجعلته يلوم عليهم فيما قيل عن المسرحية من "إفسادها للأجيال".

سنوات الصراع

السيناريوهات، سواء واقعية أو مسرحية، لا تخل من منغصات، فحلاوة النجاح الذي ذاق طعمه الشرقاوي، رافقها مرارة صراع مع سلطات حاكمة رغم أنها كانت في عزّ قوتها لكنها كانت تخشى مجال الرجل، مسرح الكلمة؛ حد أنهم أغلقوا مسرحه.

وربما هذا الإجراء مفهومًا من نظام أكد على مدار ثلاث عقود ديكتايتوريته حد سعيه للتوريث، وبالتالي لم يكن ليرضى بمسرح سياسي أخرج على خشبته الشرقاوي مسرحيات منها عام 1995  دستور يا أسيادنا، طالبت بالترشح لرئاسة الجمهورية عبر الاقتراع السري المباشر ولمدة حكم لا تتجاوز الأربع سنوات؛ فكان وأن حاصر الأمن المسرح وأغلقه بالشمع الأحمر، قبل سحب تراخيصه.

حينها، حاول المخرج حماية فنّه من تلك الديكتاتورية، لكن فشل اعتصامه ضد السلطات، التي صارت في حالة أقرب إلى العداء معه حد منع عرض مسرحيات له مثل  عطية الإرهابية وعَ الرصيف ودستور يا أسيادنا والخديوي على تليفزيونها الرسمي، وقت كان النافذة الوحيدة للجماهير، رغم إذاعات تليفزيونات أخرى لها. والسبب حسبما ذكر في حوار بعد سنوات من سقوط مبارك ورحيل نظامه هو "خوف السلطات ورقابتها من الكلمة".


اقرأ أيضًا|سهير البابلي: بكيزة هانم تصعد إلى السماء

 


بالفعل، اتبعت السلطات مخاوفها، بدلاً من دعم فن رجل كان على قدر من الموهبة والحرفية حد التفرغ لمدة عامين لمذاكرة نص مسرحي، ثم السفر للخارج لمدة ست شهور قبل إخراجه على خشبة المسرح. لكن قد يكون مفهومًا سبب خصومة السلطات له، إذا ما علمنا أن النص كان اسمه انقلاب.

هنا كلمة وسياسية اختار الشرقاوي الحرص على تقديمها للجمهور، ليس فقط عبر الـ"انقلاب"، بل وفي نصوص مسرحية أخرى كان أبرزها بلاد في المزاد.

فتلك المسرحية رفضتها رقابة عهد فاروق حسني، وزير الثقافة الذي عاداه ولم يكتف بتشميع مسرحه، بل وبحرمانه من إخراج نص مسرحي آخر هو الحسين ثائرًا، ولو على مسرح آخر؛ فظل الرجل، الفنان والمخرج يحلم به حتى سنوات شيخوخة، تألم فيها مما آل إليه حال مسرح ظل على حُبه له حتى يوم رحيله.